Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾

المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل.

﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ (سَبَقَتْ) مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا أنه سبق في علمه ألا يهلك قوماً إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم "﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق".

قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحدٍ، ثم اختلفوا إذ قتل أحد ابْنَيْ آدم أخاه.

وقيل: يراد بالناس هنا: العرب.

وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك.

والأُمة: على خمسة أوجه:

- الأُمة: "العُصْبة، والجماعة نحو ﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]

ونحو: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

- والثاني: أن تكون بمعنى "الملة"، نحو: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ومثله الحرف الذي في هذه السورة.

﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملة الإسلام، ومنه:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ومنه ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨]: أي: أهل ملة.

- والثالث: أن تكون بمعنى "السنين والحين" نحو: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] ونحوه ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].

والرابع: أن تكون الأُمة بمعنى "قوم" نحو قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: قوم أكرم من قوم. ومنه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ [الحج: ٣٤] أي قوم.

- والخامس: أن تكون الأُمة بمعنى "الإمام". نحو قوله:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: إماماً، يقتدى به في الخير.

ثم أخبر عنهم تعالى فقال: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: يقول هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محقٌّ، صادق قال الله عز وجل: قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب.

﴿فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل ، وإظهار الحق للمحق.

وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. لذلك. قوله: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جواب إذا محذوف عند سيبويه. والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن "فعلتُ وفعلوا".

والناس هنا: المشركون كما قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦].

قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجاً من بعد كرب أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: "استهزاء، وتكذيب".

وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم يا محمد: ﴿ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي: أسرع استدراجاًَ لكم وعقوبة.

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.

ثم عدد تعالى نعمه فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ وقرأ ابن عباس: "يَنْثُرُكم" من النثر: أيْ: يبسطكم براً وبحراً.

﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾: وهي السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ يعني: السفن بالناس. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وفرح بذلك الناس ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، أي: جاءت السفن ريح.

وقيل: جاءت الريح الطيبة ريحٌ عاصف، والعاصف: الشديدة.

﴿وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من …

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾

المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل.

﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ (سَبَقَتْ) مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا أنه سبق في علمه ألا يهلك قوماً إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم "﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق".

قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحدٍ، ثم اختلفوا إذ قتل أحد ابْنَيْ آدم أخاه.

وقيل: يراد بالناس هنا: العرب.

وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك.

والأُمة: على خمسة أوجه:

- الأُمة: "العُصْبة، والجماعة نحو ﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]

ونحو: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

- والثاني: أن تكون بمعنى "الملة"، نحو: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ومثله الحرف الذي في هذه السورة.

﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملة الإسلام، ومنه:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ومنه ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨]: أي: أهل ملة.

- والثالث: أن تكون بمعنى "السنين والحين" نحو: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] ونحوه ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].

والرابع: أن تكون الأُمة بمعنى "قوم" نحو قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: قوم أكرم من قوم. ومنه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ [الحج: ٣٤] أي قوم.

- والخامس: أن تكون الأُمة بمعنى "الإمام". نحو قوله:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: إماماً، يقتدى به في الخير.

ثم أخبر عنهم تعالى فقال: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: يقول هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محقٌّ، صادق قال الله عز وجل: قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب.

﴿فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل ، وإظهار الحق للمحق.

وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. لذلك. قوله: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جواب إذا محذوف عند سيبويه. والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن "فعلتُ وفعلوا".

والناس هنا: المشركون كما قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦].

قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجاً من بعد كرب أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: "استهزاء، وتكذيب".

وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم يا محمد: ﴿ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي: أسرع استدراجاًَ لكم وعقوبة.

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.

ثم عدد تعالى نعمه فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ وقرأ ابن عباس: "يَنْثُرُكم" من النثر: أيْ: يبسطكم براً وبحراً.

﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾: وهي السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ يعني: السفن بالناس. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وفرح بذلك الناس ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، أي: جاءت السفن ريح.

وقيل: جاءت الريح الطيبة ريحٌ عاصف، والعاصف: الشديدة.

