وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."
ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.
ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]
ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا …