Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 109

51

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient

ولَمّا كانَ جُلُّ قَصْدِهِمْ بِذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ، وكانَ وُقُوعُهُ أمْرًا مُمْكِنًا، وكانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ أنْ يَبْعُدَ عَنْ كُلِّ خَطَرٍ مُمْكِنٍ، أمَرَهُ ﷺ بِجَوابٍ آخَرَ حَذَفَ مِنهُ واوَ العَطْفِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ لا يَكْفِي في كَوْنِهِ جَوابًا إلّا بِضِمْنِهِ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَنِ اسْتَبْطَأ وعِيدَنا بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الأُخْرى، وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الأخْذِ في الدُّنْيا إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ لَهم مَحْضٌ لا نَفْعَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَهو مِمّا لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ قَصْدُ عاقِلٍ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ وهي مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ في الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ أخْذُ اللَّيْلِ أنَكى وأسْرَعَ قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿بَياتًا﴾ [أيْ] في اللَّيْلِ بَغْتَةً وأنْتُمْ نائِمُونَ كَما يَفْعَلُ العَدُوُّ؛ ولَمّا كانَ الظَّفَرُ لَيْلًا لا يَسْتَلْزِمُ الظَّفَرَ نَهارًا مُجاهَرَةً قالَ: ﴿أوْ نَهارًا﴾ أيْ: مُكاشَفَةً وأنْتُمْ مُسْتَيْقِظُونَ، أتَسْتَمِرُّونَ عَلى عِنادِكم فَلا تُؤْمِنُوا؟ فَكَأنَّهم قالُوا: لا، فَلْيَجْعَلْ بِهِ لِيَرى، فَقِيلَ: إنَّكم لا تَدْرُونَ ما تَطْلُبُونَ! إنَّهُ لا طاقَةَ لِمَخْلُوقٍ بِنَوْعٍ مِنهُ، ولا يَجْتَرِئُ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ إلّا مُجْرِمٌ ﴿ماذا﴾ أيْ: ما الَّذِي؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابَ الشَّرْطِ ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ العَجَلَةَ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ، وعَذابُهُ كُلُّهُ مَكْرُوهٌ لا يُحْتَمَلُ شَيْءٌ مِنهُ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ إذْ سُنَّةُ اللَّهِ قَدِ اسْتَمَرَّتْ بِأنَّ المُكَذِّبَ لا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ مَخايِلِهِ، وأمّا إذا بَرَكَ بِكَلْكَلِهِ وأناخَ بِثِقَلِهِ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] وهَذا مَعْنى التَّراخِي في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ أيْ عَذابُهُ وانْتَفى كُلُّ ما يُضادُّهُ ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ عادَتُهم كَمَن قَبْلَهُمُ الِاسْتِعْجالَ بِالعَذابِ عِنْدَ التَّوَعُّدِ بِهِ، وكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِأنَّ المُكَذِّبِينَ إذا أتاهُمُ العَذابُ يَتَراخى إيمانُهم بَعْدَ مَجِيءِ مُقَدِّماتِهِ وقَبْلَ اجْتِثاثِهِمْ بِعَظائِمِ صَدَماتِهِ لِشِدَّةِ مُعانَدَتِهِمْ فِيهِ وتَوَطُّنِهِمْ عَلَيْهِ كَما وقَعَ لِلْأوَّلِينَ \ مِنَ الأُمَمِ بَغْيًا وعُتُوًّا كَقَوْمِ صالِحٍ لَمّا تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهم بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ في اليَوْمِ الأوَّلِ ثُمَّ الثّانِي ثُمَّ الثّالِثِ وأيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ ووَدَّعَ بَعْضُهم بَعْضًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، وجَرَتْ بِأنَّهم إذا ذاقُوا مَسَّ العَذابِ وأخَذَتْهم فَواجِئُهُ الصِّعابُ شَغَلَتْهم دَواهِيهِ عَنِ العِنادِ واضْطَرَّتْهم أهْوالُهُ إلى سَهْلِ الِانْقِيادِ، فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ وضَعَ تَقْرِيعَهم عَلى الِاسْتِعْجالِ عَقِبَ الوَعِيدِ، ثُمَّ وضَعَ التَّراخِيَ عَنِ الإيمانِ بِالعِنادِ بَعْدَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ ومُعايَنَةِ التَّلَفِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَأْتِيَكم عَذابُهُ الَّذِي لا عَذابَ أعْظَمُ مِنهُ - كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلَيْهِ - فَبَيَّتَكم أوْ كاشَفَكُمْ، ما تَفْعَلُونَ؟ ألا تُؤْمِنُونَ؟ فَقالُوا: لا، فَلْيَعْجَلْ بِهِ لِيُرى، فَناسَبَ لَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بَعْدَ هَذا الإنْذارِ تَسْفِيهُهم عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ماذا﴾ أيْ: أيَّ نَوْعٍ مِنهُ يَطْلُبُ عَجَلَتَهُ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ ولا نَوْعَ مِنهُ إلّا وهو فَوْقَ الطّاقَةِ ووَراءَ الوُسْعِ، إنَّ هَذا لَمُنْكَرٌ مِنَ الآراءِ، …

