Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 109

31

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ شُرَكاءَهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ، لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى ما يُقْدِرُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ وحْدَهُ المَوْلى الحَقُّ، وبانَتْ بِذَلِكَ فَضائِحُهُمْ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، فَوَبَّخَهم بِأنَّ وجْهَ السُّؤالِ إلَيْهِمْ عَمّا هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ويَدُلُّ قَطْعًا عَلى تَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ الأمْرِ المُوجِبِ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ لِاعْتِقادِ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ يا أكْرَمَ خَلْقِنا وأرْفَقَهم بِالعِبادِ] ﴿مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ [أيْ يَجْلِبُ لَكُمُ الخَيْراتِ] أيُّها المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُدَّعُونَ لِلشَّرِكَةِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ [أيْ] بِالمَطَرِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ وغَيْرِهِ لِتَعِيشُوا ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ [أيْ] الَّذِي تَسْمَعُونَ بِهِ الآياتِ، ووَحَّدَهُ لِلتَّساوِي فِيهِ في الغالِبِ ﴿والأبْصارَ﴾ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِها ما أنْعَمَ عَلَيْكم بِهِ في خَلْقِها ثُمَّ حَفِظَها في المُدَدِ الطِّوالِ عَلى كَثْرَةِ الآفاتِ فَيَفِيضُها عَلَيْكم لِتَكْمُلَ حَياتُكُمُ الحِسِّيَّةُ بِبَقاءِ الرُّوحِ، والمَعْنَوِيَّةُ بِوُجُودِ العِلْمِ؛ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ.

فَلَمّا سَألَهم عَنْ أوْضَحِ ما هم فِيهِ وأقْرَبِهِ، نَبَّهَهم عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: مِنَ النُّطْفَةِ ونَحْوِها ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ﴾ أيْ: [مِنَ] النُّطْفَةِ ونَحْوِها مِمّا لا يَنْمُو ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ [أيْ فَيُنْقَلُ مِنَ النَّقْصِ إلى الكَمالِ]؛ ثُمَّ عَمَّ فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: كُلَّهُ التَّدْبِيرَ العامَّ.

ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِالرِّزْقِ وما مَعَهُ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ أخْبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ إذا سُئِلُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: مُسَمّى هَذا الِاسْمِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِالحَياةِ والقَيُّومِيَّةِ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي مِنَ الإعادَةِ والهِدايَةِ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنّا نَقُولُ لَكَ: قُلْ لَهم مُسَبَّبًا عَنْ جَوابِهِمْ هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ التَّقْوى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: تَجْعَلُونَ وِقايَةً بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ عَلى اعْتِرافِكم بِتَوَحُّدِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإشْراكِكم غَيْرَهُ في إلَهِيَّتِهِ.

32

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ

For that is Allah, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

ثُمَّ عَلَّلَ إنْكارَ عَدَمِ تَقْواهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكُمُ﴾ أيِ العَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ، فَكانَتْ هَذِهِ قُدْرَتُهُ وأفْعالُهُ ﴿رَبُّكُمُ﴾ أيِ المُوجِدُ لَكُمُ، المُدَبِّرُ لِأُمُورِكُمُ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدَكم لِغَيْرِهِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتَةُ رُبُوبِيَّتُهُ ثَباتًا لا رَيْبَ فِيهِ [لِاجْتِماعِ الصِّفاتِ الماضِيَةِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ لا تَكُونُ الرُّبُوبِيَّةُ حَقِيقَةً لِمَن لَمْ تَجْتَمِعْ لَهُ تِلْكَ الصِّفاتُ] ”فَما“ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ لَكُمْ: ما ”ذا بَعْدَ الحَقِّ“ أيِ الَّذِي لَهُ أكْمَلُ الثَّباتِ ﴿إلا الضَّلالُ﴾ فَإنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما - بِما أنْبَأ عَنْهُ إسْقاطُ الجارِّ، ولا يَعْدِلُ عاقِلٌ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ فَأنّى تُصْرَفُونَ أنْتُمْ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ ﴿تُصْرَفُونَ﴾ [أيْ] أنْتُمْ مِن صارِفٍ ما كائِنًا ما كانَ، عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.