﴿وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من …

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾

المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل.

﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ (سَبَقَتْ) مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا أنه سبق في علمه ألا يهلك قوماً إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم "﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بأن يهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق".

قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحدٍ، ثم اختلفوا إذ قتل أحد ابْنَيْ آدم أخاه.

وقيل: يراد بالناس هنا: العرب.

وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم يختلفون بعد ذلك.

والأُمة: على خمسة أوجه:

- الأُمة: "العُصْبة، والجماعة نحو ﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]

ونحو: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

- والثاني: أن تكون بمعنى "الملة"، نحو: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ومثله الحرف الذي في هذه السورة.

﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: على ملة الإسلام، ومنه:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ومنه ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨]: أي: أهل ملة.

- والثالث: أن تكون بمعنى "السنين والحين" نحو: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] ونحوه ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].

والرابع: أن تكون الأُمة بمعنى "قوم" نحو قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: قوم أكرم من قوم. ومنه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾ [الحج: ٣٤] أي قوم.

- والخامس: أن تكون الأُمة بمعنى "الإمام". نحو قوله:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: إماماً، يقتدى به في الخير.

ثم أخبر عنهم تعالى فقال: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: يقول هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محقٌّ، صادق قال الله عز وجل: قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: أي لا يعلم أحد، لو لم يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب.

﴿فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل ، وإظهار الحق للمحق.

وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. لذلك. قوله: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جواب إذا محذوف عند سيبويه. والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن "فعلتُ وفعلوا".

والناس هنا: المشركون كما قال: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦].

قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجاً من بعد كرب أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم ﴿إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا﴾ قال مجاهد: "استهزاء، وتكذيب".

وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم يا محمد: ﴿ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي: أسرع استدراجاًَ لكم وعقوبة.

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.

ثم عدد تعالى نعمه فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ وقرأ ابن عباس: "يَنْثُرُكم" من النثر: أيْ: يبسطكم براً وبحراً.

﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾: وهي السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ يعني: السفن بالناس. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وفرح بذلك الناس ﴿جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، أي: جاءت السفن ريح.

وقيل: جاءت الريح الطيبة ريحٌ عاصف، والعاصف: الشديدة.

﴿وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من …

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى قوله ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾.

قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: "وأَزْيَنَتْ" على وزن "أَفْعَلت": أي جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير مُعْتَل "كاستحوذَ".

وقرئ "وازْيَّانَّت" مثل اسْوَادَّت.

وروى المقدميُّ "وازّايَنَتْ والأصل تَزَايَنَتْ على "تَفَاعَلَتْ". والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفِيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنطة، والشعير، ومما تأكل البهائم من أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسُن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوهُ، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾: أي: أتى الأرض قضاؤُنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيداً، أي: "مقطوعاً مقلوعاً". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض.

﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ﴾ أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلانٌ) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم تعمُر بالنبات بالأمس. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه. والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فيفنيها.

قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون.

* *

ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. والهاء في ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾ تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: أتى زخرفها أمرنا.

وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينتَها أمرُنا ليلاً.

وقرأ مَرْوَ(ا)ن على المنبر: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها.

وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس.

وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب.

وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): "كأن لم تعش، كأن لم تنعم".

وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقرأ في قراءة أبي: "كأن لم تغن بالأمس، وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون". ولا يحسن أن يقرأ أحدٌ بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون.

* *

وقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: وقف، ووقَفُ أصحاب نافع ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ﴾، وكذلك ﴿فَٱخْتَلَطَ﴾ [الكهف: ٤٥] في الكهف.

وتأويل ذلك "كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض" ثم استأنف فقال: ﴿بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ﴾: أي بالماء نبات الأرض.

ومن جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات.

﴿فَٱخْتَلَطَ﴾: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ﴾ أي: يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات.

وقيل: المعنى يدعو إلى دَارتِهِ لأنه تعالى السلام، وداره الجنة.

﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يوفِّقُ من يشاء إلى الإسلام وهو طريقهُ المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سَبَبُ دخول الجنة.

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى قوله ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾.

قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: "وأَزْيَنَتْ" على وزن "أَفْعَلت": أي جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير مُعْتَل "كاستحوذَ".

وقرئ "وازْيَّانَّت" مثل اسْوَادَّت.

وروى المقدميُّ "وازّايَنَتْ والأصل تَزَايَنَتْ على "تَفَاعَلَتْ". والمعنى: إنما مثل ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ذلك من التنفِيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنطة، والشعير، ومما تأكل البهائم من أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسُن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوهُ، وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾: أي: أتى الأرض قضاؤُنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيداً، أي: "مقطوعاً مقلوعاً". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض.

﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ﴾ أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلانٌ) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم تعمُر بالنبات بالأمس. والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه. والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فيفنيها.

قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون.

* *

ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. والهاء في ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا﴾ تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: أتى زخرفها أمرنا.

وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينتَها أمرُنا ليلاً.

وقرأ مَرْوَ(ا)ن على المنبر: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها.

وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس.

وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب.

وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): "كأن لم تعش، كأن لم تنعم".

وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقرأ في قراءة أبي: "كأن لم تغن بالأمس، وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون". ولا يحسن أن يقرأ أحدٌ بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون.

* *

وقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: وقف، ووقَفُ أصحاب نافع ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ﴾، وكذلك ﴿فَٱخْتَلَطَ﴾ [الكهف: ٤٥] في الكهف.

وتأويل ذلك "كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض" ثم استأنف فقال: ﴿بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ﴾: أي بالماء نبات الأرض.

ومن جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات.

﴿فَٱخْتَلَطَ﴾: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ﴾ أي: يدعو إلى الجنة التي يسلم من دخلها من الآفات.

وقيل: المعنى يدعو إلى دَارتِهِ لأنه تعالى السلام، وداره الجنة.

﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يوفِّقُ من يشاء إلى الإسلام وهو طريقهُ المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سَبَبُ دخول الجنة.

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ والمعنى: للذين أحسنوا عبادة الله عز وجل في الدنيا الحسنى وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعداً، يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار. فَيُكْشَفُ الحجاب، وينظرون إليه جلَّ ذكره. قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من ذلك).

وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: (إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثاً (مثل) معنى الحديث المذكور عن النبي عليه السلام.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، وقاله النخعي.

وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشرة على الواحدة. وهو مثل قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] : أي: يزيده من فضله.

وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف.

وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان.

وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله عز وجل في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة.

وقال ابن سيرين في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]: إنه النظر إلى الله جلَّ ذكره.

وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَحْسَنُواْ﴾ قالوا: لا إله إلا الله، ﴿ٱلْحُسْنَىٰ﴾: الجنة.

(وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: أي لا تغشى وجوههم كآبة والقتر: الغبار وهو جمع قترة.

وقيل: هو الغبار الذي معه سواد، روي ذلك عن ابن عباس.

وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبداً.

وقيل: الهاء في "فيها" للحسنى، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، والزيادة، والجنة.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: (أي والذين عملوا السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله عز وجل على ذلك.

وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ﴾: أي: جزاء حسنة بحسنة.

* *

ثم قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ يريد تمام العشر(ة) على الواحدة.

﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: تغشاهم، ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: من مانع من عقابه.

ومن قرأ "قطَعاً" - بفتح الطاء - فهو جمع قِطْعَة. وٱخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدُ لأن المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة). ثم جمع ذلك لأنه قد جمع الوجه، فعلى كل وجه قطعة و "مظلماً" على هذا نصب على الحال من "الليل"، ولو كان نعتاً للقطع لقال مظلمةٌ.

ومن قرأ "قِطْعاً" بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضاً، إلا أنه بقي السكون على حاله كما يقال: سِدْرَةٌ، وسِدْرٌ، وبُسْرَةٌ وَبُسْرٌ. فيكون "مظلماً" أيضاً على هذا حالاً من الليل.

