Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ يَتَبَيَّنُ مَكْرُهم ويَظْهَرُ كامِنُ شِرْكِهِمْ، فَهم في وقْتِ الضَّرّاءِ في الإقْبالِ عَلَيْهِ تَعالى لِكَشْفِها، كالمُخادِعِ الَّذِي يُظْهِرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ، ثُمَّ يَنْجَلِي أمْرُهُ بَعْدُ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ عُقُوبَةً، أيْ عَذابُهُ أسْرَعُ وُصُولًا إلَيْكم مِمّا يَأْتِي مِنكم في دَفْعِ الحَقِّ، وتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِالمَكْرِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا أوْ ذِكْرًا. ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أيْ مَكْرُكُمْ، أوْ ما تَمْكُرُونَهُ، وهو تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الحَفَظَةِ، فَضْلًا عَنِ العَلِيمِ الخَبِيرِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا مِن أنْواعِ مَكْرِهِمْ في آيَةِ إنْجائِهِمْ مِن لُجَجِ البَحْرِ بِقَوْلِهِ:

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ السُّفُنِ ﴿وجَرَيْنَ﴾ أيِ السُّفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ أيْ بِالَّذِينَ فِيها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ، مُوافِقَةً لِلْمَرْغُوبِ ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ لِأمْنِ الآياتِ ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ ذاتُ شِدَّةٍ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ أسْبابُ الهَلاكِ، وهي شِدَّةُ المَوْجِ والرِّيحِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أيْ لِلتَّخَلُّصِ مِنها ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهو الدُّعاءُ لِأنَّهم حِينَئِذٍ لا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ العابِدِينَ لَكَ شُكْرًا.

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ يُفْسِدُونَ فِيها، ويُسارِعُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ونَحْوِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ النّاسِينَ نِعْمَةَ الخَلاصِ بِالإخْلاصِ واسْتِجابَةَ الدُّعاءِ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ وبالُهُ عَلَيْكم. ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ هو مَتاعٌ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ هو الخَبَرُ لِـ (بَغْيُكُمْ) و(عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ نُمَتِّعُكم. أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ. أيْ تَبْغُونَ ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا وهو وعِيدٌ بِجَزائِهِمْ عَلى البَغْيِ.

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى شَأْنَ الدُّنْيا وقِصَرَ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِها وقُرْبَ زَمانِ الرُّجُوعِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ امْتَزَجَ بِهِ لِسَرَيانِهِ فِيهِ، فالباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أوْ هي لِلسَّبَبِيَّةِ، أيِ اخْتَلَطَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيِ التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمارِ والكَلَأِ والحَشِيشِ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ أيْ حُسْنَها وبَهْجَتَها ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ أيْ بِأصْنافِ النَّباتِ ﴿وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ أيْ مُتَمَكِّنُونَ مِن تَحْصِيلِ حُبُوبِها وثَمَرِها وحَصْدِها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ كالمَحْصُودِ مِن أصْلِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ لَمْ تَنْبُتْ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ قُبَيْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ. و(الأمْسُ) مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ بِالأمْثِلَةِ تَقْرِيبًا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ في مَعانِيها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ: البَغْيُ ضِدُّ العَدْلِ، فَكَما أنَّ العَدْلَ فَضِيلَةٌ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ، وهَيْأةٌ وحْدانِيَّةٌ لَها، فائِضَةٌ مِن نُورِ الوَحْدَةِ عَلى النَّفْسِ، فالبَغْيُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ غايَةِ الِانْهِماكِ في الرَّذائِلِ، بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُها جَمِيعًا، فَصاحَبَها في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ، ونِهايَةِ الظُّلْمَةِ، كَما قالَ: الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ. فَلِهَذا قالَ: "عَلى أنْفُسِكُمْ" لا عَلى المَظْلُومِ؛ لِأنَّ المَظْلُومَ سَعِدَ بِهِ، وشَقِيَ الظّالِمُ غايَةَ الشَّقاءِ، وهو لَيْسَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ إذْ جَمِيعُ الإفْراطاتِ والتَّفْرِيطاتِ المُقابِلَةِ لِلْعَدالَةِ تَمَتُّعاتٌ طَبِيعِيَّةٌ، ولَذّاتٌ حَيَوانِيَّةٌ، تَنْقَضِي بِانْقِضاءِ الحَياةِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي مَثَّلَها في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقِلَّةِ البَقاءِ، هَذا المَثَلُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، مِن تَزَيُّنِ الأرْضِ بِزُخْرُفِها مِن ماءِ المَطَرِ، ثُمَّ فَسادِها بِبَعْضِ الآفاتِ سَرِيعًا قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِنَباتِها، ثُمَّ تَتْبَعُها الشَّقاوَةُ الأبَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ الدّائِمُ.

