Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ﴾ أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَحْمَةً﴾ خِصْبًا وسَعَةً ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يَعْنِي القَحْطَ والجُوعَ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ: مَكَرُوا بِآياتِنا بِدَفْعِها وإنْكارِها، رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ ثُمَّ رَحِمَهم بِالحَيا فَلَمّا رَحِمَهم طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِ اللهِ ويُعادُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ويَكِيدُونَهُ فَإذا الأُولى لِلشَّرْطِ والثانِيَةُ جَوابُها وهي لِلْمُفاجَأةِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قَنِطُوا، وإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مَكَرُوا والمَكْرُ: إخْفاءُ الكَيْدِ وطَيُّهُ مِنَ: الجارِيَةِ المَمْكُورَةِ المَطْوِيَّةِ الخُلُقِ، ومَعْنى مَسَّتْهم خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ وإنَّما قالَ ﴿قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ ولَمْ يَصِفْهم بِسُرْعَةِ المَكْرِ، لِأنَّ كَلِمَةَ المُفاجَأةِ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ وإذا رَحِمْناهم مِن بَعْدِ ضَرّاءَ فاجَئُوا وُقُوعَ المَكْرِ مِنهم وسارَعُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَغْسِلُوا رُءُوسَهم مِن مَسِّ الضَرّاءِ ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ يَعْنِي الحَفَظَةَ ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ ما تَظُنُّونَهُ خافِيًا لا يَخْفى عَلى اللهِ وهو مُنْتَقِمٌ مِنكم، وبِالياءِ: سَهْلٌ.

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ يَجْعَلُكم قادِرِينَ عَلى قَطْعِ المَسافاتِ بِالأرْجُلِ والدَوابِّ والفُلْكِ الجارِيَةِ في البِحارِ أوْ يَخْلُقُ فِيكُمُ السَيْرَ. " يَنْشُرُكُمْ" شامِيٌّ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ السُفُنِ ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أيِ السُفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ بِمَن فِيها، رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ لا عاصِفَةٍ ولا ضَعِيفَةٍ ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِيحِ لِلِينِها واسْتِقامَتِها ﴿جاءَتْها﴾ أيِ الفُلْكَ أوِ الرِيحَ الطَيِّبَةَ أيْ: تَلَقَّتْها ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ ذاتُ عَصْفٍ أيْ: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ هو ما عَلا عَلى الماءِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِنَ البَحْرِ أوْ مِن جَمِيعِ أمْكِنَةِ المَوْجِ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكُوا، جَعَلَ إحاطَةَ العَدُوِّ بِالحَيِّ مَثَلًا في الإهْلاكِ ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾ مِن غَيْرِ إشْراكٍ بِهِ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ حِينَئِذٍ مَعَهُ غَيْرَهُ يَقُولُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ الأهْوالِ أوْ مِن هَذِهِ الرِيحِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ لِنِعْمَتِكَ مُؤْمِنِينَ بِكَ مُتَمَسِّكِينَ بِطاعَتِكَ ولَمْ يَجْعَلِ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةً لِلتَّسْيِيرِ في البَحْرِ ولَكِنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى بِما في حَيِّزِها كَأنَّهُ قِيلَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِيحِ العاصِفِ وتَراكُمِ الأمْواجِ والظَنِّ بِالهَلاكِ والدُعاءِ بِالإنْجاءِ، وجَوابُ إذا: جاءَتْها، ودَعَوْا: بَدَلٌ مِن ظَنُّوا، لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمْ لِلْهَلاكِ فَهو مُلْتَبِسٌ بِهِ.

