Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 109

51

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١ ] ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾

﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ إنْكارٌ لِإيمانِهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حَقِيقَةً، داخِلٌ مَعَ ما قَبْلَهُ مِن إنْكارِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ حُكْمًا، تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ. أيْ: أبَعْدَ ما وقَعَ العَذابُ وحَلَّ بِكم حَقِيقَةً آمَنتُمْ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ؟ إنْكارًا لِتَأْخِيرِهِ إلى هَذا الحَدِّ، وإيذانًا بِاسْتِتْباعِهِ لِلنَّدَمِ والحَسْرَةِ، لِيُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ، ويَتَوَجَّهُوا نَحْوَ التَّدارُكِ قَبْلَ فَوْتِ الفَواتِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. أيْ: قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ ؟ وذَلِكَ إنْكارًا لِلتَّأْخِيرِ، وتَوْبِيخًا عَلَيْهِ. وسِرُّ وضْعِ " تَسْتَعْجِلُونَ" مَوْضِعَ (تُكَذِّبُونَ) الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ؛ الإشارَةُ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ الِاسْتِعْجالُ السّابِقُ، وهو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، اسْتِحْضارًا لِمَقالَتِهِمْ، فَهو أبْلَغُ مِن (تُكَذِّبُونَ).

وقِيلَ: الِاسْتِعْجالُ كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ اسْتِحْضارُها. هَذا ما ذَكَرُوهُ، ولا مانِعَ مِن بَقاءِ الِاسْتِعْجالِ عَلى حَقِيقَتِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] إلَخْ، فَهم مَعَ تَهَكُّمِهِمْ رَضُوا بِأنْ يُعايِنُوا آيَةً يُعَذَّبُونَ بِها، لِما في قُلُوبِهِمْ مِن مَرَضِ العِنادِ العُضالِ، والجَهْلِ المُصِمِّ المُعْمِي، ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِأنَّ العَذابَ هَلْ فِيهِ ما يُسْتَعْجَلُ مِنهُ! أيْ فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِعْجالِ لا يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ مَسْكَةٌ مِن عَقْلٍ؛ إذْ لا يُسْتَعْجَلُ إلّا ما يُرْجى خَيْرُهُ، ثُمَّ أعْلَمَهم بِعَدَمِ فائِدَةِ إيمانِهِمْ وقْتَئِذٍ، وما يُوَبِّخُونَ بِهِ، إنْكارًا لِلتَّأْخِيرِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

52

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [ ٥٣ ] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أشْرَكُوا ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ في الآخِرَةِ ﴿إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ تَقُولُونَ وتَعْمَلُونَ في الدُّنْيا.

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ [يونس: ٥٣] أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] أيِ الوَعْدُ بِعَذابِ الخُلْدِ، أوِ ادِّعاءُ النُّبُوَّةِ أوِ القُرْآنُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] أيْ بِفائِتِينَ العَذابَ. فَهو لاحِقٌ بِكم لا مَحالَةَ، مِن (أعْجَزَهُ) الشَّيْءُ إذا فاتَهُ. ويَصِحُّ كَوْنُهُ مِن (أعْجَزَهُ) بِمَعْنى وجَدَهُ عاجِزًا. أيْ: ما أنْتُمْ بِواجِدِي العَذابِ أوْ مَن يُوقِعُهُ بِكم عاجِزًا عَنْ إدْراكِكُمْ، وإيقاعِهِ بِكم.

لَطائِفُ:

الأُولى- دَلَّ سُؤالُهم هَذا عَلى مَحْضِ جَهْلِهِمْ أوْ عِنادِهِمْ، لِما ثَبَتَ مِنَ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزِ القُرْآنِ، وإذا صَحَّتِ النُّبُوَّةُ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ كُلِّ ما يُنْبِئُهم عَنْهُ، مِمّا يُصَدِّعُهم بِهِ.

