Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

سُورَةُ التَوْبَةِ

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

لَها أسْماءٌ: بَراءَةٌ، التَوْبَةُ، المُقَشْقِشَةُ، المُبَعْثِرَةُ، المُشَرِّدَةُ، المُخْزِيَةُ، الفاضِحَةُ، المُثِيرَةُ، الحافِرَةُ، المُنَكِّلَةُ، المُدَمْدِمَةُ، لِأنَّ فِيها التَوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي تُقَشْقِشُ مِنَ النِفاقِ، أيْ: تُبْرِئُ مِنهُ، وتُبَعْثِرُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتَبْحَثُ عَنْها، وتُثِيرُها، وتَحْفِرُ عَنْها، وتَفْضَحُهُمْ، وتُنَكِّلُهُمْ، وتُشَرِّدُهُمْ، وتُخْزِيهِمْ، وتُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وَفِي تَرْكِ التَسْمِيَةِ في ابْتِدائِها أقْوالٌ: فَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أنَّ بِسْمِ اللهِ أمانٌ، وبَراءَةٌ نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ. وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ، قالَ: اجْعَلُوها في المَوْضِعِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ كَذا وكَذا، وتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أيْنَ نَضَعُها، وكانَتْ قِصَّتُها تُشْبِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ، لِأنَّ فِيها ذِكْرَ العُهُودِ، وفي بَراءَةٍ نَبْذُ العُهُودِ، فَلِذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما، وكانَتا تُدْعَيانِ: القَرِينَتَيْنِ، وتُعَدّانِ السابِعَةَ مِنَ الطِوالِ، وهي سَبْعٌ. وقِيلَ: اخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الأنْفالُ وبَراءَةٌ سُورَةٌ واحِدَةٌ، نَزَلَتْ في القِتالِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُما سُورَتانِ، فَتُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، وتُرِكَتْ بِسْمِ اللهِ، لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ.

﴿بَراءَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ "بَراءَةٌ" ﴿مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ بِصِلَةٍ، كَما في قَوْلِكَ: بَرِئْتَ مِنَ الدِينِ، أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ واصِلَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، كَما تَقُولُ: كِتابٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ لِتَخْصِيصِها بِصِفَتِها، والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ في الدارِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ مَنبُوذٌ إلَيْهِمْ.

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ فَسِيرُوا في الأرْضِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والسَيْحُ: السَيْرُ عَلى مَهَلٍ. رُوِيَ: أنَّهم عاهَدُوا المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، فَنَكَثُوا إلّا ناسًا مِنهُمْ، وهم بَنُو ضَمْرَةَ، وبَنُو كِنانَةَ، فَنَبَذَ العَهْدَ إلى الناكِثِينَ، وأُمِرُوا أنْ يَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ آمِنِينَ أيْنَ شاءُوا، ولا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، وهي الأشْهُرُ الحُرُمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التَوْبَةُ: ٥] وذَلِكَ لِصِيانَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ فِيها، وكانَ نُزُولُها سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وفَتْحُ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمانٍ، وكانَ الأمِيرُ فِيها عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، «وَأمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ عَلى مَوْسِمٍ سَنَةَ تِسْعٍ، ثُمَّ أتْبَعَهُ عَلِيًّا راكِبَ العَضْباءِ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: "لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي" فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُغاءَ فَوَقَفَ، وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ؟ قالَ: مَأْمُورٌ. فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ، وقامَ عَلِيٌّ يَوْمَ النَحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: يا أيُّها الناسُ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ إلَيْكُمْ، فَقالُوا: بِماذا؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ، أوْ أرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ قالَ: أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ، ألّا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: يا عَلِيُّ، أبْلِغِ ابْنَ عَمِّكَ أنّا قَدْ نَبَذْنا العَهْدَ وراءَ ظُهُورِنا، وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ إلّا طَعْنٌ بِالرِماحِ، وضَرْبٌ بِالسُيُوفِ، » والأشْهُرُ الأرْبَعَةُ: شَوّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، أوْ عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وصَفَرُ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلُ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعِ الآخِرِ، وكانَتْ حُرُمًا، لِأنَّهم أُومِنُوا فِيها، وحُرِّمَ قَتْلُهم وقِتالُهُمْ، أوْ عَلى التَغْلِيبِ، لِأنَّ ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ مِنها، والجُمْهُورُ عَلى إباحَةِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، وأنَّ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم ﴿وَأنَّ اللهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ مُذِلُّهم في الدُنْيا بِالقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ.