52

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ هو العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ، أتْبَعَهُ ما بَعْدَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ في جَزائِهِمْ فَقالَ: ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ اسْتِهانَةً ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وبَعْدَ أزِّكم في الدُّنْيا والبَرْزَخِ بِالعَذابِ وهَزِّكم بِشَدِيدِ العِقابِ قِيلَ لَكم يَوْمَ الدِّينِ بِظُلْمِكم بِالآياتِ وبِما أُمِرْتُمْ بِهِ فِيها بِوَضْعِكم كُلًّا مِن ذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ فالإتْيانُ بِ ”ثُمَّ“ إشارَةٌ إلى تَراخِي ذَلِكَ عَنِ الإهْلاكِ في الدُّنْيا بِالمُكْثِ في البَرْزَخِ أوْ إلى أنَّ عَذابَهُ أدْنى مِن عَذابِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُخِيفَ مُطْلَقُ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ بِمَعْنى النَّفْيِ، وكانَ المَعْنى: بِشَيْءٍ، اسْتَثْنى مِنهُ فَقالَ: ﴿إلا بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِكم ﴿تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ العَزْمِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ ولَوْ طالَ المَدى تَنْفَكُّونَ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وإنْ عَظُمَ، فَكانَ جَزاؤُكُمُ الخُلُودَ في العَذابِ طِبْقَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ؛ والعَذابُ: الألَمُ المُسْتَمِرُّ، وأصْلُهُ الِاسْتِمْرارُ، ومِنهُ العُذُوبَةُ لِاسْتِمْرارِها في الحَلْقِ؛ والبَياتُ: إتْيانُ الشَّيْءِ لَيْلًا؛ والذَّوْقُ: طَلَبَ الطَّعْمِ بِالفَمِ في ابْتِداءِ الأخْذِ.

53

۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

And they ask information of you, [O Muhammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allah]."

ولَمّا انْقَضى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ التَّهْدِيدِ وصادِعِ الوَعِيدِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم صارُوا إلى ما هو جَدِيرٌ بِسامِعِ ذَلِكَ مِنَ النُّزُولِ عَنْ ذَلِكَ العِنادِ إلى مَبادِئِ الِانْقِيادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ“ أيْ: ويَطْلُبُونَ مِنكَ الإنْباءَ وهو الإخْبارُ العَظِيمُ عَنْ حَقِيقَةِ هَذا الوَعْدِ الجَسِيمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ كالأوَّلِ، فَيَكُونُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ فِيهِ بَعْدَ ما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ أشَدَّ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ: أثابِتٌ هَذا الَّذِي تَتَوَعَّدُنا بِهِ أمْ هو كالسِّحْرِ لا حَقِيقِيَّةَ لَهُ كَما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوهُ ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِهِمْ ﴿إي ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ المُدَبِّرِ لِي والمُصَدِّقِ لِجَمِيعِ ما آتِي بِهِ؛ ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أيْ: كائِنٌ ثابِتٌ لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ بِكم.