33

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Thus the word of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

ولَمّا كانُوا جَدِيرِينَ عِنْدَ تَقْرِيرِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وإقْرارِهِمْ بِمَضْمُونِها بِأنْ يَقُولُوا: سَلَّمْنا فَأسْلَمْنا ولا نُصْرَفُ عَنِ الحَقِّ أبَدًا، فَلَمْ يَقُولُوا، كانُوا حَقِيقِينَ بِأنْ يُقالَ [لَهُمْ]: حَقَّتْ عَلَيْكم كَلِمَةُ اللَّهِ لِفِسْقِكم وزَوَغانِكم عَنِ الحَقِّ. فَقِيلَ: هَلْ خُصُّوا بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الحُقُوقِ العَظِيمِ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإهْلاكِ أعْدائِكَ: الكَلِمَةُ الواحِدَةُ النّافِذَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها، ومَعْنى الجَمْعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ أنَّهُ لا شَيْءَ مِن كَلِماتِهِ يُناقِضُ الكَلِمَةَ الَّتِي أوْجَبَتْ عَذابَهُمْ، بَلْ كُلُّها تُوافِقُها فالمُرادُ واحِدٌ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّ عَذابَهم دائِمٌ فَإنَّ كَلِماتِهِ لا تَنْفُذُ ﴿عَلى﴾ كُلِّ ﴿الَّذِينَ﴾ فَعَلُوا فِعْلَهم لِأنَّهم ﴿فَسَقُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا [التَّرْكَ لِأمْرِ اللَّهِ وأوْجَدُوا عِصْيانَهُ وفَعَلُوا الخُرُوجَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ و] الخُرُوجَ عَنْ دائِرَةِ الصَّلاحِ، [وهُوَ كَوْنُهم أُمَّةً واحِدَةً إلى دِينِ أبِيهِمْ آدَمَ صَفِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ]؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ الحُقُوقَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا، [وعَبَّرَ بِالفِسْقِ المُرادِ بِهِ الكُفْرُ لِأنَّ السِّياقَ لِلْخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الدِّينِ الحَقِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] وهَذا المَعْنى أحَقُّ بِالتَّعْبِيرِ لِلْفِسْقِ الَّذِي أصْلُهُ الخُرُوجُ عَنْ مُحِيطٍ في قَوْلِهِمْ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِها - أيْ خَرَجَتْ]، أوْ يَكُونُ المَعْنى: حَقَّتِ الرُّبُوبِيَّةُ لَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا اللَّيْلِ، وهو فِعْلُ هَذِهِ الأُمُورِ المُخْتَتَمَةِ بِالتَّدْبِيرِ المُقْتَضِي لِلْوَحْدانِيَّةِ [لَهُ سُبْحانَهُ] قَطْعًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ قادِرٌ يُساوِيهِ في مَقْدُورِهِ لَأمْكَنَ أنْ يُمانِعَهُ، وبَطَلَ أنْ يَكُونَ قادِرًا، وحَقَّ أنَّ مَن زاغَ عَنِ الحَقِّ كانَ في الضَّلالِ كَما حَقَّ هَذا ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ [أيْ ثَبَتَتْ ثَباتًا عَظِيمًا] ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى﴾ كُلِّ ﴿الَّذِينَ﴾ قَضى بِفِسْقِهِمْ مِنهم. [و] ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَفْسِيرٌ لِكَلِمَتِهِ الَّتِي حَقَّتْ؛ والرِّزْقُ: جَعْلُ العَطاءِ الجارِي.