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

﴿وَأذانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الناسِ﴾ ارْتِفاعُهُ كارْتِفاعِ "بَراءَةٌ" عَلى الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها. والأذانُ بِمَعْنى الإيذانِ، وهو الإعْلامُ، كَما أنَّ الأمانُ والعَطاءُ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ، والفَرْقُ بَيْنَ الجُمْلَةِ الأُولى والثانِيَةِ: أنَّ الأوْلى إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، والثانِيَةَ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِالَّذِينِ عُوهِدُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعُلِّقَ الأذانُ بِالناسِ، لِأنَّ البَراءَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُعاهَدِينَ والناكِثِينَ مِنهُمْ، وأمّا الأذانُ فَعامٌّ لِجَمِيعِ الناسِ، مَن عاهَدَ، ومَن لَمْ يُعاهَدْ، ومَن نَكَثَ مِنَ المُعاهَدِينَ، ومَن لَمْ يَنْكُثْ ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ يَوْمَ عَرَفَةَ، لِأنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، أوْ يَوْمَ النَحْرِ، لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ مِنَ الطَوافِ، والنَحْرِ، والحَلْقِ، والرَمْيِ، ووَصْفُ الحَجِّ بِالأكْبَرِ، لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى: الحَجُّ الأصْغَرُ.

﴿أنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: بِأنَّ اللهَ، حُذِفَتْ صِلَةُ الأذانِ تَخْفِيفًا ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى المَنَوِيِّ في "بَرِيءٌ"، أوْ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ: ورَسُولُهُ بَرِيءٌ، وقُرِئَ بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ، والجَرِّ عَلى الجِوارِ، أوْ عَلى القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: لَعَمْرُكَ. وحُكِيَ: أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَؤُها، فَقالَ: إنْ كانَ اللهُ بَرِيئًا مِن رَسُولِهِ فَأنا مِنهُ بَرِيءٌ، فَلَبَّبَهُ الرَجُلُ إلى عُمَرَ، فَحَكى الأعْرابِيُّ قِراءَتَهُ، فَعِنْدَها أمَرَ عُمَرُ بِتَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ،

﴿فَهُوَ﴾ أيِ: التَوْبَةُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ التَوْبَةِ، أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَوَلِّي والإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ،

﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ غَيْرُ سابِقِينَ اللهَ، ولا فائِتِينَ أخْذَهُ وعِقابَهُ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَكانَ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ، بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ.

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ والمَعْنى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَقُولُوا لَهُمْ: سِيحُوا إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ، أيْ: وفَوْا بِالعَهْدِ ولَمْ يَنْقُضُوهُ، وقُرِئَ: (لَمْ يَنْقُضُوكُمْ) أيْ: عَهْدَكُمْ، وهو ألْيَقُ، لَكِنَّ المَشْهُورَةَ أبْلَغُ، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ التَمامِ ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ ولَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم عَدُوًّا ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ فَأدُّوهُ إلَيْهِمْ تامًّا كامِلًا ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ، والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ أنْ أُمِرُوا في الناكِثِينَ: لَكِنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، ولا تُجْرُوهم مُجْراهم ولا تَجْعَلُوا الوَفِيَّ كالغادِرِ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ قَضِيَّةَ التَقْوى ألّا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فاتَّقُوا اللهَ في ذَلِكَ.