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ حَقًّا، ويَكُونُ الإنْسانُ قادِرًا عَلى دَفْعِهِ فَلا يَهُولُهُ، قالَ نَفْيًا لِذَلِكَ: ﴿وما أنْتُمْ﴾ أيْ: لِمَن تَوَعَّدَكم ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ فِيما يُرادُ بِكم.

54

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged

ولَمّا أخْبَرَهم بِحَقِيقَتِهِ، أخْبَرَهم بِما يَكُونُ [مِنهُمْ] مِنَ الظُّلْمِ أيْضًا عِنْدَ مُعايَنَتِهِ بِالسَّماحِ \ بِبَذْلِ جَمِيعِ ما في الأرْضِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ البَذْلُ بَعْدَ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ وهُوَ مِن أيْسَرِ الأشْياءِ وأحْسَنِها فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أيْ: عِنْدَ المُعايَنَةِ ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ: كُلِّها مِن خَزائِنِها ونَفائِسِها ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ: جَعَلَتْ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ، ولَوْ كانَ ما قُبِلَ مِنهُمْ، فَإذا وقَعَ ما يُوعَدُونَ اسْتَسْلَمُوا ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ أيِ اشْتَدَّ نَدَمُهم ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الكَلامِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ لِأنَّهم بُهِتُوا لِعِظَمِ ما دَهَمَهم فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَ المُسِرِّ، لِأنَّهم لَمْ يُطِيقُوا بُكاءً ولا شِكايَةً ولا شَيْئًا مِمّا يَفْعَلُهُ الجازِعُ؛ والِاسْتِنْباءُ: طَلَبُ النَّبَأِ كَما أنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ الفَهْمِ؛ والنَّبَأُ: خَبَرٌ عَنْ يَقِينٍ في أمْرٍ كَبِيرٍ؛ والحَقُّ: عَقْدٌ عَلى المَعْنى عَلى ما هو بِهِ تَدْعُو الحِكْمَةُ إلَيْهِ، وكُلُّ ما بُنِيَ عَلى هَذا العَقْدِ فَهو حَقٌّ لِأجْلِهِ، والحَقُّ في الدِّينِ ما شَهِدَ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى الثِّقَةِ فِيما طَرِيقُهُ العِلْمُ، والقُوَّةُ فِيما طَرِيقُهُ غالِبُ الأمْرِ، وذَلِكَ فِيما يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أحَدُهُما أشْبَهُ بِالأصْلِ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّصُّ؛ والِافْتِداءُ: إيقاعُ الشَّيْءِ بَدَلَ غَيْرِهِ لِرَفْعِ المَكْرُوهِ، فَداهُ فِدْيَةً وأفْداهُ وافْتَداهُ افْتِداءً وفاداهُ مُفاداةً وفَداهُ تَفْدِيَةً وتَفادى مِنهُ تَفادِيًا؛ والإسْرارُ: إخْفاءُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ؛ والنَّدامَةُ: الحَسْرَةُ عَلى ما كانَ يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أوْقَعَها. وهي حالٌ مَعْقُولَةٌ يَتَأسَّفُ صاحِبُها عَلى ما وقَعَ مِنها ويَوَدُّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أوْقَعَها.

ولَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ الماضِياتُ عَلى تَحَتُّمِ إنْجازِ الوَعْدِ والعَدْلِ في الحُكْمِ، وخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ﴾ أيْ: وأوْقَعَ القَضاءَ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ؛ ولَمّا اسْتَغْرَقَ القَضاءُ جَمِيعَ وقائِعِهِمْ دَلَّ بِنَزْعِ الجارِّ فَقالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيِ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ والظّالِمِينَ والأظْلَمِينَ ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ؛ ولَمّا كانَ وُقُوعُ ذَلِكَ لا يَنْفِي وُقُوعَ الظُّلْمِ في وقْتٍ آخَرَ قالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَقَعُ فِيهِمْ ظُلْمٌ مِن أحَدٍ أصْلًا كائِنًا مَن كانَ في وقْتٍ ما.

