Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

ولَمّا كانَ طَلَبُهم مُحَرِّكًا لِنُفُوسِ الخَيِّرِينَ إلى تُرْجى إجابَةُ سُؤالِهِمْ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِما يُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ مَحْضُ تَعَنُّتٍ. فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ [يونس: ١٢] مُبَيِّنًا أنَّ رَحْمَتَهُ مُحَقَّقَةُ الوُجُودِ كَثِيرَةُ الوُرُودِ إلَيْهِمْ [مُبَيِّنًا أنَّ لَهم آيَةً عُظْمى مِن أنْفُسِهِمْ لا يَحْتاجُونَ مَعَها إلى التَّعَنُّتِ بِطَلَبِ آيَةٍ وهي دالَّةٌ عَلى نَتِيجَةِ مَقْصُودِ السُّورَةِ الَّذِي هو الوَحْدانِيَّةُ وأنَّ إشْراكَهم إنَّما هو بِما لَهم مِن نَقْصِ الغَرائِزِ المُوجِبِ لِكُفْرانِ الإحْسانِ، وذَلِكَ أنَّهم عامَّةً إذا أُكْرِمُوا بِنِعْمَةٍ قابَلُوها بِكُفْرٍ جَعَلُوا ظَرْفَهُ عَلى مِقْدارِ ظَرْفِ تِلْكَ النِّعْمَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِ ”إذا“ ثُمَّ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ ألْجَأهم إلى الحَقِّ فَأخْلَصُوا، لَمْ يَخْتَلِفْ حالُهم في هَذا قَطُّ، وهَذا الإجْماعُ مِنَ الجانِبَيْنِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ: الكُفْرُ ظُلْمًا بِما جَرَّ إلَيْهِ مِنَ البَطَرِ. والتَّوْحِيدُ حَقًّا بِما دَعا إلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ الكائِنَةِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بِما زالَ عَنْها إلْحاقُ الضَّرَرِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ والفُتُورِ، وهَذا كَما وقَعَ في سُورَةِ الرُّومِ المُوافِقَةِ لِهَذِهِ في الدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَلِذا عَبَّرَ في كُلٍّ مِنهُما بِالنّاسِ لِيَكُونَ إجْماعُهم دَلِيلًا كافِيًا عَلَيْها وسُلْطانًا جَلِيلًا مُضْطَرًّا إلَيْها - واللَّهُ الهادِي -]: ﴿وإذا أذَقْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم وصْفُ الِاضْطِرابِ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً رَحِمْناهم بِها مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.

ولَمّا كانَ وُجُودُ النِّعْمَةِ لا يَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ الَّذِي يَتَعَقَّبُ النِّقْمَةَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ أيْ: قَحْطٍ وغَيْرِهِ ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ فاجَئُوا المَكْرَ وهو مَعْنى ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ بِالمَعاصِي الَّتِي يَفْعَلُونَ في الِاسْتِخْفاءِ بِأغْلَبِها فِعْلَ الماكِرِ ﴿فِي آياتِنا﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ آياتِهِ العِظامِ، فَلَوْ كانُوا مُنْتَفِعِينَ بِالآياتِ اهْتَدَوْا بِها، فَإذا أتَتْهم رَحْمَةٌ مِن بَعْدِ نِقْمَةٍ لَمْ يَعُدُّوها آيَةً دالَّةً عَلى مَن أرْسَلَها لَهم لِخَرْقِها لِما كانُوا فِيهِ مِن عادَةِ النِّقْمَةِ مَعَ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إرْسالِها وصَرْفِ الشِّدَّةِ إلّا هو سُبْحانَهُ، بَلْ يَعْمَلُونَ فِيها عَمَلَ الماكِرِينَ بِأنْ يَصْرِفُوها عَنْ ذَلِكَ بِأنْواعِ الصَّوارِفِ كَأنْ يَنْسُبُوها إلى الأسْبابِ \ كَنِسْبَةِ المَطَرِ لِلْأنْواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ مِن إعادَةِ مِثْلِ تِلْكَ الضَّرّاءِ أوْ ما هو أشَدُّ مِنها.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ دالَّةً عَلى إسْراعِهِمْ بِالمَكْرِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: التَّعْبِيرُ بِالذَّوْقِ الَّذِي هو أوَّلُ المُخالَطَةِ، ولَفْظُ ”مِن“ الَّتِي هي لِلِابْتِداءِ و”إذا“ الفُجائِيَّةُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أسْرَعُوا جُهْدَهم في المَكْرِ، فَقِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أسْرَعُ مَكْرًا﴾ ومَعْنى الوَصْفِ بِالأسْرُعِيَّةِ أنَّهُ قَضى بِعِقابِهِمْ قَبْلَ تَدْبِيرِهِمْ مَكايِدَهم [نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ. \ ولَمّا كانَ المَكْرُ إخْفاءَ الكَيْدِ، بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ -] أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى مُطْلَقِ المَكْرِ في …

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

ثُمَّ أخَذَ سُبْحانَهُ يُبَيِّنُ ما يَتَّضِحُ بِهِ أسْرُعِيَّةُ مَكْرِهِ في مِثالٍ دالٍّ عَلى ما في الآيَةِ قَبْلَها مِن نَقْلِهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ مِنَ الضُّرِّ إلى النِّعْمَةِ ومِن سُرْعَةِ تَقَلُّبِهِمْ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [أيْ] في كُلِّ وقْتٍ تَسِيرُونَ فِيهِ سَيْرًا عَظِيمًا لا تَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُسَبِّبُ لَكم أسْبابًا تُوجِبُ سَيْرَكم فِيهِما ويُقَدِّرُكم عَلى ذَلِكَ ويَهْدِيكم مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ إلى ما فِيهِ مِن أصْنافِ المَنافِعِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى إصابَتِكم في البَرِّ بِالخَسْفِ وما بِالخَسْفِ وما دُونَهُ وفي البَحْرِ بِالغَرَقِ وما أشْبَهَهُ.

ولَمّا كانَ العَطَبُ بِأحْوالِ البَحْرِ أظْهَرَ مَعَ أنَّ السَّيْرَ فِيهِ مِن أكْبَرِ الآياتِ وأوْضَحِ البَيِّناتِ، بَيَّنَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ البَرِّ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا لا بَراحَ لَكم مِنهُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السُّفُنِ، يَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا؛ وأعْرَضَ عَنْهم بَعْدَ الإقْبالِ لِما سَيَأْتِي فَقالَ: ﴿وجَرَيْنَ﴾ أيِ الفُلْكُ؛ ﴿بِهِمْ﴾ ولَمّا ذَكَرَ جَرْيَها وهم فِيها، ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ثُمَّ أوْضَحَ لَهم عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِالعَواقِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ أيْ: بِتِلْكَ الرِّيحِ وبِالفُلْكِ الجارِيَةِ بِها ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ فَأزْعَجَتْ سُفُنَهم وساءَتْهم ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ أيِ المَعْرُوفُ لِكُلِّ أحَدٍ بِالرُّؤْيَةِ أوِ الوَصْفِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: يُعْتادُ الإتْيانُ مِنهُ فَأرْجَفَ قُلُوبَهم ﴿وظَنُّوا أنَّهُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَخُوفُ الهَلاكَ، لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما هو كِنايَةٌ عَنْهُ لِأنَّ العَدُوَّ إذا أحاطَ بِعَدُوِّهِ أيْقَنَ بِالهَلاكِ فَقالَ: ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن حالِهِمُ الغَرِيبَةِ الَّتِي تَجِبُ لَها القُلُوبُ وتَضْعُفُ عِنْدَها القُوى - مُقْتَضِيًا لِأنْ يُسْألَ عَمّا يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ، أتى المَقالُ عَلى مُقْتَضى هَذا السُّؤالِ مُخْبِرًا عَنْ تَرْكِهِمُ العِنادَ وإخْلاصِهِمُ الدّالِّ عَلى جَزَعِهِمْ عِنْدَ سَطَواتِهِ وانْحِلالِ عَزائِمِهِمْ في مُشاهَدَةِ ضَرَباتِهِ، وعِبارَةُ الرُّمّانِيِّ: اتِّصالُ دَعْوى الأجْوِبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ في الخَلاصِ والعِبادَةِ لَهُ بِالإخْلاصِ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ أيْ: عَنْ كُلِّ شِرْكٍ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ التَّوْحِيدَ والتَّصْدِيقَ بِالظّاهِرِ والباطِنِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ بَدِيهَةُ العَقْلِ مِنَ الفَزَعِ عِنْدَ الشِّدَّةِ إلى واهِبِ السَّلامَةِ ومُسْبِغِ النِّعْمَةِ \ في كَشْفِ تِلْكَ البَلِيَّةِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ حِكايَةَ حالِهِمْ في وعْدِهِمُ الشُّكْرَ عَلى النَّجاةِ ثُمَّ كَذِبِهم في ذَلِكَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أطْهَرُ النّاسِ ذُيُولًا عَنِ الكَذِبِ وأشَدُّهُمُ اسْتِقْباحًا لَهُ وأبْعَدُ النّاسِ مِن كُفْرانِ الإحْسانِ، فَقالَ تَعالى حاكِيًا قَوْلَهُمُ الَّذِي دَلُّوا بِتَأْكِيدِهِمْ لَهُ أنَّهم قالُوهُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ نافِينَ ما يُظَنُّ بِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا فِيهِ قَبْلَ تِلْكَ الحالِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ أيْ: أيُّها المَلِكُ الَّذِي لا سُلْطانَ لِغَيْرِهِ ﴿مِن هَذِهِ﴾ أيِ الفادِحَةِ ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ أيْ: كَوْنًا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ المُدِيمِينَ لِشُكْرِكَ العَرِيقِينَ في الِاتِّصافِ بِهِ.

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

ولَمّا أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُمُ أكَّدُوا هَذا الوَعْدَ هَذا التَّأْكِيدَ، أتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهم أسْرَعُوا في نَقْضِهِ غايَةَ الإسْراعِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ ولَمّا أبانَتِ الفاءُ عَنِ الإسْراعِ في النَّقْضِ، أكَّدَ مُناجاتِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَبْغُونَ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: جِنْسِها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ، فَلا يَزالُ الباغِي مَذْمُومًا حَتّى يَكُونَ عَلى الحَقِّ الكامِلِ الَّذِي لا باطِلَ فِيهِ بِوَجْهٍ، وجاءَ الخِطابُ أوَّلًا فِي: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢] لِيَعُمَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ التَّسْيِيرَ يَصْلُحُ لِلِامْتِنانِ، ثُمَّ التَفَتَ إلى الغَيْبَةِ عِنْدَ صُدُورِ ما لا يَلِيقُ بِهِمْ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَعَلَهم - بِما هَيَّأ فِيهِمْ مِنَ القُوى - أهْلًا لِخِطابِهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهم إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الإعْراضَ لِإعْراضِهِمُ اغْتِرارًا بِما أتاحَهم مِنَ الرِّيحِ الطَّيِّبَةِ في مَحَلٍّ يَجِبُ فِيهِ الإقْبالُ عَلَيْهِ والغِنى عَنْ كُلِّ ما سِواهُ لِعِظَمِ الخَطَرِ وشَدَّةِ الأمْرِ، وكَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ مِن حالِهِمْ ما يُعْجِبُهُ مِنهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ويَقْبُحَ حالُهُمْ؛ والتَّسْيِيرُ: التَّحْرِيكُ في جِهَةٍ تَمْتَدُّ كالسَّيْرِ؛ والبَرُّ: الأرْضُ الواسِعَةُ الَّتِي تُقْطَعُ مِن بَلَدٍ، ومِنهُ البَرُّ لِاتِّساعِ الخَيْرِ بِهِ؛ والبَحْرُ: مُسْتَقَرُّ الماءِ الواسِعُ حَتّى لا يُرى مِن وسَطِهِ حافَّتاهُ؛ والفُلْكُ: السُّفُنُ الَّتِي تَدُورُ في الماءِ، وأصْلُهُ الدُّورُ، فَمِنهُ فَلْكَةُ المِغْزَلِ، والفَلَكُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ النُّجُومُ؛ والنَّجاةُ: التَّخْلِيصُ مِنَ الهَلاكِ؛ والبَغْيُ: قَصْدُ الِاسْتِعْلاءِ بِالظُّلْمِ، وأصْلُهُ الطَّلَبُ؛ والحَقُّ: وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعِهِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الإمْهالِ إنَّما هو مَتاعُ الدُّنْيا وأنَّها دارُ زَوالٍ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِمْ وصْفُ الِاضْطِرابِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ أيْ: كُلُّ بَغْيٍ يَكُونُ مِنكم ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ لِعَوْدِ الوَبالِ عَلَيْها خاصَّةً وهو عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاعِكم بِهِ عَرَضٌ زائِلٌ ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثُمَّ يَبْقى عارُهُ وخِزْيُهُ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ بَعْدَ البَعْثِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إنْباءً عَظِيمًا ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ونُجازِيكم عَلَيْهِ.

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ البَعْثِ وتَخْوِيفِهِمْ بِهِ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ ويَعْتَقِدُونَ بَقاءَ الدُّنْيا وأنَّها إنَّما هي أرْحامٌ تَدْفَعُ وأرْضٌ تَبْلُغُ دائِمًا بِلا انْقِضاءٍ [فَهِيَ دارٌ يُرْضى بِها فَيُطْمَأنُّ إلَيْها]، ولِلتَّنْفِيرِ مِنَ البَغْيِ والتَّعَزُّزِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وكانَتِ الأمْثالُ أجْلى لِمَحالِّ الأشْكالِ، قالَ تَعالى مُمَثِّلًا لِمَتاعِها قاصِرًا أمْرَها عَلى الفَناءِ رَدًّا عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِ دَوامِها مِن غَيْرِ بَعْثٍ: ﴿إنَّما﴾ [فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ] ﴿مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي تَتَنافَسُونَ فِيها في سُرْعَةِ انْقِضائِها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ عَظِيمِ إقْبالِهِ ﴿كَماءٍ أنْـزَلْناهُ﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، [وحَقَّقَ أمْرَهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ فَشَبَّهَهُ بِأمْرِ النَّباتِ وأنَّهُ قَلِيلٌ يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ فَتُصْبِحُ الأرْضُ مِنهُ بِلاقِعَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْضِرارِ واليُنُوعِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى البَعْثِ وإلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ضَرْبِهِ قَبْلَ نِهايَتِهِ أوْ بَعْدَها بِبَعْضِ الآفاتِ كَما يُوجَدُ في بَعْضِ السِّنِينَ، فَيُقْفِرُونَ مِنهُ ويَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ عَظِيمٌ ﴿فاخْتَلَطَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْزالِنا لَهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَلْيِينِهِ ولَطافَتِهِ ﴿نَباتُ الأرْضِ﴾ عُمُومًا في بَطْنِها ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً ﴿والأنْعامُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ والبُقُولِ فَظَهَرَ عَلى وجْهِها ﴿حَتّى﴾ ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يَنْمُو ويَزِيدُ في الحُسْنِ والجِرْمِ؛ ولَمّا كانَ الخِصْبُ هو الأصْلَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ التَّحْقِيقِ فَقالَ: \ ﴿إذا﴾ ولَمّا كانَتْ بَهْجَةُ النَّباتِ تابِعَةً لِلْخِصْبِ، فَكانَ الماءُ كَأنَّهُ يُعْطِيها إيّاها فَتَأْخُذُهُ، قالَ: ﴿أخَذَتِ الأرْضُ﴾ [أيْ] الَّتِي لَها أهْلِيَّةُ النَّباتِ ﴿زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ بِأنْواعِ ذَلِكَ النَّباتِ زِينَةً مِنها الجَلِيُّ ومِنها الخَفِيُّ - بِما يُفْهِمُهُ الإدْغامُ ﴿وظَنَّ أهْلُها﴾ أيْ: ظَنًّا مُؤَكَّدًا جِدًّا بِما أفادَهُ العُدُولُ عَنْ ”قُدْرَتِهِمْ“ إلى ﴿أنَّهم قادِرُونَ﴾ أيْ: ثابِتَةٌ قُدْرَتُهم ﴿عَلَيْها﴾ بِاجْتِناءِ الثَّمَرَةِ مِن ذَلِكَ النَّباتِ وغابَ عَنْهم لِجَهْلِهِمْ عِلْمُ العاقِبَةِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ ﴿أتاها أمْرُنا﴾ [أيْ] الَّذِي لا يُرَدُّ مِنَ البَرْدِ أوِ الحَرِّ المُفْرِطَيْنِ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ أيْ: زَرْعَها وزِينَتَها بِعَظَمَتِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الأمْرِ وتَعْقِيبِهِ بِالإهْلاكِ ﴿حَصِيدًا﴾ وعَبَّرَ بِما فَهِمَهُ فَعِيلٌ مِنَ المُبالَغَةِ والثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّها ﴿لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ: لَمْ تَكُنْ غانِيَةً أيْ ساكِنَةً حَسَنَةً غَنِيَّةً ذاتَ وفْرٍ مَطْلُوبَةً مَرْغُوبًا فِيها أيْ زَرْعِها وزِينَتِها ﴿بِالأمْسِ﴾ فَكانَ حالُ الدُّنْيا في سُرْعَةِ انْقِضائِها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ عَظِيمِ إقْبالِهِ كَحالِ نَباتِ الأرْضِ في جَفافِهِ وذَهابِهِ حُطامًا بَعْدَ ما التَفَّ وزَيَّنَ الأرْضَ بِخُضْرَتِهِ وألْوانِهِ وبَهْجَتِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا المَثَلُ في غايَةِ المُطابَقَةِ لِلسّاعَةِ، هَزَّ السّامِعَ لَهُ فازْدادَ عَجَبُهُ مِن حُسْنِ تَفْصِيلِهِ بَعْدَ تَأْصِيلِهِ فَقِيلَ جَوابًا لَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الباهِرِ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أيْ: تَفْصِيلًا عَظِيمًا ﴿الآياتِ لِقَوْمٍ﴾ أيْ: ناسٍ أقْوِياءَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الفِكْرَ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ والمُبالَغَةِ؛ والمَثَلُ: قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ الحالُ الثّانِي …

