Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

ولَمّا أُشِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَنَزُّهِهِ تَعالى وعُلُوِّهِ وتَفَرُّدِهِ بِنُعُوتِ الكَمالِ، ودَلَّ بِخَتْمِها بِالحَمْدِ عَلى إحاطَتِهِ وبِرَبِّ العالَمِينَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ في ابْتِدائِهِ وإعادَتِهِ، \ أُتْبِعَتْ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ فِي مُعامَلَتِهِ مِن أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا قَبْلَ أوانِهِ لِأنَّ الِاسْتِعْجالَ مِن سِماتِ الِاحْتِياجِ. بَلْ ورَوى أبُو يَعْلى وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ»» قالَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ: وفي البابِ عَنْ سَهْلٍ وسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣] ما مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ فِعْلَ مَن يَنْظُرُ في أدْبارِ الأُمُورِ فَلا يَفْعَلُ إلّا ما هو في غايَةِ الإحْكامِ، فَهو لا يُعاجِلُ العُصاةَ بَلْ يُمْهِلُهم ويُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وهم في حالِ عِصْيانِهِمْ لَهُ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ يَطْلُبُونَ خَيْراتِهِ ويَسْتَعْجِلُونَهُ بِها: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لِلنّاسِ﴾ [أيْ] الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُرْآنَ عَجَبًا لِما لَهم مِن صِفَةِ الِاضْطِرابِ ﴿الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ﴾ أيْ عامِلًا في إرادَتِهِ لِإيقاعِ الشَّرِّ بِهِمْ مِثْلَ عَمَلِهِمْ في إرادَتِهِمْ وطَلَبِهِمُ العَجَلَةَ ﴿بِالخَيْرِ لَقُضِيَ﴾ أيْ حُتِمَ وبُتَّ وأُدِّيَ، بَناهُ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ دَلالَةً عَلى هَوانِهِ عِنْدَهُ، ولِأنَّ المَحْذُورَ مُجَرَّدُ فَراغِهِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ. وبَناهُ ابْنُ عامِرٍ لِلْفاعِلِ ونَصَبَ الأجَلَ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيِ النّاسِ خاصَّةً ﴿أجَلُهُمْ﴾ أيْ عُمْرُهم أوْ آخِرُ لَحْظَةٍ تَكُونُ مِنهُ، فَأُهْلِكَ مَن في الأرْضِ فاخْتَلَّ النِّظامُ الَّذِي دَبَّرَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقَدَّمَ مِن إمْهالِهِ لَهم إلى ما سُمِّيَ مِنَ الآجالِ المُتَفاوِتَةِ، وذَلِكَ سَبَبُ إضْلالِ مَن يُرِيدُ ضَلالَهُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِنُونِ العَظَمَةِ في ﴿فَنَذَرُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ فَكانَ القِياسُ هُداهم لِكَثْرَةِ ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ ولَكِنَّهُ تَعالى أرادَ ضَلالَهم وهُوَ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ [يونس: ٨] لِأنَّ مَعْناهُ: أُولَئِكَ يُمْهِلُهُمُ اللَّهُ إلى انْقِضاءِ ما ضَرَبَ لَهم مِنَ الآجالِ مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في الإعْراضِ. ثُمَّ يَكُونُ مَأْواهُمُ النّارَ، ولا يُعَجِّلُ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الشَّرِّ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ أيْ: ولَوْ يُرِيدُ عَجَلَةَ الشَّرِّ لِلنّاسِ إذا خالَفُوهُ أوْ إذا اسْتَعْجَلُوهُ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ودُعاءِ الإنْسانِ عَلى ولَدِهِ وعَبْدِهِ، مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ أيْ مِثْلَ إرادَتِهِمْ تَعْجِيلَ الخَيْرِ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولَوْ يَسْتَعْجِلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرِّ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ أيْ: يُعَجِّلُ، دَفْعًا لِإيهامِ النَّقْصِ بِأنَّ مَن يَسْتَعْجِلُ الشَّيْءَ رُبَّما يَكُونُ طالِبًا عَجَلَتَهُ مِن غَيْرٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ فَإنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا كانَ ولَمْ يَتَخَلَّفْ أصْلًا.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِأنَّ ”لَوِ“ امْتِناعِيَّةٌ: ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ دَأْبَهُمُ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ، وكانَ مِنهُ اسْتِكْشافُ الضُّرِّ، بَيَّنَ أنَّ حالَهم عِنْدَهُ الِاعْتِرافُ، وشُكْرَهم عَلى النَّجاةِ مِنهُ الإنْكارُ [فَدَأْبُهُمُ الطُّغْيانُ والعَمَهُ]، وذَلِكَ في غايَةِ المُنافاةِ لِما يَدَّعُونَهُ مِن رَجاحَةِ العُقُولِ وأصالَةِ الآراءِ وسَلامَةِ الطِّباعِ، فالحاصِلُ أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ البَلاءِ غَيْرُ صابِرٍ، وعِنْدَ الرَّجاءِ غَيْرُ شاكِرٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا مَسَّ الإنْسانَ مِنهُمُ الخَيْرُ كانَ في غَفْلَةٍ بِالفَرِحِ والأشَرِ والمَرَحِ ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ مِنهم ﴿الضُّرُّ﴾ [وإنْ كانَ مِن جِهَةٍ يَتَوَقَّعُها لِطُغْيانٍ هو فِيهِ ولا يَنْزِعُ عَنْهُ خَوْفًا مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِن حُلُولِ الضُّرِّ لِشِدَّةِ طُغْيانِهِ وجَهْلِهِ] ﴿دَعانا﴾ مُخْلِصًا مُعْتَرِفًا بِحَقِّنا عالِمًا بِما لَنا مِن كَمالِ العَظَمَةِ عامِلًا بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَمّا ادَّعاهُ شَرِيكًا لَنا كائِنًا ﴿لِجَنْبِهِ﴾ أيْ مُضْطَجِعًا حالَ إرادَتِهِ لِلرّاحَةِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِاللّامِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ أسَرُّ أحْوالِهِ إلَيْهِ ﴿أوْ قاعِدًا﴾ أيْ مُتَوَسِّطًا [فِي أحْوالِهِ] ﴿أوْ قائِمًا﴾ أيْ في غايَةِ السَّعْيِ في مُهِمّاتِهِ، لا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، [بَلْ يَكُونُ ظَرْفُ المَسِّ بِالضُّرِّ ظَرْفَ الدُّعاءِ بِالكَشْفِ]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالأحْوالِ الثَّلاثَةِ عَنْ مَراتِبِ الضُّرِّ، وقالَ: لِجَنْبِهِ إشارَةً إلى اسْتِحْكامِ الضُّرِّ وغَلَبَتِهِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ جُلُوسًا كَما يُقالُ: فُلانٌ لِما بِهِ، وأشارَ بِالفاءِ إلى قُرْبِ زَمَنِ الكَشْفِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [أيْ] الَّذِي دَعانا لِأجْلِهِ ﴿مَرَّ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يُرِيدُهُ لاهِيًا عَنّا بِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿كَأنْ﴾ أيْ كَأنَّهُ ﴿لَمْ يَدْعُنا﴾ أيْ عَلى ما كانَ يَعْتَرِفُ بِهِ وقْتَ الدُّعاءِ مِن عَظَمَتِنا؛ ولَمّا كانَ المَدْعُوُّ يَأْتِي إلى الدّاعِي فَيَعْمَلُ ما دَعاهُ لِأجْلِهِ قالَ: ﴿إلى﴾ أيْ كَشْفِ ﴿ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنا مَعْرِفَةٌ أصْلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنّا نَحْنُ كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ ضَعْفِ الإنْسانِ وسُوءِ عُبُودِيَّتِهِ، والَّتِي قَبْلَها في بَيانِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحُسْنِ رُبُوبِيَّتِهِ؛ والمَسُّ: لِقاءٌ مِن غَيْرِ فَصْلٍ؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الفِعْلِ مِنَ القادِرِ عَلَيْهِ؛ والضُّرُّ: إيجابُ الألَمِ بِفِعْلِهِ أوِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ هَذا مِن فِعْلِ الإنْسانِ مِن أعْجَبِ العَجَبِ. كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لِما يُزَيَّنُ لَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاسْتِدْراجُ لِإسْرافِهِ. وهَذا دَأْبُنا أبَدًا ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا التَّزْيِينِ العَظِيمِ الرُّتْبَةِ؛ ولَمّا كانَ الضّارُّ مُطْلَقَ التَّزْيِينِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أيْ كُلِّهِمُ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ مِنَ المَعْصِيَةِ بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ ووُضُوحِ ضَرَرِهِ؛ والإسْرافُ: الإكْثارُ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ العَدْلِ.

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

ولَمّا كانَ مَحَطَّ نَظَرِهِمُ الدُّنْيا، وكانَ هَذا صَرِيحًا في الإمْهالِ لِلظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُجْرِمِينَ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى مُهَدِّدًا لَهم رادِعًا عَمّا هم فِيهِ مِنَ اتِّباعِ الزِّينَةِ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنَّ هَلاكَهم لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿القُرُونَ﴾ أيْ عَلى ما لَهم مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ؛ ولَمّا كانَ المُهْلَكُونَ هَلاكَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ بَعْضَ مَن تَقَدَّمَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ تَكامَلَ ظُلْمُهم إهْلاكًا عَمَّ آخِرَهم وأوَّلَهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعُمُّ بِالهَلاكِ، وقالَ تَعالى عَطْفًا عَلى ﴿أهْلَكْنا﴾ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيْ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولُها ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ الَّتِي بُيِّنَتْ بِمِثْلِها الرِّسالَةُ ”وما“ أيْ والحالُ أنَّهم ”ما كانُوا“ أيْ بِجِبِلّاتِهِمْ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِمَن يُنْكِرُ أنْ يَتَأخَّرَ إيمانُهم عَنِ البَيانِ فَقالَ: ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ، تَنْبِيهًا لِمَن قَدْ يَطْلُبُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيهِمْ بَوادِرَ العَذابِ أوْ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ لِيُؤْمِنُوا، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِإيمانِ مَن قَضى بِكُفْرِهِ، بَلْ يَسْتَوِي في التَّكْذِيبِ حالُهُ قَبْلَ مَجِيءِ الآياتِ وبَعْدَها لِيَكُونَ سَبَبًا لِهَلاكِهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَلى مُحاوَلَةِ ما يُرِيدُونَهُ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ لِأنَّ السَّبَبَ هو العَراقَةُ في الإجْرامِ؛ وهو قَطْعُ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ، فَحَيْثُ ما وُجِدَ جَزاؤُهُ؛ والإهْلاكُ: الإيقاعُ فِيما لا يُتَخَلَّصُ مِنهُ مِنَ العَذابِ؛ والقَرْنُ: أهْلُ العَصْرِ لِمُقارَنَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

ولَمّا صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ لِكُلِّ مُجْرِمٍ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أشْرَفُ رُسُلِنا ﴿خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لا في خُصُوصِ ما كانُوا فِيهُ، ولَمّا كانَ زَمانُنا لَمْ يَسْتَغْرِقْ ما بَعْدَ زَمانِ المُهْلَكِينَ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ القُرُونِ المُهْلَكَةِ إهْلاكَ الِاسْتِئْصالِ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ ونَحْنُ - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - أعْلَمُ بِكم مِن أنْفُسِكُمْ، وإنَّما ذَلِكَ لِنَراهُ في عالَمِ الشَّهادَةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فَيَتَعَلَّقُ نَظَرُنا بِأعْمالِكم مَوْجُودَةً تَخْوِيفًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن أنْ يُجْرِمُوا فَيُصِيبَهم ما أصابَ مَن قَبْلَهم.