55

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allah is truth, but most of them do not know

ولَمّا كانَ السَّبَبُ الحامِلُ لِمُلُوكِ الدُّنْيا عَلى الكَذِبِ والجَوْرِ والظُّلْمِ العَجْزَ أوْ طَلَبَ التَّزَيُّدِ في المُلْكِ، أشارَ إلى تَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا سَوْقًا لَهم مَساقَ المُنْكِرِ لِأنَّ فِعْلَهم في عِبادَةِ الأصْنامِ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ مَضْمُونَ الكَلامِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ بَدَأ بِها لِعُلُوِّها مَعْنًى وحِسًّا وعَظْمَتُها؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْغِنى عَنِ الظُّلْمِ لَمْ يُحْوِجِ الحالُ إلى تَأْكِيدٍ بِإعادَةِ النّافِي فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ: مِن جَوْهَرٍ وعَرَضٍ صامِتٍ وناطِقٍ، فَلا شَيْءَ خارِجٌ عَنْ مُلْكٍ يُحْوِجُهُ إلى ظُلْمٍ أوْ إخْلافِ وعْدٍ لِحِيازَتِهِ، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَظْلِمُ إلّا ناقِصُ المُلْكِ وأمّا مِن لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ فَهو الحَكَمُ العَدْلُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا يُخْلِفُ الوَعْدَ إلّا ناقِصُ القُدْرَةِ وأمّا مَن لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَخْرُجُ عَنْ قَبْضَتِهِ شَيْءٌ فَهو المُحِقُّ في الوَعْدِ العَدْلُ في الحُكْمِ، وفي الآيَةِ زِيادَةُ تَحْسِيرٍ وتَنْدِيمٍ لِلنَّفْسِ الظّالِمَةِ حَيْثُ أُخْبِرَتْ بِأنَّ ما تَوَدُّ أنْ تَفْتَدِيَ بِهِ لَيْسَ لَها مِنهُ شَيْءٌ ولا تَقْدِرُ عَلى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ، ولَوْ قَدَرَتْ ما قُبِلَ مِنها، وإنَّما هو لِمَن رَضِيَ مِنها بِالقَلِيلِ مِنهُ فَضْلًا مِنهُ عَلَيْها عَلى ما أُمِرَ بِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ، وعَلى هَذا فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ أنَّ لَها ذَلِكَ لافْتَدَتْ بِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَها بَلْ لِلَّهِ؛ فَلَمّا ثَبَتَ بِذَلِكَ حُكْمُهُ بِالعَدْلِ وتَنَزُّهُهُ عَنْ إخْلافِ الوَعْدِ صَرَّحَ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿حَقٌّ﴾ لِأنَّهُ تامُّ القُدْرَةِ والغِنى، فَلا حامِلَ [لَهُ] عَلى الإخْلافِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَدْعُوهم وهم يَدَّعُونَ دِقَّةَ الأفْهامِ وسِعَةَ العُقُولِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم فَهم لا يَتَدَبَّرُونَ ما نَصَبْنا مِنَ الأدِلَّةِ فَلا يَنْقادُونَ لِما أمَرْنا بِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَهم باقُونَ عَلى الجَهْلِ مَعْدُودُونَ مَعَ البَهائِمِ؛ و”ألا“ مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ و”لا“ وكانَتْ تَقْرِيرًا وتَذْكِيرًا فَصارَتْ تَنْبِيهًا، وكُسِرَتْ ”إنَّ“ بَعْدَها لِأنَّها اسْتِئْنافِيَّةٌ يُنَبَّهُ بِها عَلى مَعْنًى يُبْتَدَأُ بِهِ ولِذا يَقَعُ بَعْدَها الأمْرُ والدُّعاءُ بِخِلافِ ”لَوْ“ و”إلّا“ لِلِاسْتِقْبالِ فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَها إلّا كَسْرُ ”إنَّ“ و”أما“ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى ”حَقًّا“ في قَوْلِهِمْ: أما إنَّهُ مُنْطَلِقٌ، وهي لِلْحالِ فَجازَ في ”إنَّ“ بَعْدَها الوَجْهانِ - ذَكَرَهُ الرُّمّانِيُّ؛ والسَّماواتُ طَبَقاتٌ مَرْفُوعَةٌ أوَّلُها سَقْفٌ مُزَيَّنٌ بِالكَواكِبِ. وهي مِن سَما بِمَعْنى عَلا.