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي حَذَّرَ فِيها مِن أنْواعِ الآفاتِ، بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الَّتِي [رَضُوا بِها واطْمَأنُّوا إلَيْها دارُ المَصائِبِ ومَعْدِنُ الهَلَكاتِ والمَعاطِبِ وأنَّها ظِلٌّ زائِلٌ تَحْذِيرًا مِنها وتَنْفِيرًا عَنْها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدّارَ الَّتِي] دَعا إلَيْها سالِمَةٌ مِن كُلِّ نَصَبٍ وهَمٍّ ووَصَبٍ، ثابِتَةٌ بِلا زَوالٍ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يونس: ٣] تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ وحَثًّا عَلَيْها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿يَدْعُو﴾ أيْ: يُعَلِّقُ دُعاءَهُ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِالمَدْعُوِّينَ ﴿إلى دارِ السَّلامِ﴾ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَها وتَرْغِيبًا فِيها، يَعْنِي بِأنَّها لا عَطَبَ فِيها أصْلًا، والسَّلامَةُ فِيها دائِمَةٌ، والسَّلامُ فِيها فاشٍ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ومِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِما يَقَعُ لِأجْلِهِ، والدَّواعِي إلى الفِعْلِ خِلافُ الصَّوارِفِ عَنْهُ.

ولَمّا أعْلَمَ - بِالدَّعْوَةِ بِالهِدايَةِ بِالبَيانِ وأفْهَمَ خَتْمُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: بِما يَخْلُقُ في قَلْبِهِ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَهْدِيهِ ومِنهم مَن يُضِلُّهُ. وأنَّ الكُلَّ فاعِلُونَ لِما يَشاءُ - كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: هَلْ هم واحِدٌ في جَزائِهِ كَما هم واحِدٌ في الِانْقِيادِ لِمُرادِهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ هم فَرِيقانِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ الأعْمالَ في الدُّنْيا مِنهم وهم مَن هَداهُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الَّتِي هي في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ الجَزاءِ ﴿وزِيادَةٌ﴾ [أيْ عَظِيمَةٌ] مِن فَضْلِ اللَّهِ فالنّاسُ: مُرِيدٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ الجِهادِ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومُرادٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ المَشِيئَةِ، فالدَّعْوَةُ إلى الجَنَّةِ بِالبَيانِ عامَّةً، والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ خاصَّةً لِأنَّها الطَّرِيقُ إلى المُنْعِمِ.

ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَتِمُّ إلّا بِالدَّوامِ بِالأمْنِ مِنَ المَضارِّ قالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ﴾ أيْ: يَغْشى ويَلْحَقُ ﴿وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ أيْ: غَبَرَةٌ كَغَبْرَةِ المَوْتِ وكَرْبِهِ، وهو تَغَيُّرٌ في الوَجْهِ مَعَهُ سَوادٌ وعُبُوسَةٌ تَرْكَبُهُما غَلَبَةٌ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ أيْ: كَآبَةٌ وكُسُوفٌ يَظْهَرُ مِنهُ الِانْكِسارُ والهَوانُ.

ولَمّا كانَ هَذا واضِحًا في أنَّهم أهْلُ السَّعادَةِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ جَدِيرَةً بِالمُلازَمَةِ، صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهم ﴿فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ لا يَبْرَحُونَ، لِأنَّهم لا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِطِيبِها ولا يُرادُ بِهِمْ.

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي حَذَّرَ فِيها مِن أنْواعِ الآفاتِ، بَيَّنَ أنَّ الدّارَ الَّتِي [رَضُوا بِها واطْمَأنُّوا إلَيْها دارُ المَصائِبِ ومَعْدِنُ الهَلَكاتِ والمَعاطِبِ وأنَّها ظِلٌّ زائِلٌ تَحْذِيرًا مِنها وتَنْفِيرًا عَنْها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدّارَ الَّتِي] دَعا إلَيْها سالِمَةٌ مِن كُلِّ نَصَبٍ وهَمٍّ ووَصَبٍ، ثابِتَةٌ بِلا زَوالٍ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يونس: ٣] تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ وحَثًّا عَلَيْها: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿يَدْعُو﴾ أيْ: يُعَلِّقُ دُعاءَهُ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِالمَدْعُوِّينَ ﴿إلى دارِ السَّلامِ﴾ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَها وتَرْغِيبًا فِيها، يَعْنِي بِأنَّها لا عَطَبَ فِيها أصْلًا، والسَّلامَةُ فِيها دائِمَةٌ، والسَّلامُ فِيها فاشٍ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ومِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِما يَقَعُ لِأجْلِهِ، والدَّواعِي إلى الفِعْلِ خِلافُ الصَّوارِفِ عَنْهُ.