ويجوز أن يكون "قطعاً واحداً" يريد به ظلمة من الليل، فيكون "مظلماً" نعتاً له، وإن شئت حالاً من الليل أيضاً.

وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ﴾ [هود: ٨١، الحجر: ٦٥]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي قراءة أُبَيْ: "كأنما يغشى وجوههم قِطْعٌ من الليل مظلمٌ".

ومعنى ذلك: …

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ والمعنى: للذين أحسنوا عبادة الله عز وجل في الدنيا الحسنى وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعداً، يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار. فَيُكْشَفُ الحجاب، وينظرون إليه جلَّ ذكره. قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من ذلك).

وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: (إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثاً (مثل) معنى الحديث المذكور عن النبي عليه السلام.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، وقاله النخعي.

وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشرة على الواحدة. وهو مثل قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] : أي: يزيده من فضله.

وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف.

وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان.

وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله عز وجل في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة.

وقال ابن سيرين في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]: إنه النظر إلى الله جلَّ ذكره.

وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَحْسَنُواْ﴾ قالوا: لا إله إلا الله، ﴿ٱلْحُسْنَىٰ﴾: الجنة.

(وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.

* *

وقوله: ﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: أي لا تغشى وجوههم كآبة والقتر: الغبار وهو جمع قترة.

وقيل: هو الغبار الذي معه سواد، روي ذلك عن ابن عباس.

وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبداً.

وقيل: الهاء في "فيها" للحسنى، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، والزيادة، والجنة.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: (أي والذين عملوا السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله عز وجل على ذلك.

وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ﴾: أي: جزاء حسنة بحسنة.

* *

ثم قال: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ يريد تمام العشر(ة) على الواحدة.

﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: تغشاهم، ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: من مانع من عقابه.

ومن قرأ "قطَعاً" - بفتح الطاء - فهو جمع قِطْعَة. وٱخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدُ لأن المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة). ثم جمع ذلك لأنه قد جمع الوجه، فعلى كل وجه قطعة و "مظلماً" على هذا نصب على الحال من "الليل"، ولو كان نعتاً للقطع لقال مظلمةٌ.

ومن قرأ "قِطْعاً" بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضاً، إلا أنه بقي السكون على حاله كما يقال: سِدْرَةٌ، وسِدْرٌ، وبُسْرَةٌ وَبُسْرٌ. فيكون "مظلماً" أيضاً على هذا حالاً من الليل.

ويجوز أن يكون "قطعاً واحداً" يريد به ظلمة من الليل، فيكون "مظلماً" نعتاً له، وإن شئت حالاً من الليل أيضاً.

وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ﴾ [هود: ٨١، الحجر: ٦٥]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي قراءة أُبَيْ: "كأنما يغشى وجوههم قِطْعٌ من الليل مظلمٌ".

ومعنى ذلك: …

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لَغَافِلِينَ﴾ ﴿مَكَانَكُمْ﴾:

نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم. (جميعاً): حال (من الهاء والميم) في نحشرهم.

والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم. و "مكانك وانتظر": فتوعد بهما العرب.

﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون من دون الله، من قولهم: زلتُ الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا أنْجَيْتُهُ، وَزَيَّلْنَا على التكثير.

وحكى الفراء أنه قرأ "فَزَايَلْنَا". يقال: لا أزايل فلاناً: أي: لا أفارقه، لا أخاتله. فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا. والعرب تفعل ذلك في "فَعَّلت" يلحقون أحياناً الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد.

﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: تقول آلهتهم التي عبدوها في الدنيا (لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.

قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون. فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: ﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.

وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت.

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لَغَافِلِينَ﴾ ﴿مَكَانَكُمْ﴾:

نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم. (جميعاً): حال (من الهاء والميم) في نحشرهم.

والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم. و "مكانك وانتظر": فتوعد بهما العرب.

﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون من دون الله، من قولهم: زلتُ الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا أنْجَيْتُهُ، وَزَيَّلْنَا على التكثير.