56

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

He gives life and causes death, and to Him you will be returned

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ لا شَيْءَ خارِجٌ عَنْ مُلْكِهِ، وأنَّهُ تامُّ القُدْرَةِ لِأنَّهُ لا مُنْجِيَ مِن عَذابِهِ، شامِلُ العِلْمِ لِقَضائِهِ بِالعَدْلِ، صادِقُ الوَعْدِ لِأنَّهُ لا حامِلَ لَهُ عَلى غَيْرِهِ، وثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِأنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ؛ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَكُونُ الرَّدُّ إلّا إلَيْهِ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُحْيِي﴾ أيْ: كَما أنْتُمْ بِهِ مُقِرُّونَ ﴿ويُمِيتُ﴾ كَما أنْتُمْ لَهُ مُشاهِدُونَ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ لِأنَّهُ وعَدَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [يونس: ٤] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وغَيْرِ ذَلِكَ ولا مانِعَ لَهُ مِنهُ؛ والحَياةُ مَعْنًى يُوجِبُ صِحَّةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ و[يُضادُّ] المَوْتَ، وهو يَحِلُّ سائِرَ أجْزاءِ الحَيَوانِ فَيَكُونُ بِجَمِيعِهِ حَيًّا واحِدًا، والحَيُّ هو الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قادِرًا، والقادِرُ هو الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُذَمَّ ويُحْمَدَ بِما فَعَلَ، والمَوْتُ مَعْنًى يُضادُّ الحَياةَ عَلى البِنْيَةِ الحَيَوانِيَّةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الجَمادِيَّةُ.

57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

O mankind, there has to come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقٌّ مُبايِنٌ لِلسِّحْرِ الَّذِي مَبْناهُ عَلى التَّخْيِيلِ، أقْبَلَ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنَّهم قالُوا إنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ وعْدَنا والإخْبارَ بِهِ سِحْرٌ؛ ولَمّا كانَ بَيْنَ الأرْواحِ والأبْدانِ حُبٌّ غَرِيزِيٌّ بِالتَّعَلُّقِ، والتَذَّ الرُّوحُ لِذَلِكَ بِمُشْتَهَياتِ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بِما انْطَبَعَ فِيهِ بِمَظاهِرِ الحِسِّ فَلَمْ يَأْتِهِ نُورُ العَقْلِ حَتّى تَعُودَ النَّقائِصُ بِقُوَّةِ التَّعَلُّقِ فَحَدَثَتْ لَهُ أخْلاقٌ ذَمِيمَةٌ هي أمْراضٌ رُوحانِيَّةٌ، فَأرْسَلَ رَبُّهُ الَّذِي أوْجَدَهُ ودَبَّرَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ طَبِيبًا حاذِقًا هو الرَّسُولُ ﷺ لِعِلاجِ هَذِهِ الأمْراضِ. وأنْزَلَ كِتابَهُ العَزِيزَ لِوَصْفِ الأدْوِيَةِ، فَكانَ أحْكَمُ الطِّبِّ مَنعَ المَرِيضِ عَنْ أسْبابِ المَرَضِ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: زاجِرٌ عَظِيمٌ عَنِ التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ القَلْبَ عَنِ اللَّهِ مِنَ المَحْظُوراتِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ هو الشَّرِيعَةُ.