ولَمّا أعْلَمَ - بِالدَّعْوَةِ بِالهِدايَةِ بِالبَيانِ وأفْهَمَ خَتْمُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: بِما يَخْلُقُ في قَلْبِهِ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَهْدِيهِ ومِنهم مَن يُضِلُّهُ. وأنَّ الكُلَّ فاعِلُونَ لِما يَشاءُ - كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: هَلْ هم واحِدٌ في جَزائِهِ كَما هم واحِدٌ في الِانْقِيادِ لِمُرادِهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ هم فَرِيقانِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيِ الأعْمالَ في الدُّنْيا مِنهم وهم مَن هَداهُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الَّتِي هي في غايَةِ الحُسْنِ مِنَ الجَزاءِ ﴿وزِيادَةٌ﴾ [أيْ عَظِيمَةٌ] مِن فَضْلِ اللَّهِ فالنّاسُ: مُرِيدٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ الجِهادِ ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ومُرادٌ خَرَجَتْ هِدايَتُهُ مِنَ المَشِيئَةِ، فالدَّعْوَةُ إلى الجَنَّةِ بِالبَيانِ عامَّةً، والهِدايَةُ إلى الصِّراطِ خاصَّةً لِأنَّها الطَّرِيقُ إلى المُنْعِمِ.

ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَتِمُّ إلّا بِالدَّوامِ بِالأمْنِ مِنَ المَضارِّ قالَ: ﴿ولا يَرْهَقُ﴾ أيْ: يَغْشى ويَلْحَقُ ﴿وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ أيْ: غَبَرَةٌ كَغَبْرَةِ المَوْتِ وكَرْبِهِ، وهو تَغَيُّرٌ في الوَجْهِ مَعَهُ سَوادٌ وعُبُوسَةٌ تَرْكَبُهُما غَلَبَةٌ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ أيْ: كَآبَةٌ وكُسُوفٌ يَظْهَرُ مِنهُ الِانْكِسارُ والهَوانُ.

ولَمّا كانَ هَذا واضِحًا في أنَّهم أهْلُ السَّعادَةِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ جَدِيرَةً بِالمُلازَمَةِ، صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهم ﴿فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ لا يَبْرَحُونَ، لِأنَّهم لا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِطِيبِها ولا يُرادُ بِهِمْ.

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

ولَمّا بَيَّنَ حالَ الفَضْلِ فِيمَن أحْسَنَ، بَيَّنَ حالَ العَدْلِ فِيمَن أساءَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا﴾ أيْ: مِنهم ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المُحِيطَةَ بِهِمْ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ أيْ: مِنهم ﴿بِمِثْلِها﴾ بِعَدْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ﴿وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ: مِن جُمْلَةِ جَزائِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أما لَهُمُ انْفِكاكٌ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ جَوابًا: ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن عاصِمٍ﴾ أيْ: يَمْنَعُهم مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ بِهِمْ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ مُغَيِّرٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿كَأنَّما﴾ ولَمّا كانَ المَكْرُوهُ مُطْلَقَ كَوْنِها بِالمَنظَرِ السَّيِّئِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أيْ: أغْشاها مُغْشٍ لِشِدَّةِ سَوادِها لِما هي فِيهِ مِنَ السُّوءِ ﴿قِطَعًا﴾ ولَمّا كانَ القِطَعُ بِوَزْنِ عِنَبٍ مُشْتَرِكًا بَيْنَ ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ وجَمْعُ القِطْعَةِ مِنَ الشَّيْءِ، بَيَّنَ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسِ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُظْلِمًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا في أنَّهم أهْلُ الشَّقاوَةِ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ المُلازَمَةُ، بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيها﴾ [أيْ: خاصَّةً] ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ: لا يُمَكَّنُونَ مِن مُفارَقَتِها؛ والرَّهَقُ: لَحاقُ الأمْرِ، ومِنهُ: راهَقَ الغُلامُ - إذا لَحِقَ حالَ الرِّجالِ؛ والقَتَرُ: الغُبارُ، ومِنهُ الإقْتارُ في الإنْفاقِ لِقِلَّتِهِ؛ والذِّلَّةُ: صِغَرُ النَّفْسِ بِالإهانَةِ؛ والكَسْبُ: الفِعْلُ لِاجْتِلابِ النَّفْعِ إلى النَّفْسِ أوِ اسْتِدْفاعِ الضُّرِّ.

