Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ ٤١ ] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] [ ٤٢ ] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]

﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يُكابِرُ بِالتَّكْذِيبِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾

﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أيْ إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ، فَتَبَرَّأْ مِنهُمْ، فَقَدْ أُعْذِرْتَ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] أيْ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] أبْرَزُهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِسَماعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لا يَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ، بِصُورَةِ الصُّمِّ المَعْتُوهِينَ: أيْ أتَطْمَعُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِ الصُّمِّ، ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ؟ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ واسْتَدَلَّ إذا وقَعَ في صِماخِهِ دَوِيُّ الصَّوْتِ، فَإذا اجْتَمَعَ سَلْبُ السَّمْعِ والعَقْلِ فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ.

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ ٤١ ] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] [ ٤٢ ] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]

﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يُكابِرُ بِالتَّكْذِيبِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾

﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أيْ إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ، فَتَبَرَّأْ مِنهُمْ، فَقَدْ أُعْذِرْتَ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] أيْ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] أبْرَزُهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِسَماعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لا يَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ، بِصُورَةِ الصُّمِّ المَعْتُوهِينَ: أيْ أتَطْمَعُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِ الصُّمِّ، ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ؟ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ واسْتَدَلَّ إذا وقَعَ في صِماخِهِ دَوِيُّ الصَّوْتِ، فَإذا اجْتَمَعَ سَلْبُ السَّمْعِ والعَقْلِ فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ.

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾

﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ كَذَلِكَ أبْرَزَهم لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِمُشاهَدَةِ أدِلَّةِ الصِّدْقِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، بِصُورَةِ العَمى المَضْمُومِ إلى عَماهم فَقْدَ البَصِيرَةِ. أيْ: أتُحِبُّ هِدايَةَ مَن كانَ كَذَلِكَ؟ لِأنَّ الأعْمى الَّذِي لَهُ في قَلْبِهِ بَصِيرَةٌ قَدْ يَحْدُسُ ويَتَظَنَّنُ، أمّا مَعَ الحُمْقِ فَجُهْدُ البَلاءِ. يَعْنِي أنَّهم في اليَأْسِ مِن أنْ يَقْبَلُوا ويُصَدِّقُوا، كالصُّمِّ والعُمْيِ الَّذِينَ لا بَصائِرَ لَهم ولا عُقُولَ -كَذا في الكَشّافِ-.

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ بِتَعْذِيبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ تَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، ومِن غَيْرِ أنْ يَكُونُوا سَلِيمِي الحَواسِّ والمَدارِكِ، فَإنَّهُ لِعَدْلِهِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وعَدَمِ اسْتِعْمالِ حاسّاتِهِمْ ومَدارِكِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ.

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَأنَّهم لَمْ يَتَعارَفُوا إلّا قَلِيلًا. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيْ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [ ٤٧ ] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧]

﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ فَنُنْجِزُهم ما وعَدْناهم كَيْفَما دارَ الحالُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ مِن مَساوِئِ الأفْعالِ.

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ مِنهُمْ، أُرْسِلَ لِهِدايَتِهِمْ، وتَزْكِيَتِهِمْ بِما يُصْلِحُهم ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ فَبَلَّغَهم ما أُرْسِلَ بِهِ فَكَذَّبُوهُ ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ بِالعَدْلِ، فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وعُذِّبَ مُكَذِّبُوهُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ في ذَلِكَ القَضاءِ المُسْتَوْجِبِ لِتَعْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ أعْمالِهِمْ.

وقالَ القاشانِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ بِهِدايَةِ مَنِ اهْتَدى مِنهُمْ، وضَلالَةِ مَن ضَلَّ وسَعادَةِ مَن سَعِدَ، وشَقاوَةِ مَن شَقِيَ، لِظُهُورِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ، وطاعَةِ بَعْضِهِمْ إيّاهُ لِقُرْبِهِ مِنهُ، وإنْكارِ بَعْضِهِمْ لَهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ. أوْ قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ مَنِ اهْتَدى بِهِ وإثابَتِهِ، وإهْلاكِ مَن ضَلَّ وتَعْذِيبِهِ، لِظُهُورِ أسْبابِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ -انْتَهى-. فالآيَةُ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ، وتُدْعى بِهِ، فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ، قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ، وعِقابِ الكافِرِينَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]

وقَوْلُهُ تَعالى:

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [ ٤٧ ] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧]

﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ فَنُنْجِزُهم ما وعَدْناهم كَيْفَما دارَ الحالُ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ مِن مَساوِئِ الأفْعالِ.