34

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allah begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

ولَمّا عُلِمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأمْرِ الهِدايَةِ وما يَتْبَعُها مِنَ الرِّزْقِ والتَّدْبِيرِ أعادَ سُبْحانَهُ السُّؤالَ عَنْها مَقْرُونَةً بِالإعادَةِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ مِن أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ، فَإنْكارُها مَعَ ذَلِكَ إمّا جُمُودٌ أوْ عِنادٌ، وإنْكارُ المُسَلَّماتِ كُلِّها هَكَذا، وسَوْقُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ [أبْلَغُ وأوْقَعُ في القَلْبِ] فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ [أيْ] الَّذِينَ زَعَمْتُمُوهم شُرَكاءَ لِي وأشْرَكْتُمُوهم في أمْوالِكم مِن أنْعامِكم وزُرُوعِكم ﴿مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ كَما بَدَأْتُهُ لِيَصِحَّ لَهم ما ادَّعَيْتُمْ مِنَ الشَّرِكَةِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ: لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكانَ لِجاجُهم في إنْكارِ الإعادَةِ وعِنادِهِمْ لا يَدْعُهُمُ أنْ يُجِيبُوا بِالحَقِّ، أمَرَهُ بِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ: مَهْما أرادَ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وأتى هُنا بِجُزْئَيْ الِاسْتِفْهامِ وكَذا ما يَأْتِي في السُّؤالِ عَنِ الهِدايَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِخِلافِ ما اعْتَرَفُوا بِهِ، فَإنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِأحَدِ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] ولَمْ يَقُلْ: يَرْزُقُنا - إلى آخِرِهِ؛ ثُمَّ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ عَلى عَدَمِ الإذْعانِ لِذَلِكَ بِالتَّعْجِيبِ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ تُصْرَفُونَ بِأقْبَحِ الكَذِبِ عَنْ وجْهِ الصَّوابِ مِن صارِفٍ ما، وقَدِ اسْتَنارَتْ جَمِيعُ الجِهاتِ، ورَتَّبَ هَذِهِ الجُمَلَ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَهم أوَّلًا عَنْ سَبَبِ دَوامِ حَياتِهِمْ وكَمالِها بِالرِّزْقِ والسَّمْعِ والبَصَرِ وعَنْ بَدْءِ الخَلْقِ في إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وما بَعْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى النَّظَرِ في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ مُرَتَّبًا عَلى الأوْضَحِ [فالأوْضَحِ.

35

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allah guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِهِ كُلِّهِ أعادَ السُّؤالَ عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ لِيَقْرِنَ بِهِ الإعادَةَ] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الجَسَدِ أمَرَهُ أنْ يَسْألَهم عَنْ غايَةِ ذَلِكَ والمَقْصُودِ مِنهُ مِن أحْوالِ الرُّوحِ في الهِدايَةِ الَّتِي في سَبَبِ السَّعادَةِ إمْعانًا في الِاسْتِدْلالِ بِالمَصْنُوعِ عَلى الصّانِعِ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ إلى التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ] يا أفْهَمَ العِبادِ وأعْرَفَهم بِالمَعْبُودِ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَلَمْ تَكُنْ شَرِكَتُهم إلّا لَكم لِأنَّكم جَعَلْتُمْ لَهم حَظًّا مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم ﴿مَن يَهْدِي﴾ أيْ: بِالبَيانِ أوِ التَّوْفِيقِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ ﴿إلى الحَقِّ﴾ [فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ لِلْحَقِّ عَلى أقْرَبِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُودِ إعْلامًا].