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الفَرِيقَيْنِ، نَبَّهَ عَلى بَعْضِ مُقَدِّماتِ ذَلِكَ المانِعَةِ أنْ يَشْفَعَ أحَدٌ مِن غَيْرِ إذْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: وفَرَّقْنا بَيْنَهم لِأنَّهُ لا أنْسابَ هُناكَ ولا أسْبابَ فَلا تَناصُرَ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ: النّاجِينَ والهالِكِينَ العابِدِينَ مِنهم والمَعْبُودِينَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿جَمِيعًا﴾ ثُمَّ يُقْطَعُ ما بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ فَلا يَشْفَعُ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَهُ ولا يَنْفَعُهم بِنافِعَةٍ، بَلْ يُظْهِرُونَ الخُصُومَةَ ويُبارِزُونَ بِالعَداوَةِ وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤] وإلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] والحَشْرُ: الجَمْعُ بِكُرْهٍ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى مَوْقِفٍ واحِدٍ؛ وأشارَ سُبْحانَهُ إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: بِنا مَن لَمْ يُشارِكْ في خَلْقِهِمْ؛ وقَوْلِهِ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهم جَعَلُوهُ اسْمًا لِاثْبَتُوا، ورَدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَقْدِيرَهُ بِ «الزَمُوا» لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ويَجِبُ أنْ يُساوى بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى في التَّعَدِّي واللُّزُومِ، أيْ: نَقُولُ لَهُمْ: قِفُوا وُقُوفَ الذُّلِّ ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ حَتّى يَنْفُذَ فِيكم أمْرُنا إظْهارًا لِضَعْفِ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَرَجَّوْنَها وتَحْسِيرًا لَهُمْ، فَلا يُمْكِنُهم مُخالَفَةُ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَوَقَفُوا مُوافَقَةً لِلْأمْرِ عَلى حَسَبِ الإرادَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَزَيَّلْنا﴾ أيْ: أزَلْنا إزالَةً كَثِيرَةً مُفَرَّقَةً ما كانَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الوَصْلَةِ والأُلْفَةِ حَتّى صارَتْ عَداوَةً ونُفْرَةً فَقالَ الكُفّارُ: رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أضَلُّونا، وكُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ لَهم مُتَبَرِّئِينَ مِنهم بِما خَلَقَ لَهم سُبْحانَهُ مِنَ النُّطْقِ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُشْرِكُونَ، وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ نَصَّبُوهم بِغَيْرِ أمْرٍ ولا دَلِيلٍ، ولِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ ﴿إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تَخُصُّونَنا بِالعِبادَةِ لِأنّا لا نَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا مَن يَسْتَحِقُّ الإخْلاصَ في ذَلِكَ بِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ، ومَن لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ مُطْلَقَ العِبادَةِ ولا يَصْلُحُ لَها، وكُلُّ عِبادَةٍ فِيها شِرْكٌ لا تُعَدُّ أصْلًا ولا يَرْضى بِها جَمادٌ لَوْ نَطَقَ، فَمَتى نُفِيَ المُقَيَّدُ بِالخُلُوصِ نُفِيَ المُطْلَقُ؛ لِأنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْنا عابِدٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَخُصَّنا بِذَلِكَ، والشَّخْصُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْفِيَ ما يَظُنُّ نَفْيَهُ، ونَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