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ مِنهُمْ، أُرْسِلَ لِهِدايَتِهِمْ، وتَزْكِيَتِهِمْ بِما يُصْلِحُهم ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ فَبَلَّغَهم ما أُرْسِلَ بِهِ فَكَذَّبُوهُ ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ بِالعَدْلِ، فَأُنْجِيَ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وعُذِّبَ مُكَذِّبُوهُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ في ذَلِكَ القَضاءِ المُسْتَوْجِبِ لِتَعْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ أعْمالِهِمْ.

وقالَ القاشانِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٧] أيْ بِهِدايَةِ مَنِ اهْتَدى مِنهُمْ، وضَلالَةِ مَن ضَلَّ وسَعادَةِ مَن سَعِدَ، وشَقاوَةِ مَن شَقِيَ، لِظُهُورِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ، وطاعَةِ بَعْضِهِمْ إيّاهُ لِقُرْبِهِ مِنهُ، وإنْكارِ بَعْضِهِمْ لَهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ. أوْ قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ مَنِ اهْتَدى بِهِ وإثابَتِهِ، وإهْلاكِ مَن ضَلَّ وتَعْذِيبِهِ، لِظُهُورِ أسْبابِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ -انْتَهى-. فالآيَةُ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ، وتُدْعى بِهِ، فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ، قَضى بَيْنَهم بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ، وعِقابِ الكافِرِينَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]

وقَوْلُهُ تَعالى:

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [ ٤٩ ] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ، واسْتِهْزاءً بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّهُ يَأْتِينا، ولِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ إتْيانِهِ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قِيلَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩] أيْ مَعَ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم حَتّى أسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ لَكم وتَقْدِيمِ الضُّرِّ، لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ، وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ تَعْمِيمًا. والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا ما.

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩] أيْ أنْ أمْلِكَهُ، أوْ لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ. وصَوَّبَ أبُو السُّعُودِ الثّانِيَ، بِأنَّ الأوَّلَ يَأْباهُ مَقامَ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَهُ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ. وبَسَطَ تَقْرِيرَهُ.

وأفادَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ في أُسْلُوبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قالَ: والنُّكْتَةُ في الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثّابِتَةَ الدّائِمَةَ إنَّما كانَتْ كَذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، لا بِطَبِيعَتِها في نَفْسِها، ولَوْ شاءَ تَعالى أنْ يُغَيِّرَها لَفَعَلَ. اهـ. وهو نَفِيسٌ جِدًّا فَلْيُحْرَصْ عَلى حِفْظِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ مُعَيَّنٌ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] قالَ القاشانِيُّ: دَرَّجَهم إلى شُهُودِ الأفْعالِ بِسَلْبِ المَلِكِ والتَّأْثِيرِ عَنْ نَفْسِهِ، ووُجُوبِ وُقُوعِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِيَعْرِفُوا آثارَ القِيامَةِ. ثُمَّ لَوَّحَ إلى أنَّ القِيامَةَ الصُّغْرى هي بِانْقِضاءِ آجالِهِمُ المُقَدَّرَةِ عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] الآيَةَ.

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [ ٤٩ ] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِبْعادًا لَهُ، واسْتِهْزاءً بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّهُ يَأْتِينا، ولِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ إتْيانِهِ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قِيلَ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩] أيْ مَعَ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكم حَتّى أسْتَعْجِلَ في جَلْبِ العَذابِ لَكم وتَقْدِيمِ الضُّرِّ، لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ، وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ تَعْمِيمًا. والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا ما.

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩] أيْ أنْ أمْلِكَهُ، أوْ لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ. وصَوَّبَ أبُو السُّعُودِ الثّانِيَ، بِأنَّ الأوَّلَ يَأْباهُ مَقامَ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَهُ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ. وبَسَطَ تَقْرِيرَهُ.

وأفادَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ في أُسْلُوبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِمْرارِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قالَ: والنُّكْتَةُ في الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثّابِتَةَ الدّائِمَةَ إنَّما كانَتْ كَذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، لا بِطَبِيعَتِها في نَفْسِها، ولَوْ شاءَ تَعالى أنْ يُغَيِّرَها لَفَعَلَ. اهـ. وهو نَفِيسٌ جِدًّا فَلْيُحْرَصْ عَلى حِفْظِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ مُعَيَّنٌ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] قالَ القاشانِيُّ: دَرَّجَهم إلى شُهُودِ الأفْعالِ بِسَلْبِ المَلِكِ والتَّأْثِيرِ عَنْ نَفْسِهِ، ووُجُوبِ وُقُوعِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِيَعْرِفُوا آثارَ القِيامَةِ. ثُمَّ لَوَّحَ إلى أنَّ القِيامَةَ الصُّغْرى هي بِانْقِضاءِ آجالِهِمُ المُقَدَّرَةِ عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] الآيَةَ.