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ مَن قُضِيَ بِشَقاوَتِهِ لا يَتَأتّى إيمانُهُ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ حَتّى تَنْزِلَ [بِهِ] سَطْوَتُهُ وتُذِيقُهُ بَأْسَهُ ونِقْمَتَهُ. وكانَ القُرْآنُ أعْظَمَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ إلى النّاسِ لِما لا يَخْفى. أتْبَعَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] بِقَوْلِهِ بَيانًا لِذَلِكَ: ﴿وإذا تُتْلى﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إيذانًا بِتَكْذِيبِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ أيِّ تالٍ كانَ. وأبْداهُ مُضارِعًا إشارَةً إلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ ولَوْ تَكَرَّرَتِ التِّلاوَةُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ النّاسِ ﴿آياتُنا﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإسْنادِها إلَيْنا ﴿بَيِّناتٍ﴾ فَإنَّهُ مَعَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمّا لَزِمَهم بِهِ الإقْرارُ بِحَقِيقَتِهِ قالُوا فِيهِ ما لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّلاعُبُ والعِنادُ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ [يونس: ١٤] - الآيَةَ - والِالتِفاتُ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم لِلْإعْراضِ لِإساءَتِهِمُ الخِلافَةَ، والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الوَصْفَ عِلَّةُ قَوْلِهِمْ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالرَّجاءِ تَرْغِيبًا لَهم لِأنَّ الرَّجاءَ مَحَطُّ أمْرِهِمْ في طَلَبِ تَعْجِيلِهِ لِلْخَيْرِ ودَفْعِهِ لِلضَّمِيرِ. فَكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَرْجُوا لِقاءَهُ تَعالى رَغْبَةً في مِثْلِ ما أعَدَّهُ لِمَن أجابَهُ، ولَوَّحَ إلى الخَوْفِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى الإقْبالِ ﴿ائْتِ﴾ أيْ مِن عِنْدِكَ ﴿بِقُرْآنٍ﴾ أيْ كَلامٍ مَجْمُوعٍ جامِعٍ لِما تُرِيدُ ﴿غَيْرِ هَذا﴾ في نَظْمِهِ ومَعْناهُ ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ أيْ بِألْفاظٍ أُخْرى والمَعانِي باقِيَةٌ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ ﷺ مِثْلُهم في العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ ولَكِنَّهم قَصَدُوا أنَّهُ يَأْخُذُ في التَّعْبِيرِ حِرْصًا عَلى إجابَةِ مَطْلُوبِهِمْ فَيَبْطُلَ مُدَّعاهُ أوْ يَهْلَكَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أقُولُ لَهُمْ؟ قالَ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ﴾ أيْ: يَصِحُّ ويُتَصَوَّرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿لِي﴾ ولَمّا كانَ التَّبْدِيلُ يَعُمُّ القِسْمَيْنِ الماضِيَيْنِ قالَ: ﴿أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ وقالَ: ﴿مِن تِلْقاءِ﴾ أيْ عِنْدَ وقِبَلَ ﴿نَفْسِي﴾ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في إنْكارِ تَبْدِيلِ الَّذِي أنْزَلَهُ بِالنَّسْخِ بِحَسْبِ المَصالِحِ كَما أنْزَلَ أصْلَهُ لِمَصْلَحَةِ العِبادِ مَعَ نَسْخِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ بِهِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِي ﴿إلا ما﴾ ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ أنَّ المُوحِيَ إلَيْهِ اللَّهُ قالَ: ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ [أيْ] سَواءٌ كانَ بَدَلًا أوْ أصْلًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿إنِّي أخافُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ والمُوجِدَ لِي والمُرَبِّيَ والمُدَبِّرَ بِفِعْلِ غَيْرِ ما شَرَعَ لِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَإنِّي مُؤْمِنٌ بِهِ غَيْرُ مُكَذِّبٍ ولا شاكٍّ كَغَيْرِي مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ مِنَ الهَذَيانِ بِما لا يَخافُ عاقِبَتَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وإذا خِفْتُهُ - مَعَ اسْتِحْضارِ صِفَةِ الإحْسانِ - هَذا الخَوْفَ فَكَيْفَ يَكُونُ خَوْفِي مَعَ اسْتِحْضارِ صِفَةِ الجَلالِ.