ولَمّا نَفَوْا ذَلِكَ عَطَفُوا عَلَيْهِ مُسَبِّبِينَ عَنْهُ قَوْلَهُمْ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: هو يَكْفِينا كِفايَةً عَظِيمَةً جِدًّا مِن جِهَةِ الشَّهادَةِ الَّتِي \ لا غَيْبَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا مَيْلَ أصْلًا ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ يَشْهَدُ لَنا وعَلَيْنا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا خَبَرًا يُصَحِّحُ نَفْيَهم فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ عِلْمَهُمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ: إنّا ﴿كُنّا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ لَنا أوْ لِغَيْرِنا مُخْلَصَةً أوْ مَشُوبَةً؛ ولَمّا كانَتْ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ تُلِقِّيَتْ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ فَقِيلَ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ لِأنَّهُ لا أرْواحَ فِينا، فَلَمْ تَكُنْ بِحَيْثُ نَأْمُرُ بِالعِبادَةِ ونَرْضاها فاللَّوْمُ عَلَيْكم دُونَنا، وذَلِكَ افْتِداءٌ مِن مَوْقِفِ الذُّلِّ أوْ أنَّهم لَمّا تَخَيَّلُوا في الشُّرَكاءِ صِفاتٍ عَبَدُوها لِأجْلِها وكانَتْ خالِيَةً عَنْها صَحَّ النَّفْيُ لِأنَّهم عَبَدُوا ذَواتٍ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، وأيْضًا فَإنَّهم ما عَبَدُوا إلّا الشَّياطِينَ الَّتِي كانَتْ تُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ وتُغْوِيهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: مَنَعْناهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ التَّواصُلِ والتَّوادِّ المُقْتَضِي لِلتَّناصُرِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ لَمّا أبْطَأ عَنْهم نَصْرُهُمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم مِن دُونِ اللَّهِ فَأغْنُوا عَنّا كَما كُنّا نَذُبُّ عَنْكم ونَنْصُرُ دِينَكم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ كُشِفَ لَنا اليَوْمَ بِتَفْهِيمِ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ وأنَّكم لَمْ تَخُصُّونا بِالعِبادَةِ حَتّى يَلْزَمَنا مَنعُكم عَلى أنَّكم لَوْ خَصَصْتُمُونا ما قَدَرْنا عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الشَّيْطانُ: ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ﴿فَكَفى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَفْيِنا لِذَلِكَ عَلى ما كُشِفَ لَنا مِنَ العِلْمِ أنْ نَقُولَ: كَفى ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، يَشْهَدُ أنَّكم لَمْ تَخُصُّوا أحَدًا مِنهُ ومِنّا بِعِبادَةٍ بَلْ كُنْتُمْ مُذَبْذَبِينَ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةً إلى أنَّ العِبادَةَ المَشُوبَةَ لا اعْتِدادَ بِها ولا يَرْضاها جَمادٌ لَوْ نَطَقَ، وإنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ اسْتَحَقَّ الإخْلاصَ فِيها وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ، وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى كَشْفِ الكَرْبِ والمَنعِ مِن أنْ يَقْطَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَوَلِّيهِ وعابِدِهِ قاطِعٌ؛ ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ الشّاهِدِ ضَبْطَ ما قَدْ يَنْساهُ المُتَشاهِدانِ، عَلَّلُوا اكْتِفاءَهم بِشَهادَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ في تِلْكَ الأزْمانِ ﴿لَغافِلِينَ﴾ فَأقَرُّوا لَهم بِما هو الحَقُّ مِمّا كانَ يَعْلَمُهُ كُلُّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ صَحِيحٌ أنَّهم لَمْ يَشْعُرُوا بِعِبادَتِهِمْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ قَبْلَ ساعَتِهِمْ هَذِهِ، فَهم أجْدَرُ الخَلْقِ بِالِاكْتِفاءِ بِشَهادَةِ الشَّهِيدِ لِأنَّهم أسْوَأُ حالًا مِمَّنْ يَعْلَمُ المَشْهُودُ بِهِ ويَخْشى النِّسْيانَ، أوْ يُقالُ: فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم فَهَلْ أنْتُمْ ناصِرُونا أوْ شافِعُونَ لَنا فَنَجُّونا مِمّا وقَعْنا فِيهِ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا﴾ [يونس: ٢٨] وحْدَنا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: ما كُنْتُمْ تُخْلِصُونَ لَنا العِبادَةَ حَتّى …

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ المُشْرِكِينَ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى حالِ غَيْرِهِمْ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُخْبِرًا عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِنَ المَكانِ والزَّمانِ العَظِيمِ الأهْوالِ المُتَوالِي الزِّلْزالِ ﴿تَبْلُو﴾ أيْ: تُخْبِرُ وتُخالِطُ مُخالَطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ طائِعَةً وعاصِيَةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ: قَدَّمَتْ مِنَ العَمَلِ فَيَعْرِفُ هَلْ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا وهَلْ [كانَ] يُؤَدِّي إلى سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ.

ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الرَّدِّ - وهو صَرْفُ الشَّيْءِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأ مِنهُ - كافِيًا في الرَّهْبَةِ لِمَن لَهُ لُبٌّ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بِالإحْياءِ كَما كانُوا أوَّلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَلَمْ يَكُنْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى قَصْدِ غَيْرِهِ ولا الِالتِفاتِ إلى سِواهُ مِن تِلْكَ الأباطِيلِ، بَلِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مَن كُلِّ ما كانُوا يَدْعُونَهُ فِي الدُّنْيا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ وضاعَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهم ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِن أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءُ، وتَيَقَّنُوا في ذَلِكَ المَقامِ أنَّ تَوَلِّيَهم لِغَيْرِ اللَّهِ كانَ باطِلًا غَيْرَ حَقٍّ؛ والتَّزْيِيلُ: تَفْرِيقٌ يَزُولُ بِهِ كُلُّ واحِدٍ عَنْ مَكانِهِ، وهو مِن تَفْرِيقِ الجُثَثِ، ولَيْسَ مِنَ الواوِيِّ، بَلْ مِنَ اليائِيِّ، يُقالُ: زِلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ أُزِيلُهُ - إذا فَرَّقْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ والكِفايَةُ: بُلُوغُ مِقْدارِ الحاجَةِ في دَفْعِ الأذِيَّةِ أوْ حُصُولِ المَنفَعَةِ؛ والإسْلافُ: تَقْدِيمُ أمْرٍ لِما بَعْدَهُ؛ والرَّدُّ: الذَّهابُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ الذَّهابِ عَنْهُ كالرَّجْعِ؛ والمَوْلى: مَن يَمْلِكُ تَوَلِّيَ أمْرِ مَوْلاهُ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.