ولَمّا كانَ تَناوُلُ المُؤْذِي شَدِيدَ الخَطَرِ، وهو لَذِيذٌ إلى النَّفْسِ لِما بَيْنَهُما مِن مُلاءَمَةِ النَّقْصِ، وكانَ الِانْكِفافُ عَنْهُ أشَقَّ شَيْءٍ عَلَيْها، رَغَّبَها في القَبُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكُمُ المُدَبِّرِ لِمَصالِحِكم بِهَذا القُرْآنِ؛ ولَمّا كانَ ألْيَقُ ما يُعْمَلُ بَعْدَ الحَمِيَّةِ تَعاطِيَ الدَّواءِ المُزِيلِ لِلْأخْلاطِ الفاسِدَةِ مِنَ الباطِنِ، قالَ: ﴿وشِفاءٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿لِما في الصُّدُورِ﴾ مِن أدْواءِ الجَهْلِ، وذَلِكَ الشِّفاءُ يَحْصُلُ بِتَطْهِيرِ الباطِنِ بَعْدَ التَّخَلِّي عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالتَّحَلِّي بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ لِيَصِيرَ الباطِنُ سالِمًا عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ النّاقِصَةِ كَما سَلِمَ البَدَنُ مِنَ الأفْعالِ الدَّنِيَّةِ، وهَذا هو الطَّرِيقُ.

ولَمّا كانَتِ الرُّوحُ إذا انْصَقَلَتْ مِرْآتُها فَصارَتْ قابِلَةً لِتَجَلِّي الأنْوارِ عَلَيْها [بِفَيْضِ] البُرُوقِ الإلَهِيَّةِ والنَّفَحاتِ القُدْسِيَّةِ والمَواهِبِ المَلَكُوتِيَّةِ لِأنَّها دائِمَةُ اللَّمَعانِ كَما قالَ ﷺ فِيما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««إنَّ لِرَبِّكم في أيّامَ دَهْرِكم نَفَحاتٍ، ألا فَتَعَرَّضُوا لَهُ»» الحَدِيثَ. ولَيْسَ المانِعُ مِن نُزُولِها في كُلِّ قَلْبٍ إلّا عَدَمَ القابِلِيَّةِ مِن بَعْضِها لِتَراكُمِ الظُّلُماتِ فِيها مِن صِداءِ المُخالَفَةِ ودِينِ الإعْراضِ والغَفْلَةِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ كالمَرايا الصَّدِيئَةِ لا تَقْبَلُ انْطِباعَ الصُّوَرِ بِها، قالَ تَعالى: ﴿وهُدًى﴾ إلى الحَقِّ لِأنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ يَقُودُ صاحِبَهُ – ولا بُدَّ - إلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، وهَذا لِلصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ.

ولَمّا كانَ هَذا النُّورُ إذا زادَ عَظَمَةً وانْتَشَرَ إشْراقُهُ يَفِيضُ - بَعْدَ الوُصُولِ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِجِ الرَّبّانِيَّةِ - عَلى أرْواحِ النّاقِصِينَ فَيْضَ النُّورِ مِن جَوْهَرِ الشَّمْسِ عَلى أجْرامِ العالَمِ فَيُنِيرُ كُلَّ قابِلٍ لَهُ مُقْبِلٍ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: إكْرامٌ عَظِيمٌ بِالإمامِيَّةِ بالِغٌ في الكَمالِ والإشْراقِ إلى حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وهَذا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ ولَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِأنْوارِهِمْ إلّا مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّ الِانْتِفاعَ …