الثّانِيَةُ- إنَّما أمَرَ بِالقَسَمِ لِاسْتِمالَتِهِمْ، ولِلْجَرْيِ عَلى ما هو المَأْلُوفُ في المُحاوَرَةِ، مِن تَحْقِيقِ المُدَّعِي، فَإنَّ مَن أقْسَمَ عَلى خَيْرٍ، فَقَدْ كَساهُ حُلَّةَ الجِدِّ، وخَلَعَ عَنْهُ لِباسِ الهَزْلِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤]

الثّالِثَةُ- لِما كانَتِ النّاسُ طَبَقاتٍ، كانَ مِنهم مَن لا يُسَلِّمُ إلّا بِبُرْهانٍ حَقِيقِيٍّ، ومِنهم مَن لا يَنْتَفِعُ بِهِ، ويُسَلِّمُ إلّا بِالأُمُورِ الإقْناعِيَّةِ، نَحْوَ القَسَمِ، «كالأعْرابِيِّ الَّذِي قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وسَألَهُ عَنْ رِسالَتِهِ وبَعْثِهِ، وأنْشَدَهُ بِالَّذِي بَعَثَهُ، ثُمَّ اقْتَنَعَ بِقَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقالَ: آمَنتُ بِما جِئْتَ بِهِ وأنا رَسُولُ مَن ورائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضُمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ،» -رَواهُ البُخارِيُّ في أوائِلِ كِتابِ العِلْمِ-.

الرّابِعَةُ- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَ لَها نَظِيرٌ في القُرْآنِ إلّا آيَتانِ أُخْرَيانِ، يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِهِ عَلى مَن أنْكَرَ المَعادَ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] وفي التَّغابُنِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] -انْتَهى -.

وقَدِ اسْتَمَدَّ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا مِمّا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) قالَ: وحَلَفَ ﷺ في أكْثَرِ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ، ثُمَّ قالَ: وكانَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ القاضِي يُذاكِرُ أبا بَكْرِ بْنَ داوُدَ الظّاهِرِيَّ ولا يُسَمِّيهِ بِالفَقِيهِ - فَتَحاكَمَ إلَيْهِ يَوْمًا هو وخَصْمٌ لَهُ، فَتَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ داوُدَ، فَتَهَيَّأ لِلْحَلِفِ، فَقالَ لَهُ القاضِي إسْماعِيلُ: وتَحْلِفُ، ومِثْلُكَ يَحْلِفُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي عَنِ الحَلِفِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؟ قالَ: أيْنَ ذَلِكَ؟ …

53

۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

And they ask information of you, [O Muhammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allah]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [ ٥٣ ] ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أشْرَكُوا ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ في الآخِرَةِ ﴿إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ تَقُولُونَ وتَعْمَلُونَ في الدُّنْيا.

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ [يونس: ٥٣] أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] أيِ الوَعْدُ بِعَذابِ الخُلْدِ، أوِ ادِّعاءُ النُّبُوَّةِ أوِ القُرْآنُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] أيْ بِفائِتِينَ العَذابَ. فَهو لاحِقٌ بِكم لا مَحالَةَ، مِن (أعْجَزَهُ) الشَّيْءُ إذا فاتَهُ. ويَصِحُّ كَوْنُهُ مِن (أعْجَزَهُ) بِمَعْنى وجَدَهُ عاجِزًا. أيْ: ما أنْتُمْ بِواجِدِي العَذابِ أوْ مَن يُوقِعُهُ بِكم عاجِزًا عَنْ إدْراكِكُمْ، وإيقاعِهِ بِكم.

لَطائِفُ:

الأُولى- دَلَّ سُؤالُهم هَذا عَلى مَحْضِ جَهْلِهِمْ أوْ عِنادِهِمْ، لِما ثَبَتَ مِنَ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى نُبُوَّتِهِ بِمُعْجِزِ القُرْآنِ، وإذا صَحَّتِ النُّبُوَّةُ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ كُلِّ ما يُنْبِئُهم عَنْهُ، مِمّا يُصَدِّعُهم بِهِ.

الثّانِيَةُ- إنَّما أمَرَ بِالقَسَمِ لِاسْتِمالَتِهِمْ، ولِلْجَرْيِ عَلى ما هو المَأْلُوفُ في المُحاوَرَةِ، مِن تَحْقِيقِ المُدَّعِي، فَإنَّ مَن أقْسَمَ عَلى خَيْرٍ، فَقَدْ كَساهُ حُلَّةَ الجِدِّ، وخَلَعَ عَنْهُ لِباسِ الهَزْلِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤]

الثّالِثَةُ- لِما كانَتِ النّاسُ طَبَقاتٍ، كانَ مِنهم مَن لا يُسَلِّمُ إلّا بِبُرْهانٍ حَقِيقِيٍّ، ومِنهم مَن لا يَنْتَفِعُ بِهِ، ويُسَلِّمُ إلّا بِالأُمُورِ الإقْناعِيَّةِ، نَحْوَ القَسَمِ، «كالأعْرابِيِّ الَّذِي قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وسَألَهُ عَنْ رِسالَتِهِ وبَعْثِهِ، وأنْشَدَهُ بِالَّذِي بَعَثَهُ، ثُمَّ اقْتَنَعَ بِقَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» فَقالَ: آمَنتُ بِما جِئْتَ بِهِ وأنا رَسُولُ مَن ورائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضُمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ،» -رَواهُ البُخارِيُّ في أوائِلِ كِتابِ العِلْمِ-.

الرّابِعَةُ- قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَ لَها نَظِيرٌ في القُرْآنِ إلّا آيَتانِ أُخْرَيانِ، يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ أنْ يُقْسِمَ بِهِ عَلى مَن أنْكَرَ المَعادَ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] وفي التَّغابُنِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] -انْتَهى -.

وقَدِ اسْتَمَدَّ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا مِمّا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ) قالَ: وحَلَفَ ﷺ في أكْثَرِ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ، ثُمَّ قالَ: وكانَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ القاضِي يُذاكِرُ أبا بَكْرِ بْنَ داوُدَ الظّاهِرِيَّ ولا يُسَمِّيهِ بِالفَقِيهِ - فَتَحاكَمَ إلَيْهِ يَوْمًا هو وخَصْمٌ لَهُ، فَتَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عَلى أبِي بَكْرِ بْنِ داوُدَ، فَتَهَيَّأ لِلْحَلِفِ، فَقالَ لَهُ القاضِي إسْماعِيلُ: وتَحْلِفُ، ومِثْلُكَ يَحْلِفُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ: وما يَمْنَعُنِي عَنِ الحَلِفِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالحَلِفِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ؟ قالَ: أيْنَ ذَلِكَ؟ …

54

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤ ] ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أيْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ، أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، أوْ مُطْلَقًا ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الأمْوالِ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ أيْ أخْفَوْها أسَفًا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ. وضَمِيرُ " أسَرُّوا" لِلنُّفُوسِ، المَدْلُولُ عَلَيْها بِـ (كُلِّ نَفْسٍ). والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، بِكَوْنِ الخَطْبِ بِطَرِيقِ الِاجْتِماعِ ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ عايَنُوهُ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ فِيما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّهُ جَزاءُ ظُلْمِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى:

55

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allah is truth, but most of them do not know

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٥ ] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [ ٥٦ ] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] إعْلامٌ بِأنَّ لَهُ المُلْكَ كُلَّهُ، وأنَّهُ المُثِيبِ المُعاقِبُ، وما وعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فَهو حَقٌّ، وهو القادِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، لا يَقْدِرُ عَلَيْهِما غَيْرُهُ، وإلى حِسابِهِ وجَزائِهِ المَرْجِعُ، لِيَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَيُخافُ ويُرْجى، ولا يَغْتَرُّ بِهِ المُغْتَرُّونَ -كَذا في الكَشّافِ-.

56

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

He gives life and causes death, and to Him you will be returned

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٥ ] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [ ٥٦ ] ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] إعْلامٌ بِأنَّ لَهُ المُلْكَ كُلَّهُ، وأنَّهُ المُثِيبِ المُعاقِبُ، وما وعَدَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فَهو حَقٌّ، وهو القادِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ، لا يَقْدِرُ عَلَيْهِما غَيْرُهُ، وإلى حِسابِهِ وجَزائِهِ المَرْجِعُ، لِيَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَيُخافُ ويُرْجى، ولا يَغْتَرُّ بِهِ المُغْتَرُّونَ -كَذا في الكَشّافِ-.