ولَمّا كانُوا جاهِلِينَ بِالجَوابِ الحَقِّ في ذَلِكَ أوْ مُعانِدِينَ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم مُعْرِضًا عَنِ انْتِظارِ جَوابِهِمْ آتِيًا بِجُزْئَيْ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿يَهْدِي﴾ ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى غايَةِ الإسْراعِ، عَبَّرَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لِلْحَقِّ﴾ [إنْ أرادَ، ويَهْدِي إلى الحَقِّ مَن يَشاءُ]، لا أحَدَ مِمَّنْ زَعَمُوهم شُرَكاءَ، فالِاشْتِغالُ بِشَيْءٍ مِنها بِعِبادَةٍ أوْ غَيْرِهِا جَهْلٌ مَحْضٌ واخْتِلالٌ في المِزاجِ كَبِيرٌ، [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ ذَكَرَ ﴿إلى الحَقِّ﴾ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، و﴿لِلْحَقِّ﴾ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا]، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إنْكارُ أتْباعِهِمْ لَهم فَقالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي﴾ أيْ: مُنْتَهِيًا في هُداهُ ولَوْ عَلى بُعْدٍ ﴿إلى الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا زَيْغَ فِيهِ بِوَجْهٍ [ولَوْ عَلى أبْعَدِ الوُجُوهِ] ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ أيْ: يَهْتَدِي فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا ورَأْسًا؛ وإدْغامُ تاءِ الِافْتِعالِ لِلْإيماءِ إلى انْتِفاءِ جَمِيعِ أسْبابِ الهِدايَةِ حَتّى أدانِيها، فَإنَّ التّاءَ عِنْدَ أرْبابِ القُلُوبِ مَعْناها انْتِهاءُ التَّسَبُّبِ إلى أدْناهُ ﴿إلا أنْ يُهْدى﴾ أيْ: يَهْدِيَهُ هادٍ غَيْرُهُ كائِنًا مَن كانَ، وهَذا يَعُمُّ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مَن يَعْقِلُ ومِمَّنْ لا يَعْقِلُ؛ فَلَمّا أتَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا النَّهْجِ القَوِيمِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أتُجِيبُونَ أمْ تَسْكُتُونَ؟ وإذا أجَبْتُمْ أتُؤْثِرُونَ الحَقَّ فَتَرْجِعُوا عَنِ الضَّلالِ أمْ تُعانِدُونَ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُؤالُهم عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ ﴿لَكُمْ﴾ في فِعْلِ غَيْرِ الحَقِّ مِن كَلامٍ أوْ سُكُوتٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتًا آخَرَ فَقالَ: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فِيما سَألْناكم عَنْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى عاقِلٍ، أبِالباطِلِ أمْ بِالحَقِّ؟ فَقَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ؛ والبَدْءُ: العَقْلُ الأوَّلُ؛ والإعادَةُ: إيجادُ الشَّيْءِ ثانِيًا؛ والهِدايَةُ: التَّعْرِيفُ بِطَرِيقِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ.

36

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

ولَمّا أخْبَرَ بِإقْرارِهِمْ عَنْ بَعْضِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما لَوَّحَ إلى إنْكارِهِمْ أوْ سُكُوتِهِمْ عَنْ بَعْضِهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِشُرَكائِهِمْ، عَطَفَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [يونس: ٣١] وما لَوَّحَ إلَيْهِ مِن ”فَسَيُنْكِرُونَ“ أوْ ”فَسَيَسْكُتُونَ“ قَوْلَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: في نُطْقِهِ أوْ سُكُوتِهِ في عِبادَتِهِ لِلْأصْنامِ وقَوْلِهِ: إنَّها شُفَعاءُ، وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿إلا ظَنًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم إنَّما هم مُقَلِّدُونَ وتابِعُونَ لِلْأهْواءِ.

ولَمّا كانَ الظَّنُّ لا يُنْكَرُ اسْتِعْمالُهُ في الشَّرائِعِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ مَحَلَّهُ إنَّما هو حَيْثُ لا يُوجَدُ نَصٌّ عَلى المَقْصُودِ، فَيُقاسُ حِينَئِذٍ عَلى النُّصُوصِ بِطَرِيقِهِ، وأمّا إذا وُجِدَ القاطِعُ في حُكْمٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَقالَ تَعالى في جَوابِ مَن يَقُولُ: أوَلَيْسَ الظَّنُّ مُسْتَعْمَلًا في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ؟: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي﴾ أيْ: أصْلًا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: بَدَلَهُ، ويَكُونُ بَدَلَ الحَقِّ إلّا إذا كانَ تابِعُهُ مُخالِفًا فِيهِ لِقاطِعٍ يَعْمَلُهُ.