58

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

Say, "In the bounty of Allah and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ حَثَّهم عَلَيْهِ لِبَعْدِهِ عَنِ السِّحْرِ بِثَباتِهِ وعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى زَلْزَلَتِهِ فَضْلًا عَنْ إزالَتِهِ وبِأنَّهُ شِفاءٌ ومَوْعِظَةٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ فَهو جامِعٌ لِمَراتِبِ القُرْبِ الإلَهِيِّ كُلِّها، وزَهَّدَهم فِيما هم عَلَيْهِ مُقْبِلُونَ مِنَ الحُطامِ لِمُشارَكَتِهِ لِلسِّحْرِ في سُرْعَةِ التَّحَوُّلِ والتَّبَدُّلِ بِالفَناءِ والِاضْمِحْلالِ فَهو [أهْلٌ] لِلزُّهْدِ فِيهِ والإعْراضِ عَنْهُ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وحَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَعْقِيبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [يونس: ٥٦] لِما ذُكِرَ مِن سُرْعَةِ الرَّحِيلِ عَنْهُ، ولِأنَّ القُرْآنَ مُحْيِي لِمَيِّتِ الجَهْلِ، مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ أفادَهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ، فَكانَ لِلْقَلْبِ كالحَياةِ لِلْجَسَدِ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ صارَ في ضَلالٍ وخَبْطٍ فَوَصَلَ إلى الهَلاكِ الدّائِمِ، فَكانَ إعْراضُهُ عَنْهُ مُمِيتًا لَهُ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ مُتَعَلِّقَ الباءِ في ”بِفَضْلِ“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ﴿قُلْ﴾ لِيَفْرَحُوا ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿وبِرَحْمَتِهِ﴾ ثُمَّ عَطَفَ قَصْرَ الفَرَحِ عَلى ذَلِكَ ﴿فَبِذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ جِدًّا وحْدَهُ إنْ فَرِحُوا يَوْمًا ما بِشَيْءٍ ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ فَهُما جُمْلَتانِ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ أظْهَرُ، وفائِدَةُ الثّانِيَةِ قَصْرُ الفَرَحِ عَلى ذَلِكَ دُونَ ما يُسَرُّونَ بِهِ مِنَ الحُطامِ فَإنَّ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ السِّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِسَبَبِ الفَرَحِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيِ المُحَدَّثُ عَنْهُ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ: مِن حُطامِ الدُّنْيا وإنْ كانَ أشْرَفَ ما فِيها مِنَ المَتاعِ دائِبَيْنِ فِيهِ عَلى تَعاقُبِ الأوْقاتِ، والعاقِلُ يَخْتارُ لِتَعَبِهِ الأفْضَلَ؛ والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ؛ والفَرَحُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى.

59

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ

Say, "Have you seen what Allah has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allah permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allah?"

ولَمّا وصَفَ القُرْآنَ العَظِيمَ بِالشِّفاءِ وما مَعَهُ المُقْتَضِي لِاسْتِقامَةِ المَناهِجِ وسَدادِ الشَّرائِعِ ووُضُوحِ المَذاهِبِ، وأشارَ إلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَخُصَّهُ بِالفَرَحِ لِبَقاءِ آثارِهِ وما يَدْعُو إلَيْهِ وزُهْدِهِ فِيما يَجْمَعُونَ لِفَنائِهِ ولِأنَّهُ يَدْعُو إلى رَذائِلِ الأخْلاقِ فَيَحُطُّ مِن أوْجِ المَعالِي، أشارَ إلى أنَّهم كَما خَبَطُوا في الفَرَحِ فَخَصُّوهُ بِما يَفْنى مُعْرِضِينَ عَمّا يَبْقى فَكَذَلِكَ خَبَطُوا في طَرِيقِ الجَمْعِ فَوَعَدُوها عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ حَرَّمُوا بَعْضَ ما أحَلَّهُ، فَمَنَعُوا أنْفُسَهم ما هم بِهِ فَرِحُونَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَنَقَصُوا بِذَلِكَ حَظَّهم في الدُّنْيا بِهَذا المَنعِ وفي الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ في تَحْرِيمِهِ حَيْثُ جَعَلُوهُ شَرْعًا مَرْضِيًّا وهو في غايَةِ الفَسادِ والبُعْدِ عَنِ الصَّوابِ والقُصُورِ عَنْ مَراقِي السَّدادِ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ اسْتِهْزاءً قاضِيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهم مُسْتَهْزِئًا بِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم تَوْبِيخًا هو في أحْكَمِ مَواضِعِهِ، وساقَهُ عَلى طَرِيقِ السُّؤالِ بِحَيْثُ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ أصْلًا بِغَيْرِ الإقْرارِ بِالِافْتِراءِ فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي، وعَبَّرَ عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ شَيْءٌ لا يُمْكِنُ ادِّعاؤُهُ لِأصْنامِهِمْ لِنُزُولِ أسْبابِهِ مِن مَوْضِعٍ لا تَعَلُّقَ لَهم بِهِ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ \ الكَمالِ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصًّا بِكم ﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: أيِّ رِزْقٍ كانَ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الرِّزْقِ الَّذِي خَصَّكم بِهِ ﴿حَرامًا وحَلالا﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي تَقَدَّمَ في الأنْعامِ وغَيْرِها قِصَّتُهُ وبَيانُ فَسادِهِ عَلى أنَّهُ جَلِيُّ الفَسادِ ظاهِرُ العِوَجِ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ أمْرًا آخَرَ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: مَن أذِنَ لَكم في ذَلِكَ؟ ﴿آللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿أذِنَ لَكُمْ﴾ فَتُوَضِّحُوا المُسْتَنَدَ بِهِ ﴿أمْ﴾ لَمْ يَأْذَنْ لَكم فِيهِ مَعَ نِسْبَتِكم إيّاهُ إلَيْهِ لِأنَّكم فَصَّلْتُمُوهُ إلى حَرامٍ وحَلالٍ ولا مُحَلِّلَ ومُحَرِّمَ إلّا اللَّهُ، فَأنْتُمْ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وعِلْمًا ﴿تَفْتَرُونَ﴾ مَعَ نِسْبَتِكُمُ الِافْتِراءَ إلَيَّ في هَذا القُرْآنِ الَّذِي أعْجَزَ الأفْكارَ، والشَّرْعِ الَّذِي بَهَرَ العُقُولَ وادِّعائِكم أنَّكم أبْعَدُ النّاسِ عَنْ مُطْلَقِ الكَذِبِ وأطْهَرُهم ذُيُولًا مِنهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم أشَدُّ النّاسِ تَبَرُّؤًا مِنَ الكَذِبِ وقَدْ خَصُّوا اللَّهَ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَهم - بِأنْ تَعَمَّدُوا الكَذِبَ عَلَيْهِ.