وفِي الحَدِيثِ: ««أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، وأعْجَلُ الشَّرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ»»؛ لِأنَّ صاحِبَهُ تَتَراكَمُ عَلَيْهِ حُقُوقُ النّاسِ، فَلا تَحْتَمِلُ عُقُوبَتُهُ المَهْلَ الطَّوِيلَ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.

وسَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ يَقُولُ: قَلَّما يَبْلُغُ الظّالِمُ والفاسِقُ أوانَ الشَّيْخُوخَةِ، وذَلِكَ لِمُبارَزَتِهِما اللَّهَ تَعالى في هَدْمِ النِّظامِ المَصْرُوفِ عِنايَتُهُ تَعالى إلى ضَبْطِهِ، ومُخالَفَتِهِما إيّاهُ في حِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، رَغَّبَ في الجَنَّةِ ودَعا إلَيْها، وسَمّاها دارَ السَّلامِ، أيْ مِنَ الآفاتِ والنَّقائِصِ، لِذِكْرِ الدُّنْيا بِما يُقابِلُهُ مِن كَوْنِها …

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ ٢٦ ] ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ أيْ يَدْعُو الخَلْقَ بِتَوْحِيدِهِ إلى جَنَّتِهِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ دِينٍ قَيِّمٍ يَرْضاهُ، وهو الإسْلامُ.

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا النَّظَرَ، فَعَرَفُوا مَكْرَ الدُّنْيا والشَّهَواتِ، فَأعْرَضُوا عَنْها، وتَوَجَّهُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَعَبَدُوهُ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، المَثُوبَةُ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، وزِيادَةً عَلى المَثُوبَةِ، وهي التَّفَضُّلُ كَما قالَ تَعالى: "ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ"، وأعْظَمُ أنْواعِهِ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ. ولِذا تَواتَرَ تَفْسِيرُها بِالرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. ورَفَعَها ابْنُ جَرِيرٍ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى وكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وأُبَيٍّ. وكَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ [يونس: ٢٦] إلَخْ، وقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: ما هُوَ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ألَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنا ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ ويُزَحْزِحْنا عَنِ النّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ لَهُمُ الحِجابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ! ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ»» وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ.

﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لا يَغْشاها غَبَرَةٌ سَوْداءُ مِن أثَرِ حُبِّ الدُّنْيا والشَّهَواتِ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ أثَرُ هَوانٍ، وكُسُوفُ بالٍ، مِن أثَرِ الِالتِفاتِ إلى ما دُونِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ النّاصِرُ: وفي تَعْقِيبِ الزِّيادَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِصْداقٌ لِصِحَّةِ تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ بِالرُّؤْيَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى إكْرامِ وُجُوهِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَجَدِيرٌ بِهِمْ أنْ لا يَرْهَقَ وُجُوهَهم قَتَرُ البُعْدِ، ولا ذِلَّةُ الحِجابِ، عَكْسَ المَحْرُومِينَ المَحْجُوبِينَ، فَإنَّ وُجُوهَهم مُرْهَقَةٌ بِقَتَرِ الطَّرْدِ وذِلَّةِ البُعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [يونس: ٢٦] أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ ٢٦ ] ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ أيْ يَدْعُو الخَلْقَ بِتَوْحِيدِهِ إلى جَنَّتِهِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ دِينٍ قَيِّمٍ يَرْضاهُ، وهو الإسْلامُ.

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا النَّظَرَ، فَعَرَفُوا مَكْرَ الدُّنْيا والشَّهَواتِ، فَأعْرَضُوا عَنْها، وتَوَجَّهُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَعَبَدُوهُ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، المَثُوبَةُ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، وزِيادَةً عَلى المَثُوبَةِ، وهي التَّفَضُّلُ كَما قالَ تَعالى: "ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ"، وأعْظَمُ أنْواعِهِ النَّظَرُ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ. ولِذا تَواتَرَ تَفْسِيرُها بِالرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. ورَفَعَها ابْنُ جَرِيرٍ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى وكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وأُبَيٍّ. وكَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ [يونس: ٢٦] إلَخْ، وقالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا، يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: ما هُوَ؟ ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا، ألَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنا ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ ويُزَحْزِحْنا عَنِ النّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ لَهُمُ الحِجابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَواللَّهِ! ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ، ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ»» وهَكَذا رَواهُ مُسْلِمٌ.

﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ لا يَغْشاها غَبَرَةٌ سَوْداءُ مِن أثَرِ حُبِّ الدُّنْيا والشَّهَواتِ ﴿ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيْ أثَرُ هَوانٍ، وكُسُوفُ بالٍ، مِن أثَرِ الِالتِفاتِ إلى ما دُونِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ النّاصِرُ: وفي تَعْقِيبِ الزِّيادَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِصْداقٌ لِصِحَّةِ تَفْسِيرِ الزِّيادَةِ بِالرُّؤْيَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى إكْرامِ وُجُوهِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَجَدِيرٌ بِهِمْ أنْ لا يَرْهَقَ وُجُوهَهم قَتَرُ البُعْدِ، ولا ذِلَّةُ الحِجابِ، عَكْسَ المَحْرُومِينَ المَحْجُوبِينَ، فَإنَّ وُجُوهَهم مُرْهَقَةٌ بِقَتَرِ الطَّرْدِ وذِلَّةِ البُعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [يونس: ٢٦] أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ أيْ واقٍ يَقِيهِمُ العَذابَ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ﴾ أيْ أُلْبِسَتْ ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا﴾ أيْ أجْزاءً ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها. وذَلِكَ لِارْتِكابِهِمُ الهَيْئَةَ المُظْلِمَةَ مِنَ المُيُولِ الطَّبِيعِيَّةِ، والأعْمالِ الرَّدِيَّةِ، والقَصْدُ الإخْبارُ بِأبْدَعِ تَشْبِيهٍ عَنْ سَوادِ وُجُوهِهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ ما آيَةٍ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَنالُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ التَّوْبِيخِ والخِزْيِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ لِلْمُقاوَلَةِ بَيْنَهم ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ مَعْبُودِيهِمْ بِاللَّهِ، مَعَ تَوَقُّعِهِمُ الشَّفاعَةَ مِنهم ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ أيِ الزَمُوا مَكانَكُمْ، لا تَبْرَحُوا حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم. قالَ القاشانِيُّ: مَعْناهُ قِفُوا مَعَ ما وقَفُوا مَعَهُ في المَوْقِفِ مِن قَطْعِ الوُصَلِ والأسْبابِ الَّتِي هي سَبَبُ مَحَبَّتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ، وتَبَرُّؤُ المَعْبُودِ مِنَ العابِدِ لِانْقِطاعِ الأغْراضِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تِلْكَ الوُصَلِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِمْ في المَوْقِفِ مَعًا، فَرَّقْنا بَيْنَهُمْ، وقَطَّعْنا الوُصَلَ الَّتِي بَيْنَهُمْ، فَلا يَبْقى مِنَ العابِدِينَ تَوَقُّعُ شَفاعَةٍ، ولا مِنَ المَعْبُودِينَ إفادَتُها، لَوْ أمْكَنَتْهم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عِبادَتُكم عِنْ أمْرِنا، بَلْ عَنْ أمْرِ الشَّيْطانِ، فَكُنْتُمْ عابِدِيهِ بِالحَقِيقَةِ، بِطاعَتِكم إيّاهُ، وعابِدِي ما اخْتَرَعْتُمُوهُ في أوْهامِكم مِن أباطِيلَ فاسِدَةٍ، وأمانِيَّ كاذِبَةٍ.

قِيلَ: القَوْلُ مَجازٌ عَنْ تَبَرُّئِهِمْ مِن عِبادَتِهِمْ، وأنَّهم عَبَدُوا أهْواءَهم وشَياطِينَهم؛ لِأنَّها الآمِرَةُ لَهم دُونَهم؛ لِأنَّ الأوْثانَ جَماداتٌ وهي لا تَنْطِقُ. وقِيلَ: يُنْطِقُها اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَتُشافِهُهم بِذَلِكَ، مَكانَ الشَّفاعَةِ الَّتِي كانُوا يَتَوَقَّعُونَها.

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾

﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ أيْ: لَنا ﴿لَغافِلِينَ﴾ أيِ اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا ما أمَرْناكم بِذَلِكَ وما أرَدْنا عِبادَتَكم إيّانا.

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَقامِ المُدْهِشِ، حِينَ قَطْعِ المُواصَلَةِ، وإنْكارِ الشُّرَكاءِ العِبادَةَ ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ تَخْتَبِرُ وتَذُوقُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، فَتُعايِنُ أثَرَهُ مِن قُبْحٍ وحُسْنٍ، ورَدٍّ وقَبُولٍ، كَما يَخْتَبِرُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ ويَتَعَرَّفُهُ، لِيَكْتَنِهَ حالَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]

﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، أيْ رُدُّوا إلى اللَّهِ المُتَوَلِّي جَزاءَهم بِالعَدْلِ والقِسْطِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ضاعَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِنِ اخْتِراعاتِهِمْ، وأُصُولِ دِينِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، وتَوَهُّماتِهِمُ الكاذِبَةِ، وأمانِيِّهِمُ الباطِلَةِ. أيْ ظَهَرَ ضَياعُهُ وضَلالُهُ ولَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ فِيهِمْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَبْكِيتٌ شَدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ولَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، ولا رَضِيَ بِهِ، ولا أرادَهُ، بَلْ تَبَرَّأ مِنهم أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلى المَعُونَةِ. والمُشْرِكُونَ أنْواعٌ وأقْسامٌ، وقَدْ ذَكَرَهم تَعالى في كِتابِهِ، وبَيَّنَ أحْوالَهُمْ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ أتَمَّ رَدٍّ.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلى المُشْرِكِينَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِاعْتِرافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.