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ يُفْسِدُونَ فِيها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ باطِلًا أيْ: مُبْطِلِينَ ﴿يا أيُّها الناسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: ظُلْمُكم يَرْجِعُ إلَيْكم كَقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ حَفْصٌ، أيْ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا، وعَلى أنْفُسِكم: خَبَرٌ لِـ"بَغْيُكُمْ"، غَيْرُهُ: بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "بَغْيُكُمْ"، وعَلى أنْفُسِكُمْ: صِلَتُهُ، كَقَوْلِهِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] ومَعْناهُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم، أوْ هو: خَبَرٌ، و"مَتاعٌ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ "مَتاعٌ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أيْ: هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وفي الحَدِيثِ " «أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَحِمِ وأعَجَلُ الشَرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ » "، ورُوِيَ" «ثِنْتانِ يُعَجِّلُهُما اللهُ في الدُنْيا البَغْيُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ » "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – " لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي "، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ " ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ البَغْيُ والنَكْثُ والمَكْرُ. قالَ اللهُ تَعالى ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَنُخْبِرُكم بِهِ ونُجازِيكم عَلَيْهِ.

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَماءِ﴾ مِنَ السَحابِ ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿نَباتُ الأرْضِ﴾ أيْ: فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴿مِمّا يَأْكُلُ الناسُ﴾ يَعْنِي الحُبُوبَ والثِمارَ والبُقُولَ ﴿والأنْعامُ﴾ يَعْنِي الحَشِيشَ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ زِينَتَها بِالنَباتِ واخْتِلافِ ألْوانِهِ ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ وتَزَيَّنَتْ بِهِ وهو أصْلُهُ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الزايِ وهو كَلامٌ فَصِيحٌ جُعِلَتِ الأرْضُ آخِذَةً زُخْرُفَها عَلى التَمْثِيلِ بِالعَرُوسِ إذا أخَذَتِ الثِيابَ الفاخِرَةَ مِن كُلِّ لَوْنٍ فاكْتَسَتْها وتَزَيَّنَتْ بِغَيْرِها مِن ألْوانِ الزِيَنِ ﴿وَظَنَّ أهْلُها﴾ أهْلُ الأرْضِ ﴿أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن مَنفَعَتِها مُحَصِّلُونَ لِثَمَرَتِها رافِعُونَ لِغَلَّتِها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ عَذابُنا وهو ضَرْبُ زَرْعِها بِبَعْضِ العاهاتِ بَعْدَ أمْنِهِمْ واسْتِيقانِهِمْ أنَّهُ قَدْ سَلِمَ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ فَجَعَلْنا زَرْعَها ﴿حَصِيدًا﴾ شَبِيهًا بِما يُحْصَدُ مِنَ الزَرْعِ في قَطْعِهِ واسْتِئْصالِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها أيْ: لَمْ يَلْبَثْ حَذْفُ المُضافِ في هَذِهِ المَواضِعِ لا بُدَّ مِنهُ لِيَسْتَقِيمَ المَعْنى ﴿بِالأمْسِ﴾ هو مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ كَأنْ لَمْ تَغْنَ آنِفًا ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَنْتَفِعُونَ بِضَرْبِ الأمْثالِ، وهَذا مِنَ التَشْبِيهِ المُرَكَّبِ شُبِّهَتْ حالُ الدُنْيا في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْقِراضِ نَعِيمِها بَعْدَ الإقْبالِ بِحالِ نَباتِ الأرْضِ في جَفافِهِ وذَهابِهِ حُطامًا بَعْدَما التَفَّ وتَكاثَفَ وزَيَّنَ الأرْضَ بِخُضْرَتِهِ ورَفِيفِهِ، وحِكْمَةُ التَشْبِيهِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّ الحَياةَ صَفْوُها شَبِيبَتُها، وكَدَرُها شَيْبَتُها، كَما أنَّ صَفْوَ الماءِ في أعْلى الإناءِ قالَ

