Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.

ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]

ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا …

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.

ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]

ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا …

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.

ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]

ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا …

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.

ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]

ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا …

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآياتِ ما ذُكِرَ مِن أفانِينِ جِدالِهِمْ في أباطِيلِهِمْ وضَلالِهِمْ، وكانَ فِعْلُ ذَلِكَ - مِمَّنْ لا يُرى حَشْرًا ولا جَزاءً ولا نَعِيمًا وراءَ نَعِيمِ هَذِهِ الدّارِ - فِعْلُ فارِغِ السِّرِّ مُسْتَطِيلٌ لِلزَّمانِ آمِنٌ مِن نَوازِلِ الحَدَثانِ، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِأنَّهم يَرَوْنَ يَوْمَ الحَشْرِ \ مِنَ الأهْوالِ ما يَسْتَقْصِرُونَ مَعَهُ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، فَقَدْ خَسِرُوا إذَنْ دُنْياهم بِالنِّزاعِ، وآخِرَتَهم بِالعَذابِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ، ولَيْسَ لَهُ انْقِطاعٌ، فَقالَ تَعالى مُهَدِّدًا لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُعانِدُونَ فَلا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ عاطِفًا عَلى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: واسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا يَوْمَ الحَشْرِ لِما يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الأهْوالِ والزَّلازِلِ الطِّوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ غايَةٍ؟ فَقِيلَ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في دُنْياهُمْ، والجُمْلَةُ [فِي] مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نَحْشُرُهم“ البارِزِ أيْ مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلا ساعَةً﴾ أيْ: حَقِيرَةً ﴿مِنَ النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَمْ يُفِدْهم تِلْكَ السّاعَةُ أكْثَرَ مِن أنْ عَرَفَ فِيها بَعْضُهم بَعْضًا لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ حَسْرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى التَّناصُرِ والتَّعاوُنِ والتَّظافُرِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا.

ولَمّا كانَتْ حالُهم هَذِهِ هي الخَسارَةَ الَّتِي لَيْسَ مَعَها تِجارَةٌ، فَكانَ السّامِعُ مُتَوَقِّعًا لِلْخَبَرِ عَنْها، قالَ مُتَعَجِّبًا مِنهم مَوْضِعَ: ما أخْسَرَهُمْ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أُظْهِرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ [مُسْتَهِينِينَ] ﴿بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى بِما أخَذُوا مِنَ الدُّنْيا مِنَ الخَسِيسِ الفانِي وتَرَكُوا مِمّا كُشِفَ لَهم عَنْهُ البَعْثُ مِنَ النَّعِيمِ الشَّرِيفِ الباقِي؛ ولَمّا كانَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبٌ مَرَّةً في الدَّهْرِ قَدْ يُفِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَهْتَدِي، قالَ عاطِفًا عَلى الصِّلَةِ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُهْتَدِينَ﴾ مُشِيرًا إلى تَسْفِيهِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ البَصَرَ فِيهِ مِن أمْرِ المَتْجَرِ والمَعْرِفَةِ بِأنْواعِ الهِدايَةِ.

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

ولَمّا كانَ إخْبارُ الصّادِقِ بِهَلاكِ الأعْداءِ مُقِرًّا لِلْعَيْنِ، وكانَتْ مُشاهَدَةُ هَلاكِهِمْ أقَرَّ لَها، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيْ: إراءَةً عَظِيمَةً قَبْلَ وفاتِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَهو أقَرُّ لِعَيْنِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فَنُرِيكَ فِيما هُنالِكَ ما هو أقَرُّ لِعَيْنِكَ وأسَرُّ لِقَلْبِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الإراءَةَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، والوَفاةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا؛ و”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: بالِغُ الشَّهادَةِ ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ في الدّارَيْنِ - يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِها، فَتَكُونُ مُشِيرَةً إلى التَّراخِي بَيْنَ ابْتِداءِ رُجُوعِهِمْ بِالمَوْتِ وآخِرِهِ بِالقِيامَةِ، لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ ظاهِرُهُ، بَلِ العَذابُ النّاشِئُ عَنِ الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ إلى أنَّ اللَّهَ يُعاقِبُهم بَعْدَ مَرْجِعِهِمْ، فَيُرِيكَ ما بَعْدَهم لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُونَ.