ولَمّا صارَ ظُهُورُ الفَرْقِ ضَرُورِيًّا، أوْقَعَ تَهْدِيدَ المُتَمادِي في غَيِّهِ في جَوابٍ «مَن» كَأنَّهُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَفِيٍّ عَنْهم ولَكِنَّهم يَسْتَكْبِرُونَ فَلا يَرْجِعُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ ﴿بِما يَفْعَلُونَ﴾ فاصْبِرْ فَلَسَوْفَ يَعْمَلُونَ.

37

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And it was not [possible] for this Qur'an to be produced by other than Allah, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt, from the Lord of the worlds.

ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلَهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وأتى فِيها رَدًّا عَلَيْهِمْ ووَعْظًا لَهم مِنَ الآياتِ البالِغَةِ في الحِكْمَةِ جِدًّا يَتَجاوَزُ قُوى البَشَرِ ويَضْمَحِلُّ دُونَهُ مِنَ الخَلْقِ القُدَرُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ شُرَكاءَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا إنْ هُداهُمُ الهادِي فَضْلًا عَنْ أنْ يُهْدَوْا، وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَذاهِبَهم لَيْسَتْ مُسْتَنِدَةً إلى عِلْمٍ بَلْ هي تابِعَةٌ لِلْهَوى، أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا في أمْرِ القُرْآنِ مِن أنَّهُ لا يَصِحُّ \ أصْلًا أنْ يُؤْتى بِهِ مِن دُونِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُفْتَرى، لِأنَّهُ مِن وادِي ما خُتِمَ بِهِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ اتِّباعِهِمْ لِلظُّنُونِ لِأنَّهُ لا سَنَدَ لَهم في ذَلِكَ بَلْ ولا شُبْهَةَ أصْلًا، وإنَّما هو مُجَرَّدُ هَوًى بَلْ وأكْثَرُهم عالِمٌ بِالحَقِّ في أمْرِهِ، فَنَفى ذَلِكَ بِما يُزِيحُ الظُّنُونَ ويَدْمَغُ الخُصُومَ ولا يَدَعُ شُبْهَةً لِمَفْتُونٍ، وأثْبَتَ أنَّهُ هو [الآيَةُ الكُبْرى] والحَقِيقُ بِالِاتِّباعِ لِأنَّهُ هُدًى، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ﴾ عاطِفًا لَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥] إلى آخِرِهِ، فَهو حِينَئِذٍ مَقُولُ القَوْلِ، أيْ: قُلْ لَهم ذاكَ الكَلامَ وقُلْ لَهم ”ما كانَ“ أيْ: قَطُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وعَيَّنَهُ تَعْيِينًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ لَبْسٌ، فَقالَ: ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ أيِ الجامِعُ لِكُلِّ خَيْرٍ مَعَ التَّأْدِيَةِ بِأسالِيبِ الحِكْمَةِ المُعْجِزَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿أنْ يُفْتَرى﴾ [أيْ] أنْ يَقَعَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [تَعَمُّدُ نِسْبَتِهِ كَذِبًا إلى اللَّهِ] مِن أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كائِنًا مَن كانَ؛ وعُرِفَ بِتَضاؤُلِ رُتْبَتِهِمْ دُونَ شامِخِ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي تَقَرَّرَ أنَّهُ يُدَبِّرُ الأمْرَ كُلَّهُ، فَما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ وما يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ فَسُبْحانَ المُتَفَضِّلِ عَلى عِبادِهِ بِإيضاحِ الحُجَجِ وإزالَةِ الشُّكُوكِ والدُّعاءِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ مَعَ غِناهُ عَنْهم وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ والِافْتِراءُ: الإخْبارُ عَلى القَطْعِ بِالكَذِبِ، لِأنَّهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ؛ وهو قَطْعُهُ بَعْدَ تَفْزِيرِهِ.