وحكى الفراء أنه قرأ "فَزَايَلْنَا". يقال: لا أزايل فلاناً: أي: لا أفارقه، لا أخاتله. فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا. والعرب تفعل ذلك في "فَعَّلت" يلحقون أحياناً الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد.

﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: تقول آلهتهم التي عبدوها في الدنيا (لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا.

قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون. فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: ﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.

وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت.

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

قوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.

﴿هُنَالِكَ﴾: نصب على الظرف، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب. والمعنى: في ذلك الوقت.

ومن قرأ "تتلو" بتاءين فمعناه: في ذلك الوقت تتبع كل نفس ما قدمت من عمل.

روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يَمْثُلُ لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه فيتبعونه حتى يردوا بهم إلى النار. ثم تلا هذه الآية

والعرب تقول: فلان "يتلو طريقة أبيه": أي: يتبع، ومنه قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧].

وقيل: معنى ﴿تَتْلُو﴾ تقرأ. أي: في ذلك الوقت يقرأ كل إنسان ما أسلفه في الدنيا من عمل، أي: يقرأ كتاب حسابه كما قال: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣].

وقال ابن زيد: تتلو: تعاين ما عملت.

ومن قرأ "تبْلو" بالباء فمعناه: تختبر كل نفس ثواب ما عملت من خير، أو شر. وتصديق ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ﴾ [الطارق: ٩]، والقراءتان متقاربتان، لأن من اختبر شيئاً فقد اتبعه ليختبره ومن اتبع شيئاً فهو أقرب الناس إلى اختباره وقراءته ومعاينيه.

* *

قوله: ﴿مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ يجوز نصب الحق على المصدر المؤكد لردوا، أو لمولاهم. ويجوز نصبه على المدح بمعنى "أغنى" ويجوز الرفع على "هو مولاهم الحق"، والخفض على النعت لله عز وجل.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: بطل ما كانوا يفترون، أي: يتخرصون من الأنداد والآلهة. و "ما" والفعل مصدر في موضع رفع بـ (ضَلَّ).

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي: من ينزل من السماء الغيث، ومن خلق المصالح التي بها تم معاشكم: من شمس وريح، وحر وبرد. ومن الأرض والنبات، والعيون والمنافع.

﴿أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ﴾: أي: يملكها، ويزيد في قواها، أو يسلبكموها ومن يملك الأبصار أن تضيء لكم، أو يذهب بنورها. ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. قد تقدم ذكرها في آل عمران.

* *

قوله: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ﴾: أي: "أمر السماء والأرض وما فيهن" ﴿فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ﴾: أي: الذي فعل ذلك الله عز وجل فقل لهم يا محمد: ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾: أي: "أفلا تخافون عقاب الله سبحانه على شرككم".

﴿فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ﴾: وقف.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ﴾: أي: ذلكم الله الذي فعل هذه الأشياء واخترعها هو ﴿رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ﴾: أي: الذي لا شك فيه.

﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ﴾ (المعنى: أي: منزلة بعد الحق إلا الضلال. أي: من ترك الحق حل في الضلال).

﴿فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ أي: من أين تصرفون عن الحق، وأنتم مقرون بالله سبحانه مخترع جميع هذه الأشياء. ثم تعبدون من لا يخلق شيئاً، ولا يملك ضراً ولا نفعاً.

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ الكاف من كذلك في موضع نصب والتقدير: كما صرف هؤلاء عن الحق إلى الضلال ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ﴾: أي: خرجوا من دين الله سبحانه. ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾: أن في موضع نصب على معنى بأنهم، أو لأنهم.

وقال الزجاج: يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من الكلمات، وأجاز الأخفش، والفراء في الكسر في أن على الإلزام لترك الإيمان.

وقيل: المعنى "حق عليهم أنهم لا يؤمنون". "فإن": في موضع رفع خبر "حق".

ومعنى: (حقت عليهم كلمات ربك): أي: وجب عليهم في علمه، وفي السابق في اللوح المحفوظ ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.