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ التَّهْدِيدُ بِالعَذابِ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَهُ ﷺ واحِدَةٌ مِنهُما، أتْبَعَها بِما هو صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ رَسُولٍ إشارَةً إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِتَعْيِينِ واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ لِلْجَزاءِ، وجُعِلَ الأمْرُ مَنُوطًا بِالقِسْطِ، فَفي أيِّ دارٍ أُحْكِمَ جَعَلَهُ فِيها، فَقالَ تَعالى: [دالًّا عَلى أنَّهُ نَشَرَ ذِكْرَ الإسْلامِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ عَلى وجْهٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ انْدِراسٌ في دَهْرٍ مِنَ الدُّهُورِ، فَمَن تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ العَذابَ سَواءٌ كانَ مِمَّنْ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أمْ لا، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُقالُ مِن غَيْرِ هَذا]: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَكَ ﴿رَسُولٌ﴾ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ إتْيانِ رَسُولِهِمْ بَيانَ القَضاءِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ [أيْ] إلَيْهِمْ ﴿رَسُولُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالبَيِّناتِ والهُدى؛ وفي الآخِرَةِ في المَوْقِفِ بِالإخْبارِ بِما صَنَعُوا بِهِ في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [أيْ في جَمِيعِ الأُمُورِ بِما أفادَهُ نَزْعُ الخافِضِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ مِن غَيْرِ شَكٍّ بِما أفادَهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ بِالتَّرْهِيبِ أجْدَرَ، قالَ]: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ: أظْهَرَ ما كانَ [خَفِيًّا] مِنَ اسْتِحْقاقِهِمْ في القَضاءِ بِالعَدْلِ [والقِسْمَةِ المُنْصِفَةِ بَيْنَهم كُلِّهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، فَأعْطى كُلَّ أحَدٍ مِنهم مِقْدارَ ما يَخُصُّهُ] مِن تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ كَما فَعَلَ مَعَكَ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الدَّوامَ، قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم ظُلْمٌ مِنهُ سُبْحانَهُ ولا مِن غَيْرِهِ.

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآياتِ تَهْدِيدُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، حَكى سُبْحانَهُ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مُجَدِّدِينَ لِهَذا القَوْلِ مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ اسْتِهْزاءً: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وألْهَبُوا وهَيَّجُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن قالَ بِقَوْلِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ والقَوْلُ كَلامٌ مُضَمَّنٌ في ذِكْرِهِ بِالحِكايَةِ وقَدْ يَكُونُ كَلامٌ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ فَلا يَكُونُ لَهُ ذِكْرٌ \ مُضَمَّنٌ بِالحِكايَةِ، فَلا يَكُونُ قَوْلًا [لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ قَوْلًا] مِن أجْلِ تَضَمُّنِ ذِكْرِهِ بِالحِكايَةِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ، ولِتَضْمِينِ جَعْلِ الشَّيْءِ في وِعاءٍ؛ والوَعْدُ: خَبَرٌ بِما يُعْطى مِنَ الخَيْرِ، والوَعِيدُ: خَبَرٌ بِما يُعْطى مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُرادُ الإجْمالُ كَما هُنا فَيُطْلَقُ الوَعْدُ عَلى المَعْنَيَيْنِ: وعْدِ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والمُسِيءِ بِالعِقابِ؛ والصِّدْقُ: الخَبَرُ عَنِ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ؛ والكَذِبُ: الخَبَرُ عَنْهُ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ.

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم هَذا اسْتِعْجالَهُ ﷺ بِما يَتَوَعَّدُهم بِهِ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَبَرَّأ مِنَ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِقَوْمِكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ فَضْلًا عَنْ غَيْرِي؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلنِّقْمَةِ، قَدَّمَ الضُّرَّ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ نِعَمَهُ أكْثَرُ مِن نِقَمِهِ؛ وأنَّهم في نِعَمِهِ، عَلَيْهِمْ أنْ يُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ خَوْفًا مِن زَوالِها فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَمَنَّوْهُ فَقالَ: ﴿ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾

ولَمّا كانَ مِنَ المُشاهَدِ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَصَرَّفُ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ بِبَعْضِ ذَلِكَ قالَ: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً أنْ أمْلَكَهُ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَكَ لا تَدْعُوهُ بِأنْ يَشاءَ ذَلِكَ ويُقْدِرَكَ عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ فِيهِ؟ فَقِيلَ: ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ هَلَكُوا؛ ولَمّا كانَ قَطْعُ رَجائِهِمْ مِنَ الفُسْحَةِ في الأجَلِ مِن أشَدِّ عَذابِهِمْ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ: عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِكَمالِها ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ؛ فَإنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ لا بُدَّ مِنهُ. والسِّينُ فِيهِما بِمَعْنى الوِجْدانِ، أيْ: لا يُوجَدُ لَهُمُ المَعْنى الَّذِي صِيغَ [مِنهُ] الفِعْلُ مِثْلَ: اسْتَشْكَلَ الشَّيْءَ واسْتَثْقَلَهُ، [ويَجُوزُ كَوْنُ المَعْنى: لا يُوجِدُونَ التَّأخُّرَ ولا التَّقَدُّمَ وإنِ اجْتَهَدُوا في الطَّلَبِ]، فَيَكُونُ في السِّينِ مَعْنى الطَّلَبِ] والمِلْكُ قُوَّةٌ يُتَمَكَّنُ بِها مِن تَصْرِيفِ الشَّيْءِ أتَمَّ تَصْرِيفٍ، والنَّفْعُ: إيجابُ اللَّذَّةِ بِفِعْلِها والتَّسَبُّبِ المُؤَدِّي إلَيْها؛ والضُّرُّ: إيجابُ الألَمِ بِفِعْلِهِ أوِ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ أمْرٍ.