60

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allah on the Day of Resurrection? Indeed, Allah is full of bounty to the people, but most of them are not grateful."

ولَمّا كانَ قَدْ مَضى مِن أدِلَّةِ المَعادِ ما صَيَّرَهُ كالشَّمْسِ، وكانَ افْتِراؤُهم قَدْ ثَبَتَ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى مُسْتَنَدٍ بِإذْنِ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ القِيامَةَ مِمّا هو مَعْلُومٌ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿الكَذِبَ﴾ أيْ: أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: هَبْ أنَّكم لَمْ تَسْتَحْيُوا مِنهُ ولَمْ تَخافُوا عَواقِبَهُ في الدُّنْيا فَما تَظُنُّونَ أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمَ؟ أتَظُنُّونَ أنَّهُ لا يُحاسِبُكم فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ فَعَلَ ما لا يَفْعَلُهُ رَبٌّ مَعَ مَرْبُوبِهِ.

ولَمّا كانَ تَعالى يُعامِلُهم بِالحِلْمِ وهم يَتَمادَوْنَ في هَذا العُقُوقِ، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: بِنِعَمٍ مِنها إنْزالُ الكُتُبِ مُفَصَّلًا فِيها ما يَرْضاهُ وما يَسْخَطُهُ وإرْسالُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِبَيانِها بِما يَحْتَمِلُهُ عُقُولُ الخَلْقِ مِنها، ومِنها طُولُ إمْهالِهِمْ عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ فَكانَ شُكْرُهُ واجِبًا عَلَيْهِمْ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ أيِ النّاسَ لِاضْطِرابِ ضَمائِرِهِمْ ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهم شُكْرٌ فَهم لا يَتَّبِعُونَ رُسُلَهُ ولا كُتُبَهُ، فَهم يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ فَيَفْعَلُونَ ما يُغْضِبُهُ سُبْحانَهُ؛ والتَّحْرِيمُ: عَقْدُ مَعْنى النَّهْيِ عَنِ الفِعْلِ؛ والتَّحْلِيلُ: حَلُّ مَعْنى النَّهْيِ بِالإذْنِ؛ والشُّكْرُ: حَقٌّ يَجِبُ بِالنِّعْمَةِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِهِ والقِيامِ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ عَلى قَدْرِها؛ وافْتِراءُ الكَذِبِ: تَزْوِيرُهُ وتَنْمِيقُهُ فَهو أفْحَشُ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.