Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 109

31

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالإمْطارِ والإنْباتِ وهَلْ يُمْكِنُ إلّا مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ العامُّ فِيها ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ أيْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى الحَدِّ الَّذِي سُوِّيا عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [الملك: ٢٣]

﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَعْنِي النَّسَمَةَ مِنَ النُّطْفَةِ، أوِ الطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ، أوِ السُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبِّ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ كَأنْ يُخْرِجَ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطّائِرِ. وقِيلَ: المُرادُ أنْ يُخْرِجَ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ. ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ كُلِّهِ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ لِغايَةِ وُضُوحِهِ ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ بَعْدَ اعْتِرافِكُمْ، مِن غَضَبِهِ لِعِبادَةِ غَيْرِهِ اتِّباعًا لِلْهَوى.

32

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ

For that is Allah, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾

﴿فَذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ وأفْعالُهُ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ الثّابِتُ وحْدانِيَّتُهُ ثَباتًا لا رَيْبَ فِيهِ، لِمَن حَقَّقَ النَّظَرَ ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ يَعْنِي أنَّ الحَقَّ والضَّلالَ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَمَن تَخَطّى الحَقَّ وقَعَ في الضَّلالِ، أيْ فَما بَعْدَ حَقِّيَّةِ رُبُوبِيَّتِهِ إلّا بُطْلانُ رُبُوبِيَّةِ ما سِواهُ، وعِبادَةُ غَيْرِهِ، انْفِرادًا أوْ شَرِكَةً ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، إلى الضَّلالِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، وأنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ الخالِقُ كُلَّ شَيْءٍ.

33

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Thus the word of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ عَلى الَّذِينَ تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ، وخَرَجُوا إلى الحَدِّ الأقْصى فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ. أوْ أرادَ بِالكَلِمَةِ العِدَةَ بِالعَذابِ و﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ بِمَعْنى (لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ) أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ- أيْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] قِيلَ: ﴿الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ مُظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإشْعارِ بِالعِلْيَةِ، و(الفِسْقُ) هُنا التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ، فَآلَ الكَلامُ إلى أنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ، لِتَمَرُّدِهِمْ في كُفْرِهِمْ، ولِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهو تَكْرارٌ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَصْرِيحٌ بِما عَلِمَ ضِمْنًا مِنَ ﴿الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أوْ دَلالَةً عَلى شَرَفِ الإيمانِ بِأنَّ عَذابَ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإيمانِ.

ثُمَّ احْتَجَّ أيْضًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ بِما هو مِن خَصائِصِهِ تَعالى، مِن بَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

34

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allah begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ مَن يَبْدَؤُهُ مِنَ النُّطْفَةِ، ويَجْعَلُ فِيهِ الرُّوحَ لِيَتَعَرَّفَ إلَيْهِ، ويَسْتَعْمِلَهُ أعْمالًا، ثُمَّ يُحْيِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِيَجْزِيَهُ بِما أسْلَفَ فِي أيّامِهِ الخالِيَةِ. وإنَّما نَظَّمَتِ الإعادَةُ في سِلْكِ الِاحْتِجاجِ مَعَ عَدَمِ اعْتِرافِهِمْ بِها؛ إيذانًا بِظُهُورِ بُرْهانِها، لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلَيْها سَمْعًا وعَقْلًا، وإنَّ إنْكارَها مُكابَرَةً وعِنادًا لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وإشْعارًا بِتَلازُمِ البَدْءِ والإعادَةِ وُجُودًا وعَدَمًا، يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافُ بِهِ الِاعْتِرافَ بِها. ثُمَّ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ إلى عِبادَةِ الغَيْرِ، مَعَ عَجْزِهِ عَمّا ذَكَرَ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ أيْضًا، إفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

35

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allah guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَبِعْثَةِ الرُّسُلِ، وإيتاءِ العَقْلِ. وتَمْكِينِ النَّظَرِ في آياتِ الكَوْنِ، والتَّوْفِيقِ لِلتَّدَبُّرِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ وهو تَبارَكَ وتَعالى- ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ أيْ يُعْبَدَ ويُطاعَ ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ أيْ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ تَعالى -نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ لِإفْحامِهِمْ- وقِيلَ مَعْناهُ: أمْ مَن لا يَهْتَدِي مِنَ الأوْثانِ إلى مَكانٍ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلّا أنْ يُنْقَلَ، أوْ لا يَهْتَدِي ولا يَصِحُّ مِنهُ الِاهْتِداءُ، إلّا أنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ مِن حالِهِ إلى أنْ يَجْعَلَهُ حَيَوانًا مُكَلَّفًا فَيَهْدِيهِ. وقَدْ قُرِئَ ((أمَّنْ لا يَهَدِّي)) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، أصْلُهُ يَهْتَدِي، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، ونُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ المُدْغَمَةِ إلى الهاءِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، لِأنَّهُ لَمّا نُقِلَتِ الحَرَكَةُ التَقى ساكِنانِ، فَكُسِرَ أوَّلُهُما لِلتَّخَلُّصِ مِنِ التِقائِهِما، وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ وبِتَخْفِيفِ الدّالِ، عَلى مَعْنى (يَهْتَدِي) والعَرَبُ تَقُولُ: يَهْدِي بِمَعْنى يَهْتَدِي. يُقالُ: هَدَيْتُهُ فَهُدِيَ، أيِ اهْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما لَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ عَنْ هِدايَةِ أنْفُسِهِمْ، فَضْلًا عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِمْ شُرَكاءَ. وقَوْلُهُ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ مُسْتَأْنِفٌ، أيْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالباطِلِ، حَيْثُ تَزْعُمُونَ أنَّهم أنْدادُ اللَّهِ؟!