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

ولَمّا كانَ جُلُّ قَصْدِهِمْ بِذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ، وكانَ وُقُوعُهُ أمْرًا مُمْكِنًا، وكانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ أنْ يَبْعُدَ عَنْ كُلِّ خَطَرٍ مُمْكِنٍ، أمَرَهُ ﷺ بِجَوابٍ آخَرَ حَذَفَ مِنهُ واوَ العَطْفِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ لا يَكْفِي في كَوْنِهِ جَوابًا إلّا بِضِمْنِهِ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَنِ اسْتَبْطَأ وعِيدَنا بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الأُخْرى، وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الأخْذِ في الدُّنْيا إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ لَهم مَحْضٌ لا نَفْعَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَهو مِمّا لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ قَصْدُ عاقِلٍ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ وهي مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ في الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ أخْذُ اللَّيْلِ أنَكى وأسْرَعَ قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿بَياتًا﴾ [أيْ] في اللَّيْلِ بَغْتَةً وأنْتُمْ نائِمُونَ كَما يَفْعَلُ العَدُوُّ؛ ولَمّا كانَ الظَّفَرُ لَيْلًا لا يَسْتَلْزِمُ الظَّفَرَ نَهارًا مُجاهَرَةً قالَ: ﴿أوْ نَهارًا﴾ أيْ: مُكاشَفَةً وأنْتُمْ مُسْتَيْقِظُونَ، أتَسْتَمِرُّونَ عَلى عِنادِكم فَلا تُؤْمِنُوا؟ فَكَأنَّهم قالُوا: لا، فَلْيَجْعَلْ بِهِ لِيَرى، فَقِيلَ: إنَّكم لا تَدْرُونَ ما تَطْلُبُونَ! إنَّهُ لا طاقَةَ لِمَخْلُوقٍ بِنَوْعٍ مِنهُ، ولا يَجْتَرِئُ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ إلّا مُجْرِمٌ ﴿ماذا﴾ أيْ: ما الَّذِي؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابَ الشَّرْطِ ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ أيْ: يَطْلُبُ العَجَلَةَ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ، وعَذابُهُ كُلُّهُ مَكْرُوهٌ لا يُحْتَمَلُ شَيْءٌ مِنهُ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ إذْ سُنَّةُ اللَّهِ قَدِ اسْتَمَرَّتْ بِأنَّ المُكَذِّبَ لا يَثْبُتُ إلّا عِنْدَ مَخايِلِهِ، وأمّا إذا بَرَكَ بِكَلْكَلِهِ وأناخَ بِثِقَلِهِ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣] وهَذا مَعْنى التَّراخِي في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ أيْ عَذابُهُ وانْتَفى كُلُّ ما يُضادُّهُ ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ عادَتُهم كَمَن قَبْلَهُمُ الِاسْتِعْجالَ بِالعَذابِ عِنْدَ التَّوَعُّدِ بِهِ، وكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ بِأنَّ المُكَذِّبِينَ إذا أتاهُمُ العَذابُ يَتَراخى إيمانُهم بَعْدَ مَجِيءِ مُقَدِّماتِهِ وقَبْلَ اجْتِثاثِهِمْ بِعَظائِمِ صَدَماتِهِ لِشِدَّةِ مُعانَدَتِهِمْ فِيهِ وتَوَطُّنِهِمْ عَلَيْهِ كَما وقَعَ لِلْأوَّلِينَ \ مِنَ الأُمَمِ بَغْيًا وعُتُوًّا كَقَوْمِ صالِحٍ لَمّا تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهم بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ في اليَوْمِ الأوَّلِ ثُمَّ الثّانِي ثُمَّ الثّالِثِ وأيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ ووَدَّعَ بَعْضُهم بَعْضًا ولَمْ يُؤْمِنُوا، وجَرَتْ بِأنَّهم إذا ذاقُوا مَسَّ العَذابِ وأخَذَتْهم فَواجِئُهُ الصِّعابُ شَغَلَتْهم دَواهِيهِ عَنِ العِنادِ واضْطَرَّتْهم أهْوالُهُ إلى سَهْلِ الِانْقِيادِ، فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ وضَعَ تَقْرِيعَهم عَلى الِاسْتِعْجالِ عَقِبَ الوَعِيدِ، ثُمَّ وضَعَ التَّراخِيَ عَنِ الإيمانِ بِالعِنادِ بَعْدَ الإشْرافِ عَلى الهَلاكِ ومُعايَنَةِ التَّلَفِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَأْتِيَكم عَذابُهُ الَّذِي لا عَذابَ أعْظَمُ مِنهُ - كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلَيْهِ - فَبَيَّتَكم أوْ كاشَفَكُمْ، ما تَفْعَلُونَ؟ ألا تُؤْمِنُونَ؟ فَقالُوا: لا، فَلْيَعْجَلْ بِهِ لِيُرى، فَناسَبَ لَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم بَعْدَ هَذا الإنْذارِ تَسْفِيهُهم عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ماذا﴾ أيْ: أيَّ نَوْعٍ مِنهُ يَطْلُبُ عَجَلَتَهُ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ ولا نَوْعَ مِنهُ إلّا وهو فَوْقَ الطّاقَةِ ووَراءَ الوُسْعِ، إنَّ هَذا لَمُنْكَرٌ مِنَ الآراءِ، …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.