؎ ألَمْ تَرَ أنَّ العُمْرَ كَأْسُ سُلافَةٍ ∗∗∗ فَأوَّلُهُ صَفْوٌ وآخِرُهُ كَدْرُ

وَحَقِيقَتُهُ تَزْيِينُ جُثَّةِ الطِينِ بِمَصالِحِ الدُنْيا والدِينِ،كاخْتِلاطِ النَباتِ عَلى اخْتِلافِ التَلْوِينِ، فالطِينَةُ الطَيِّبَةُ تُنْبِتُ بَساتِينَ الأُنْسِ ورَياحِينَ الرُوحِ وزَهْرَةَ الزُهْدِ وكُرُومَ الكَرَمِ وحُبُوبَ الحُبِّ وحَدائِقَ الحَقِيقَةِ وشَقائِقَ الطَرِيقَةِ، والخَبِيثَةُ تُخْرِجُ خِلافَ الخُلْفِ وثُمامَ الإثْمِ وشَوْكَ الشِرْكِ وشِيحَ الشُحِّ وحَطَبَ العَطَبِ ولُعاعَ اللَعِبِ ثُمَّ يَدْعُوهُ مَعادُهُ كَما يَحِينُ لِلْحَرْثِ حَصادُهُ فَتُزايِلُهُ الحَياةُ مُغْتَرًّا كَما يَهِيجُ النَباتُ مُصْفَرًّا فَتَغِيبُ جُثَّتُهُ في الرَمْسِ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ إلى أنْ يَعُودَ رَبِيعُ البَعْثِ ومَوْعِدُ العَرْضِ والبَحْثِ وكَذَلِكَ حالُ الدُنْيا كالماءِ يَنْفَعُ قَلِيلُهُ ويُهْلِكُ كَثِيرُهُ ولا بُدَّ مِن تَرْكِ ما زادَ كَما لا بُدَّ مِن أخْذِ الزادِ وآخِذُ المالِ لا يَخْلُو مِن زَلَّةٍ كَما أنَّ خائِضَ الماءِ لا يَنْجُو مِن بَلَّةِ وجَمْعُهُ وإمْساكُهُ تَلَفُ صاحِبِهِ وإهْلاكُهُ فَما دُونَ النِصابِ كَضِحْضاحِ ماءٍ يُجاوِزُ بِلا احْتِماءٍ والنِصابُ كَنَهْرٍ حائِلٍ بَيْنَ المُجْتازِ والجَوازِ إلى المَفازِ لا يُمْكِنُ إلّا بِقَنْطَرَةٍ وهي الزَكاةُ وعِمارَتُها بَذْلُ الصِلاتِ فَمَتى اخْتَلَّتِ القَنْطَرَةُ غَرَّقَتْهُ أمْواجُ القَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ وعَنْ هَذا قالَ عَلَيْهِ السَلامُ " «الزَكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ » " وكَذا المالُ يُساعِدُ الأوْغادَ دُونَ الأمْجادِ كَما أنَّ الماءَ يَجْتَمِعُ في الوِهادِ دُونَ النِجادِ، وكَذَلِكَ المالُ لا يَجْتَمِعُ إلّا بِكَدِّ …

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ﴾ وهي الجَنَّةُ أضافَها إلى اسْمِهِ تَعْظِيمًا لَها أوِ السَلامِ والسَلامَةِ، لِأنَّ أهْلَها سالِمُونَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وقِيلَ لَفُشُوِّ السَلامِ بَيْنَهم وتَسْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ويُوَفِّقُ مَن يَشاءُ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى الإسْلامِ أوْ طَرِيقِ السُنَّةِ فالدَعْوَةُ عامَّةٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللهِ بِالدَلالَةِ والهِدايَةُ خاصَّةٌ مِن لُطْفِ المُرْسِلِ بِالتَوْفِيقِ والعِنايَةِ، والمَعْنى يَدْعُو العِبادَ كُلَّهم إلى دارِ السَلامِ ولا يَدْخُلُها إلّا المَهْدِيُّونَ.