ولَمّا كانَ إتْيانُ الأُمِّيِّ - الَّذِي لَمْ يُجالِسْ عالِمًا - بِالأخْبارِ والقِصَصِ الماضِيَةِ عَلى التَّحْرِيرِ دَلِيلًا قَطْعًا عَلى صِدْقِ الآتِي في ادِّعائِهِ أنَّهُ لا مُعَلِّمَ لَهُ إلّا اللَّهُ، عَبَّرَ بِأداةِ العِنادِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: كانَ كَوْنًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي﴾ أيْ: تَقَدَّمَ ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، والدَّلِيلُ عَلى تَصادُقِهِ شاهِدُ الوُجُودِ مَعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لَهُ ﷺ وكانَ أهْلُ الكِتابَيْنِ عِنْدَهم في جَزِيرَةِ العَرَبِ عَلى غايَةِ القُرْبِ مِنهم مَعَ أنَّهم كانُوا يَتَّجِرُونَ إلى بِلادِ الشّامِ [وهُمْ] مُتَمَكِّنُونَ مِنَ السُّؤالِ عَنْ كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ، فَلَوْ وجَدُوا مَغْمَزًا ما لَقَدَحُوا بِهِ، فَدَلَّ عَدَمُ قَدْحِهِمْ عَلى التَّصادُقِ قَطْعًا.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ سُلْطانًا قاهِرًا عَلى صِدْقِهِ ﷺ، زادَهُ ظُهُورًا بِما اشْتَمَلَ الكِتابُ الآتِي بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي هو نِهايَةُ العِلْمِ فَقالَ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعِ المَجْمُوعُ فِيهِ الحِكَمُ والأحْكامُ وجَوامِعُ الكَلامِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ في بَيانِ مُجْمَلاتِها وإيضاحِ مُشْكِلاتِها، فَهو ناظِرٌ إلى …