57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

O mankind, there has to come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٧ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ تَزْكِيَةٌ لِنُفُوسِكم بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والإنْذارِ والبِشارَةِ، والزَّجْرِ عَنِ الذُّنُوبِ المُوَرِّطَةِ في العِقابِ، والتَّحْرِيضِ عَلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلثَّوابِ، لِتَعْمَلُوا عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ أيِ القُلُوبِ مِن أمْراضِها، كالشَّكِّ والنِّفاقِ، والغِلِّ والغِشِّ، وأمْثالِ ذَلِكَ، بِتَعْلِيمِ الحَقائِقِ، والحِكَمِ المُوجِبَةِ لِلْيَقِينِ، وتَصْفِيَتِها بِقَبُولِ المَعارِفِ، والتَّنَوُّرِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ ﴿وهُدًى﴾ أيْ لِنُفُوسِكم مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لِمَن آمَنَ بِهِ، بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ والِارْتِقاءِ إلى دَرَجاتِ النَّعِيمِ.

58

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

Say, "In the bounty of Allah and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٨ ] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي أُكْرِمُوا بِهِ ﴿وبِرَحْمَتِهِ﴾ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿فَبِذَلِكَ﴾ أيْ فَبِمَجِيئِهِما ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ أيْ لا بِالأُمُورِ الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المِقْدارِ، الدَّنِيئَةِ القَدْرِ والوَقْعِ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أيْ مِنَ الأمْوالِ وأسْبابِ الشَّهَواتِ، إذْ لا يَنْتَفِعُ بِجَمِيعِها ولا يَدُومُ، ويُفَوَّتُ بِهِ اللَّذّاتُ الباقِيَةُ، بِحَيْثُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ.

والفاءُ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا. أوْ هي رابِطَةٌ لِما بَعْدَها بِما قَبْلَها، لِدَلالَتِها عَلى تَسَبُّبِ ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها. والفاءُ الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى، أوِ الزّائِدَةُ الأُولى، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ و(بِذَلِكَ) مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، وزِيدَتْ فِيهِ الفاءُ لِلتَّحْسِينِ. وكَذَلِكَ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾

59

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ

Say, "Have you seen what Allah has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allah permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allah?"

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن فَضْلِهِ عَلى النّاسِ تَبْيِينَ الحَرامِ مِنَ الحَلالِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، لِئَلّا يَفْتَرُوا عَلَيْهِ الكَذِبَ بِتَحْرِيمِ ما أحَلَّ أوْ عَكْسَهُ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٩ ] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ أيْ ما خَلَقَ لَكم مِن حَرْثٍ وأنْعامٍ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ أيْ أنْزَلَهُ تَعالى رِزْقًا حَلالًا كُلَّهُ، فَبَغَضْتُمُوهُ، وقُلْتُمْ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في الحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، فَأنْتُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِإذْنِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ أيْ تَخْتَلِقُونَ الكَذِبَ،

60

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allah on the Day of Resurrection? Indeed, Allah is full of bounty to the people, but most of them are not grateful."

ثُمَّ بَيَّنَ وعِيدَ هَذا الِافْتِراءِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٠ ] ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾

﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ فِيما يُفْعَلُ بِهِمْ، وهو يَوْمُ الجَزاءِ بِالإحْسانِ والإساءَةِ، وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ أبْهَمَ أمْرَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في إنْزالِ الوَحْيِ وتَعْلِيمِ الحَلالِ والحَرامِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، فَيَسْتَعْمِلُونَ ما وُهِبَ إلَيْهِمْ مِن الِاسْتِعْدادِ والعُلُومِ في مَطالِبِ النَّفْسِ الخَسِيسَةِ، ولا يَتَّبِعُونَ ما هُدُوا إلَيْهِ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.