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴿الحُسْنى﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ ﴿وَزِيادَةٌ﴾ رُؤْيَةُ الرَبِّ عَزَّ وجَلَّ كَذا عَنْ أبِي بَكْرٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وعُبادَةَ بْنِ الصامِتِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهم - وفي بَعْضِ التَفاسِيرِ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الزِيادَةَ النَظَرُ إلى اللهِ تَعالى وعَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ " «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أتُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم فَيَقُولُونَ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنَجِّنا مِنَ النارِ قالَ فَيَرْفَعُ الحِجابَ فَيَنْظُرُونَ إلى اللهِ تَعالى فَما أُعْطُوا شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَظَرِ إلى رَبِّهِمْ ثُمَّ تَلا ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ » والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ لا بِهَذِهِ العِبارَةِ وقالَ: إنَّهُ حَدِيثٌ مَدْفُوعٌ مَعَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ قَدْ أوْرَدَهُ صاحِبُ المَصابِيحِ في الصِحاحِ وقِيلَ الزِيادَةُ المَحَبَّةُ في قُلُوبِ العِبادِ وقِيلَ الزِيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورِضْوانٌ ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ ولا يَغْشى وُجُوهَهم ﴿قَتَرٌ﴾ غَبَرَةٌ فِيها سَوادٌ ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ ولا أثَرُ هَوانٍ والمَعْنى ولا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلَ النارِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " لِلَّذِينِ أحْسَنُوا" أيْ: ولِلَّذِينِ كَسَبُوا ﴿السَيِّئاتِ﴾ فُنُونَ الشِرْكِ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ الباءُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] أوِ التَقْدِيرُ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مُقَدَّرَةٌ بِمِثْلِها ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ ذُلٌّ وهَوانٌ ﴿ما لَهم مِنَ اللهِ﴾ مِن عِقابِهِ ﴿مِن عاصِمٍ﴾ أيْ: لا يَعْصِمُهم أحَدٌ مِن سُخْطِهِ وعِقابِهِ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا﴾ أيْ: جُعِلَ عَلَيْها غِطاءٌ مِن سَوادِ اللَيْلِ أيْ: هم سُودُ الوُجُوهِ، وقِطَعًا جَمْعُ قِطْعَةٍ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِأُغْشِيَتْ، " قِطْعًا" مَكِّيٌّ وعَلِيٌّ، مِن قَوْلِهِ "بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ" وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، مُظْلِمًا صِفَةٌ لِقِطْعٍ، وعَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ "اللَيْلِ" والعامِلُ فِيهِ أُغْشِيَتْ، لِأنَّ مِنَ اللَيْلِ صِفَةٌ لِقِطْعًا فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِفَةِ أوْ مَعْنى الفِعْلِ "مِنَ اللَيْلِ " ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ وغَيْرَهم ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا مَكانَكم ولا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم ﴿أنْتُمْ﴾ أكَّدَ بِهِ الضَمِيرَ في مَكانِكم لِسَدِّهِ مَسَدَّ قَوْلِهِ الزَمُوا ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿فَزَيَّلْنا﴾ فَفَرَّقْنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وقَطَّعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُنْيا ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ مِن أُولِي العَقْلِ أوِ الأصْنامُ يُنْطِقُها اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ إنَّما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ الشَياطِينَ حَيْثُ أمَرُوكم أنْ تَتَّخِذُوا لِلَّهِ أنْدادًا فَأطَعْتُمُوهم وهو قَوْلُهُ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكُمْ﴾ [سبإ: ٤٠]

إلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١]

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: كَفى اللهُ شَهِيدًا وهو تَمْيِيزٌ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ واللامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ.

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى اسْتِعارَةِ اسْمِ المَكانِ لِلزَّمانِ ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ تَخْتَبِرُ وتَذُوقُ ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ فَتَعْرِفُ كَيْفَ هو أقَبِيحٌ أمْ حَسَنٌ أنافِعٌ أمْ ضارٌّ أمَقْبُولٌ أمْ مَرْدُودٌ ؟ وقالَ الزَجّاجُ تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ، "تَتْلُو" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: تَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ، لِأنَّ عَمَلَهُ هو الَّذِي يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ أوِ النارِ أوْ تَقْرَأُ في صَحِيفَتِها ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ كَذا عَنِ الأخْفَشِ ﴿وَرُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ رَبِّهِمُ الصادِقِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَوَلَّوْنَ ما لَيْسَ لِرُبُوبِيَّتِهِ حَقِيقَةٌ أوِ الَّذِي يَتَوَلّى حِسابَهم وثَوابَهُمُ العَدْلِ الَّذِي لا يَظْلِمُ أحَدًا ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وضاعَ عَنْهم ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ أوْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ وشَفاعَةِ الآلِهَةِ.

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.