38

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say [about the Prophet], "He invented it?" Say, "Then bring forth a surah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُذْعِنُوا لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ قَطْعًا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَجَعُوا عَنْ غَيِّهِمْ فَآمَنُوا واسْتَقامُوا ﴿أمْ﴾ اسْتَمَرُّوا عَلى ضَلالِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ عِنادًا ﴿افْتَراهُ﴾ [أيْ تَعَمَّدَ نِسْبَتَهُ كَذِبًا إلى اللَّهِ]، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَمادَوْا عَلى عُتُوِّهِمْ فَقالُوا ذَلِكَ فَكانُوا كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، لِأنَّهم أصَّلُوا أصْلًا فاسِدًا لَزِمَ عَلَيْهِ \ قَطْعًا إمْكانُ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لِأنَّهم عَرَبٌ مِثْلُهُ، بَلْ مِنهم مَن قَرَأ وكَتَبَ وخالَطَ العُلَماءَ واشْتَدَّ اعْتِناؤُهُ بِأنْواعِ البَلاغَةِ مِنَ النَّظْمِ والنَّثْرِ والخُطَبِ وتَمَرُّنُهُ فِيها بِخِلافِهِ ﷺ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلِهَذا أمَرَهُ في جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم يا أبْلَغَ خَلْقِنا وأعْرَفَهم بِمَواقِعِ الكَلامِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ، أتى بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا﴾ أيْ: أنْتُمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِكم هَذا الَّذِي تَبَيَّنَ وأنَّكم فِيهِ مُعانِدُونَ؛ ولَمّا كانُوا قَدْ جَزَمُوا في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ افْتَراهُ، وكانَ مُفَصَّلًا إلى سُورٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها لَها مَقْصِدٌ مُعَيَّنٌ يُسْتَدَلُّ فِيها عَلَيْهِ، وتَكُونُ خاتِمَتُها مُرْتَبِطَةً بِفاتِحَتِها مُتَّحِدَةً بِها، اكْتَفى في تَحَدِّيهِمْ بِالإتْيانِ بِقِطْعَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُفَصَّلَةٍ إلى مِثْلِ سُورَةٍ لَكِنْ تَكُونُ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ في الطُّولِ والبَيانِ وانْتِظامِ العِبارَةِ والتِئامِ المَعانِي فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بِسُورَةٍ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والسُّورَةُ مُنَزَّلَةٌ مُحِيطَةٌ بِآياتٍ مِن أجْلِ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ كَإحاطَةِ سُورِ البِناءِ، وهَذا نَظَرًا إلى أنَّ المُتَحَدّى بِهِ سُورَةٌ اصْطِلاحِيَّةٌ، والصَّوابُ أنَّها لُغَوِيَّةٌ، وهي - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَمامُ جُمْلَةٍ مِنَ المَسْمُوعِ تُحِيطُ بِمَعْنًى تامٍّ بِمَنزِلَةِ إحاطَةِ السُّورِ بِالمَدَنِيَّةِ؛ ووَصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلِهِ﴾ أيْ: في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَعانِي ومُصادَقَةِ الكُتُبِ وتَفْصِيلِ العُلُومِ؛ لِأنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ وتَزِيدُونَ بِالكِتابَةِ ومُخالَطَةِ العُلَماءِ - مِن غَيْرِ إتْيانٍ بِ: ”مِن“ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ كَوْنُها مِثْلَ القُرْآنِ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ وسِعَ لَهم في الِاسْتِعانَةِ بِجَمِيعِ مَن قَدَرُوا عَلَيْهِ ووَصَلَتْ طاقَتُهم إلَيْهِ ولَمْ يَقْصُرْهم عَلى مَن بِحَضْرَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وادْعُوا﴾ أيْ: لِمُعاوَنَتِكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: قَدَرْتُمْ عَلى طاعَتِهِ ولَوْ بِبَذْلِ الجُهْدِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ لِلْمُعاوَنَةِ، وحَقَّقَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِثْنائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم مُتَعَمِّدُونَ لِما نَسَبُوهُ إلَيْهِ - وحاشاهُ مِن تَعَمُّدِ الكَذِبِ - وأنَّهم مُعانِدُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ أتى بِهِ مِن عِنْدِهِ، لِأنَّ العاقِلَ لا يَجْزِمُ بِشَيْءٍ إلّا إذا كانَ عِنْدَهُ مِنهُ مَخْرَجٌ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ دَلِيلٍ ظاهِرٍ وسُلْطانٍ قاهِرٍ باهِرٍ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ ويَأْتِي في هُودٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى؛ والِاسْتِطاعَةُ: حالَةٌ تَتَطاوَعُ بِها الجُرُوحُ والقُوى لِلْفِعْلِ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطَّوْعِ.