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ مَضى، أوْ خَرَجَ ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الَّتِي أُبِيحَ فِيها لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الَّذِينَ نَقَضُوكُمْ، وظاهَرُوا عَلَيْكم ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم. والأخْذُ: الأسْرُ ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ وقَيِّدُوهُمْ، وامْنَعُوهم مِنَ التَصَرُّفِ في البِلادِ ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ ومُجْتازٍ تَرْصُدُونَهم بِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَرْفِ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ ﴿وَأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فَأطْلِقُوا عَنْهم بَعْدَ الأسْرِ والحَصْرِ، أوْ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ بِسِتْرِ الكُفْرِ، والغَدْرِ بِالإسْلامِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِرَفْعِ القَتْلِ قَبْلَ الأداءِ بِالِالتِزامِ.

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ "أحَدٌ" مُرْتَفِعٌ بِفِعْلِ شَرْطٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ، أيْ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ اسْتَجارَكَ، والمَعْنى: وإنْ جاءَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأشْهُرِ لا عَهْدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، واسْتَأْمَنَكَ لِيَسْمَعَ ما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَوْحِيدِ والقُرْآنِ، فَأمِّنْهُ ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿مَأْمَنَهُ﴾ دارَهُ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها إنْ لَمْ يُسْلِمْ، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَأْمَنَ لا يُؤْذى، ولَيْسَ لَهُ الإقامَةُ في دارِنا، ويُمَكَّنُ مِنَ العَوْدِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالإجارَةِ في قَوْلِهِ:" فَأجِرْهُ" ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ ما الإسْلامُ، وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ،؟ فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا، أوْ يَفْهَمُوا الحَقَّ.

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ "كَيْفَ" اسْتِفْهامٌ في مَعْنى الِاسْتِنْكارِ، أيْ: مُسْتَنْكَرٌ أنْ يَثْبُتَ لِهَؤُلاءِ عَهْدٌ، فَلا تَطْمَعُوا في ذَلِكَ، ولا تُحَدِّثُوا بِهِ نُفُوسَكُمْ، ولا تُفَكِّرُوا في قَتْلِهِمْ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ مِنهم نَكْثٌ كَبَنِي كِنانَةَ، وبُنِيَ ضَمْرَةَ، فَتَرَبَّصُوا أمْرَهُمْ، ولا تُقاتِلُوهم.

﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ مِنهم نَكْثٌ، أيْ: فَما أقامُوا عَلى وفاءِ العَهْدِ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عَلى الوَفاءِ، و"ما" شَرْطِيَّةٌ، أيْ: فَإنِ ﴿اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ التَرَبُّصَ بِهِمْ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ.

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ تَكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ "وَ" حالُهم أنَّهم ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ ما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الأيْمانِ والمَواثِيقِ،

﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا﴾ لا يُراعُوا حِلْفًا، ولا قَرابَةً ﴿وَلا ذِمَّةً﴾ عَهْدًا ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ بِالوَعْدِ بِالإيمانِ، والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ في وصْفِ حالِهِمْ مِن مُخالَفَةِ الظاهِرِ الباطِنَ، مُقَرِّرٌ لِاسْتِبْعادِ الثَباتِ مِنهم عَلى العَهْدِ ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمانَ، والوَفاءَ بِالعَهْدِ ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ناقِضُونَ العَهْدَ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، لا مُرُوءَةَ تَمْنَعُهم عَنِ الكَذِبِ، ولا شَمائِلَ تَرْدَعُهم عَنِ النَكْثِ، كَما يُوجَدُ ذَلِكَ في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التَفادِي عَنْهُما.

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

﴿اشْتَرَوْا﴾ اسْتَبْدَلُوا ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا، وهو اتِّباعُ الأهْواءِ والشَهَواتِ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَعَدَلُوا عَنْهُ، وصَرَفُوا غَيْرَهم ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الصَنِيعُ صَنِيعُهم.

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ "وَلا" تَكْرارٌ، لِأنَّ الأوَّلَ عَلى الخُصُوصِ حَيْثُ قالَ: "فِيكُمْ"، والثانِي عَلى العُمُومِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ المُجاوِزُونَ الغايَةَ في الظُلْمِ، والشِرارَةِ.

Commentary: Madarik al-Tanzil by Al-Nasafi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.