36

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾

﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ في اعْتِقادِهِمْ أُلُوهِيَّةَ الأصْنامِ ﴿إلا ظَنًّا﴾ اعْتِقادًا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِبُرْهانٍ، بَلْ لِخَيالاتٍ فارِغَةٍ، وأقْيِسَةٍ فاسِدَةٍ. والمُرادُ بِ(الأكْثَرِ): الجَمِيعُ ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ مِنَ العِلْمِ والِاعْتِقادِ الحَقِّ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الإغْناءِ. فَـ " شَيْئًا" في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، أيْ غِناءً ما. أوْ مَفْعُولٌ لِـ " يُغْنِي"، و" مِنَ الحَقِّ" حالٌ مِنهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى اتِّباعِهِمُ الظَّنَّ، وإعْراضِهِمْ عَنِ البُرْهانِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ:

اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِالخَلْقِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالهِدايَةِ ثانِيًا، عادَةٌ مُطَّرِدَةٌ في القُرْآنِ. فَحَكى تَعالى عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وعَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُهُ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ شَرِيفٌ، لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ جَسَدٌ ورُوحٌ، فالِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِأحْوالِ الجَسَدِ هو الخَلْقُ، والِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الرُّوحِ هو الهِدايَةُ، فَهاهُنا أيْضًا لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى وهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤] أتْبَعَهُ بِدَلِيلِ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ الجَسَدِ حُصُولُ الهِدايَةِ لِلرُّوحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وهَذا كانَ كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الجَسَدَ، وإنَّما أعْطى الحَواسَّ، لِتَكُونَ آلَةً في اكْتِسابِ المَعارِفِ والعُلُومِ. وأيْضًا فالأحْوالُ الجَسَدِيَّةُ خَسِيسَةٌ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى الِالتِذاذِ بِذَوْقِ شَيْءٍ مِنَ الطُّعُومِ، أوْ لَمْسِ شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَلْمُوسَةِ. أمّا الأحْوالُ الرُّوحانِيَّةُ، والمَعارِفُ الإلَهِيَّةُ، فَإنَّها كَمالاتٌ باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، مَصُونَةٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ. فَعَلِمْنا أنَّ الخَلْقَ تَبَعٌ لِلْهِدايَةِ، والمَقْصُودُ الأشْرَفُ الأعْلى حُصُولُ الهِدايَةِ، ولِاضْطِرابِ العُقُولِ وتَشَعُّبِ الأفْكارِ كانَتِ الهِدايَةُ وإدْراكُ الحَقِّ بِإعانَتِهِ تَعالى وحْدَهُ. والهِدايَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، أوْ عَنْ تَحْصِيلِ مَعْرِفَتِها، وعَلى كُلٍّ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّها أشْرَفُ المَراتِبِ، وأعْلى السَّعاداتِ، وأنَّها لَيْسَتْ إلّا مِنهُ تَعالى. وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها جَماداتٌ لا تَأْثِيرَ لَها في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، ولا في الإرْشادِ إلى الصِّدْقِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو المُوَصِّلُ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرْشِدُ إلى كُلِّ الكَمالاتِ في النَّفْسِ والجَسَدِ، وأنَّ الأصْنامَ لا تَأْثِيرَ لَها في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، كانَتْ عِبادَتُها جَهْلًا مَحْضًا، وسَفَهًا صِرْفًا. فَهَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ. اهـ.

37

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And it was not [possible] for this Qur'an to be produced by other than Allah, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt, from the Lord of the worlds.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حَقِّيَّةَ هَذا الوَحْيِ المُنَزَّلِ، رُجُوعًا إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن صِدْقِ نُبُوَّةِ المُنْزَلِ عَلَيْهِ، ودَلائِلِها في آياتِ اللَّهِ الكَوْنِيَّةِ، والمُنْبِئَةِ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وجَلِيلِ عِنايَتِهِ، بِهِدايَةِ بَرِّيَّتِهِ، فَقالَ تَعالى:

ثُمَّ بَيَّنَ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِامْتِناعِ ذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ لِمَن دُونَهُ تَعالى كَمالُ قُدْرَتِهِ الَّتِي بِها عُمُومُ الإعْجازِ ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ بِالتَّوْحِيدِ، وصِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ، و(تَصْدِيقَ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ (كانَ) أوْ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلَهُ تَصْدِيقَ إلَخْ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. أيْ وبِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْها، ولَمْ يُجالِسْ أهْلَها، ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ أيْ وتَبْيِينُ ما كُتِبَ وفُرِضَ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ، مِن قَوْلِهِ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِيهِ خَبَرُ ما قَبْلَكُمْ، ونَبَأُ ما بَعْدَكُمْ، وفَصْلُ ما بَيْنَكم. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، أخْبارٌ أُخَرُ لِما قَبْلَها.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ومَساقُ الآيَةِ، بَعْدَ المَنعِ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ؛ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ.