39

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

ثُمَّ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لَهم ذَلِكَ فَلَمْ يَأْتُوا لِقَوْمِهِمْ بِشُبْهَةٍ تُوجِبُ شَكًّا فَضْلًا عَنْ مُصَدَّقٍ، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِكَوْنِهِ كَلامًا في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ بِحُسْنِ النِّظامِ والجَزالَةِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهو مُشْتَمِلٌ مِن كُلِّ مَعْنًى عَلى ما عَلا كُلَّ العُلُوِّ عَنْ مُدانٍ ﴿بَلْ﴾ . وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وكانَ الدَّلِيلُ إنَّما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقامَ عَلى مَن عَرَضَ لَهُ غَلَطٌ أوْ شُبْهَةٌ، وكانَ قَوْلُهُمْ: ﴿افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] لا عَنْ شُبْهَةٍ وإنَّما هو مُجَرَّدُ عِنادٍ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّهُ إنَّما أقامَ الدَّلِيلَ لِإظْهارِ عِنادِهِمْ لا لِأنَّ عِنْدَهم شُبْهَةً في كَوْنِهِ حَقًّا بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَمْ يَقُولُوا ”افْتَراهُ“ عَنِ اعْتِقادٍ مِنهم لِذَلِكَ بَلْ ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ الَّذِي لا تَكْذِيبَ أشْنَعَ مِنهُ مُسْرِعِينَ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَفَهَّمُوهُ مُسْتَهِينِينَ ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ في نَظْمِهِ أوْ مَعْناهُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ عِنادًا وطُغْيانًا ونُفُورًا مِمّا يُخالِفُ دِينَهم وشِرادًا، فَهو مِن بابِ ”مَن جَهِلَ شَيْئًا عاداهُ“ والإحاطَةُ: إرادَةُ ما هو كالحائِطِ حَوْلَ الشَّيْءِ، فَإحاطَةُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ العِلْمُ بِهِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ تَأْوِيلِهِ، وهو إتْيانُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، قالَ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: إلى زَمَنِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿تَأْوِيلُهُ﴾ أيْ: تَرْجِيعُنا لِأخْبارِهِ إلى مَراجِعِها وغاياتِها حَتّى يَعْلَمُوا أصِدْقٌ هي أمْ كَذِبٌ، فَإنَّهُ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ نَظْمِهِ ومِن جِهَةِ \ صِدْقِهِ في أخْبارِهِ؛ والتَّأْوِيلُ: المَعْنى الَّذِي يَؤُولُ إلَيْهِ التَّفْسِيرُ، وهو مُنْتَهى التَّصْرِيحِ مِنَ التَّضْمِينِ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ فِعْلَهم هَذا لَعَجَبٌ، فَما حَمَلَهم عَلى التَّمادِي فِيهِ؟ فَقِيلَ: تَبِعُوا في ذَلِكَ مَن قَبْلَهم لِمُوافَقَتِهِمْ في سُوءِ الطَّبْعِ، قالَ مُهَدِّدًا لَهم ومُسَلِّيًا لَهُ ﷺ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ هَذا التَّكْذِيبَ العَظِيمَ في الشَّناعَةِ قَبْلَ تَدْبِيرِ المُعْجِزِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ بَعْضَ السّالِفِينَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَظَلَمُوا فَأهْلَكْناهم بِظُلْمِهِمْ؛ ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ خَطَرًا لِما يُثِيرُ مِنَ السُّرُورِ، سَبَّبَ عَنْهُ - تَحْذِيرًا مِنهُ - النَّظَرَ في عاقِبَةِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ: بِعَيْنِكَ دِيارَهم وبِقَلْبِكَ أخْبارَهم.

ولَمّا كانَ مَن نَظَرَ هَذا النَّظَرَ وجَدَ فِيهِ أجَلَّ مُعْتَبَرٍ وأعْلى مُزْدَجَرٍ، وجَّهَ السُّؤالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ رَسَخَتْ أقْدامُهم في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها حَتّى كَذَّبُوا مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ بِوَجْهٍ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ هَذا المَسْؤُولَ يَقُولُ مِن غَيْرِ تَعَلْثُمٍ ولا تَرَدُّدٍ: عاقِبَةٌ وخِيمَةٌ قاصِمَةٌ ذَمِيمَةٌ؛ والعاقِبَةُ سَبَبٌ تُؤَدِّي إلَيْهِ البادِئَةُ، فالَّذِي أدّى إلى هَلاكِهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ما تَقَدَّمَ مِن ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ وعُتُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ.

40

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهُمْ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما أيْأسَ مِن إذْعانِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، وآذَنَ بِاسْتِئْصالِهِمْ لِتَكْمُلَ المُشابَهَةُ لِلْأوَّلِينَ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَأتْبَعَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ بَيانًا لِأنَّ عِلْمَهُ بِانْقِسامِهِمْ أوْجَبَ عَدَمَ اسْتِئْصالِهِمْ [عاطِفًا عَلى ﴿كَذَّبُوا﴾ [يونس: ٣٩] ]: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيْ: قَوْمِكَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ أصْلًا ولَوْ رَأى كُلَّ آيَةٍ ﴿ورَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالرِّفْقِ بِأُمَّتِكَ ﴿أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الإفْسادِ فَسَيُعامِلُهم بِما يَشْفِي صَدْرَكَ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.