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ أيِ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴿بَياتًا﴾ أيْ لَيْلًا ﴿أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ ولا شَيْءَ مِنهُ بِمَرْغُوبٍ البَتَّةَ.

لَطائِفُ:

الأُولى – (أرَأيْتَ) يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ العِلْمِيَّةِ، وهو أصْلُ وضْعِهِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ بِمَعْنى (أخْبَرَنِي) والرُّؤْيَةُ فِيهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً وعِلْمِيَّةً، فالتَّقْدِيرُ: أأبْصَرْتَ حالَتَهُ العَجِيبَةَ، أوْ أعَرَفْتَها؟ فَأخْبِرْنِي عَنْها. ولِذا لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِ الأمْرِ العَجِيبِ. ولِما كانَتْ رُؤْيَةُ الشَّيْءِ سَبَبًا لِمَعْرِفَتِهِ، ومَعْرِفَتُهُ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنْهُ، أُطْلِقَ السَّبَبُ القَرِيبُ أوِ البَعِيدُ، وأُرِيدَ مُسَبِّبُهُ، وهَلْ هو بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، أوِ التَّضْمِينِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ- كَذا في (العِنايَةِ).

الثّانِيَةُ - سِرُّ إيثارِ (بَياتًا) عَلى (لَيْلًا) مَعَ ظُهُورِ التَّقابُلِ فِيهِ؛ الإشْعارُ بِالنَّوْمِ والغَفْلَةِ، وكَوْنُهُ الوَقْتَ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ العَدُوُّ، ويَتَوَقَّعُ فِيهِ، ويَغْتَنِمُ فُرْصَةَ غَفْلَتِهِ، ولَيْسَ في مَفْهُومِ اللَّيْلِ هَذا المَعْنى، ولَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ النَّهارِ بِالِاشْتِغالِ بِالمَصالِحِ والمَعاشِ، حَتّى يَحْسُنَ الِاكْتِفاءُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كَما في النَّهارِ، أوِ النَّهارُ كُلُّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ، لِأنَّهُ إمّا زَمانُ اشْتِغالٍ بِمَعاشٍ أوْ غِذاءٍ، أوْ زَمانُ قَيْلُولَةٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] بِخِلافِ اللَّيْلِ، فَإنَّ مَحَلَّ الغَفْلَةِ فِيهِ ما قارَبَ وسَطَهُ وهو وقْتُ البَياتِ، فَلِذا خُصَّ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّهارِ. و(البَياتُ) بِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، لا بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ.

الثّالِثَةُ -قِيلَ: إنَّ اسْتِعْجالَهُمُ العَذابَ، كانَ المَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِبْعادَ والِاسْتِهْزاءَ، دُونَ ظاهِرِهِ، فَوُرُودُ (ما) هُنا في الجَوابِ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. لِأنَّهم ما أرادُوا بِالسُّؤالِ إلّا الِاسْتِبْعادَ أنَّ المَوْعُودَ مِنهُ تَعالى، وأنَّهُ افْتِراءٌ، فَطَلَبُوا مِنهُ تَعْيِينَ وقْتِهِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً، فَقالَ في جَوابِهِمْ هَذا التَّهَكُّمُ لا يَتِمُّ إذا كُنْتُ مُقِرًّا بِأنِّي مِثْلُكُمْ، وأنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَكَيْفَ أدَّعِي ما لَيْسَ لِي بِهِ حَقٌّ؟ ثُمَّ شَرَعَ في الجَوابِ الصَّحِيحِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَهَكُّمِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ -أفادَهُ الطِّيبِيُّ-.

الرّابِعَةُ - سِرُّ إيثارِ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ عَلى (ماذا يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ) هو الدَّلالَةُ عَلى مُوجَبِ تَرْكِ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ، وإنْ أبْطَأ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلَهُ -كَذا في (الكَشّافِ)-.

قالَ في (الِانْتِصافِ): وفي هَذا النَّوْعِ البَلِيغِ نُكْتَتانِ:

إحْداهُما: وضْعُ الظّاهِرِ مَكانَ المُضْمَرِ.

والأُخْرى: ذِكْرُ الظّاهِرِ بِصِيغَةٍ زائِدَةٍ مُناسِبَةٍ لِلْمَصْدَرِ.

وكِلاهُما مُسْتَقِلٌّ بِوَجْهٍ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.