38

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say [about the Prophet], "He invented it?" Say, "Then bring forth a surah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ. فَـ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ (بَلْ والهَمْزَةِ) عِنْدَ الجُمْهُورِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. أيْ ما كانَ يَنْبَغِي ذَلِكَ. وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ، ومُعادِلُها مُقَدَّرٌ. أيْ أيُقِرُّونَ بِهِ بَعْدَ ما بَيَّنّا مِن حَقِيقَتِهِ أمْ يَقُولُونَ افْتِراءٌ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، فَأْتُوا، عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ، بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، وحُسْنِ الصِّياغَةِ، وقُوَّةِ المَعْنى، فَأنْتُمْ مَثَلٌ في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ، وأشَدُّ تَمَرُّنًا في النَّظْمِ ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيِ ادْعُوا مِن دُونِهِ تَعالى، ما اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ، لِلِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ -إنْ صَدَقْتُمْ في أنِّي اخْتَلَقْتُهُ- فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإخْراجُهُ سُبْحانَهُ مِن حُكْمِ الدُّعاءِ، لِلتَّنْصِيصِ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى، وكَوْنِهِمْ في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمَشاقَّةِ، لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

39

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي، إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، أيْ سارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِهِ، وفاجَؤُوهُ في بَدِيهَةِ السَّماعِ، وقَبْلَ أنْ يَفْقَهُوهُ ويَعْلَمُوا كُنْهَ أمْرِهِ، وقَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوهُ، ويَقِفُوا عَلى تَأْوِيلِهِ ومَعانِيهِ وما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ، وذَلِكَ لِفَرْطِ نُفُورِهِمْ عَمّا يُخالِفُ دِينَهُمْ، وشِرادِهِمْ عَنْ مُفارَقَةِ دِينِ آبائِهِمْ، كالنّاشِئِ عَلى التَّقْلِيدِ مِنَ الحَشْوِيَّةِ، إذا أحَسَّ بِكَلِمَةٍ لا تُوافِقُ ما نَشَأ عَلَيْهِ وألِفَهُ، وإنْ كانَتْ أضْوَأ مِنَ الشَّمْسِ في ظُهُورِ الصِّحَّةِ، وبَيانِ الِاسْتِقامَةِ، أنْكَرَها فِي أوَّلِ وهْلَةٍ، واشْمَأزَّ مِنها، قَبْلَ أنْ يُحِسَّ إدْراكَها بِحاسَّةِ سَمْعِهِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ في صِحَّةٍ أوْ فَسادٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ قَلْبُهُ إلّا صِحَّةَ مَذْهَبِهِ، وفَسادَ ما عَداهُ مِنَ المَذاهِبِ. وسِرُّ التَّعْبِيرِ ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ الإيذانُ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ، وأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ -كَذا في الكَشّافِ وأبِي السُّعُودِ-.

﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أيْ بَيانٌ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، مِمّا تَوَعَّدَهم فِيهِ. وهَذا المَعْنى هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ. وقَدْ مَشى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.

قالَ في (تَنْوِيرِ الِاقْتِباسِ): أيْ عاقِبَةُ ما وعَدَهم في القُرْآنِ.

وقالَ الجَلالُ: أيْ عاقِبَةُ ما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ.

وقالَ القاشانِيُّ: تَأْوِيلُهُ: أيْ ظُهُورُ ما أشارَ إلَيْهِ في مَواعِيدِهِ، وأمْثالِهِ مِمّا يَؤُولُ أمْرُهُ وعِلْمُهُ إلَيْهِ، فَلا يُمْكِنُهُمُ التَّكْذِيبُ؛ لِأنَّهُ إذا ظَهَرَتْ حَقائِقُهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ تَكْذِيبُهُ.

﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ بِآياتِ الرُّسُلِ، قَبْلَ التَّدَبُّرِ في مَعانِيها.

﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِن هَلاكِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ.

40

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ ٤١ ] ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] [ ٤٢ ] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]

﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يُكابِرُ بِالتَّكْذِيبِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾

﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أيْ إنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ، فَتَبَرَّأْ مِنهُمْ، فَقَدْ أُعْذِرْتَ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] أيْ إذا قَرَأْتَ القُرْآنَ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] أبْرَزُهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِسَماعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لا يَعُونَ ولا يَقْبَلُونَ، بِصُورَةِ الصُّمِّ المَعْتُوهِينَ: أيْ أتَطْمَعُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِ الصُّمِّ، ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ؟ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ واسْتَدَلَّ إذا وقَعَ في صِماخِهِ دَوِيُّ الصَّوْتِ، فَإذا اجْتَمَعَ سَلْبُ السَّمْعِ والعَقْلِ فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.