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

ولَمّا تَمَّ ما دَفَعَ بِهِ مَكْرَهم في طَعْنِهِمْ، أتْبَعَهُ بِعُذْرِهِ ﷺ في الإبْلاغِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وما تَلاهُ إلّا بِإذْنِهِ فَيَجْتَثُّ طَعْنَهم مِن أصْلِهِ ويُزِيلُهُ بِحَذافِيرِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم مُعَلِّمًا أنَّهُ سُبْحانَهُ إمّا أنْ يَشاءَ الفِعْلَ وإمّا أنْ يَشاءَ عَدَمَهُ ولَيْسَتْ ثَمَّ حالَةُ سُكُوتٍ أصْلًا ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها أنْ لا أتْلُوهُ عَلَيْكم ﴿ما تَلَوْتُهُ﴾ أيْ تابَعْتُ قِراءَتَهُ أنا ﴿عَلَيْكم ولا أدْراكُمْ﴾ أيْ أعْلَمَكم عَلى وجْهِ المُعالَجَةِ هو سُبْحانَهُ ﴿بِهِ﴾ عَلى لِسانِي؛ ولَمّا كانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أتْبَعَهُ السَّبَبَ المُعَرِّفَ بِهِ فَقالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ ولَمّا كانَ عُمْرُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ قالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً بِغَيْرٍ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ لِكَوْنِ اللَّهِ لَمْ يَشَأْ واحِدًا مِنهُما إذْ ذاكَ، ثُمَّ أتَيْتُكم بِهَذا الكِتابِ الأحْكَمِ المُشْتَمِلِ عَلى حَقائِقِ عِلْمِ الأُصُولِ ودَقائِقِ عِلْمِ الفُرُوعِ ولَطائِفِ عِلْمِ الأخْلاقِ وأسْرارِ قَصَصِ الأوَّلِينَ في عِبارَةٍ قَدْ عَجَزْتُمْ - وأنْتُمْ أفْصَحُ النّاسِ وأبْلَغُهم - عَنْ مُعارَضَةِ آيَةٍ مِنها، فَوَقَعَ بِذَلِكَ العِلْمُ القَطْعِيُّ الظّاهِرُ جِدًّا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ إنْكارَ العَقْلِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي - في مَعْرِفَةِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ عَنْهُ - كَوْنُ النّاظِرِ في أمْرِهِ وأمْرِي مِن أهْلِ العَقْلِ، أيْ أفَلا يَكُونُ لَكم عَقْلٌ فَتَعْرِفُوا بِهِ حَقِيقَةَ القُرْآنِ بِما أرْشَدَكم إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا البُرْهانِ الظّاهِرِ والسُّلْطانِ القاهِرِ القائِمِ عَلى أنَّهُ ما يَصِحُّ لِي بِوَجْهٍ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِي لِأنِّي مِثْلُكم [و] قَدْ عَرَفْتُمْ أنَّكم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ التَّظاهُرِ، فَأنا وحْدِي - مَعَ كَوْنِي أُمِّيًّا - أعْجِزُ، ومِن أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ ما بَلَغَكُمْ، ومِن أنِّي مَكَثْتُ فِيكم إتْيانِي بِهِ زَمَنًا طَوِيلًا لا أتْلُو عَلَيْكم شَيْئًا ولا أدَّعِي فِيكم عِلْمًا ولا أتَرَدَّدُ إلى عالِمٍ؛ وتَعْرِفُوا أنَّ قائِلَ ما قُلْتُمْ مُكَذِّبٌ بِآياتِ اللَّهِ، وفاعِلُ ما طَلَبْتُمْ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ، وكُلٌّ مِن ذَلِكَ أظْلَمُ الظُّلْمِ ﴿فَمَن﴾ أيْ: فَهو سَبَبٌ لِأنْ يُقالَ: مَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ، وكانَ الأصْلُ: مِنِّي، عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما زَعَمْتُمْ، ولَكِنَّهُ وضَعَ هَذا الظّاهِرَ مَكانَهُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الكَذِبِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ فَهو لا يُفْلِحُ لِأنَّهُ مُجْرِمٌ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ فَقَدْ وضَحَ \ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ وإلْحاقُ الوَعِيدِ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالآياتِ بَعْدَ ثُبُوتِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ والإعْلامِ بِأنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ في كُلِّ ما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِمّا نَهى عَنْهُ وكَذَّبُوا بِآياتِهِ، والإتْيانُ بِالغَيْرِ قَدْ يَكُونُ مَعَ وُجُودِ الأوَّلِ والتَّبْدِيلُ لا يَكُونُ إلّا …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

ولَمّا تَمَّ ما دَفَعَ بِهِ مَكْرَهم في طَعْنِهِمْ، أتْبَعَهُ بِعُذْرِهِ ﷺ في الإبْلاغِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ وما تَلاهُ إلّا بِإذْنِهِ فَيَجْتَثُّ طَعْنَهم مِن أصْلِهِ ويُزِيلُهُ بِحَذافِيرِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم مُعَلِّمًا أنَّهُ سُبْحانَهُ إمّا أنْ يَشاءَ الفِعْلَ وإمّا أنْ يَشاءَ عَدَمَهُ ولَيْسَتْ ثَمَّ حالَةُ سُكُوتٍ أصْلًا ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها أنْ لا أتْلُوهُ عَلَيْكم ﴿ما تَلَوْتُهُ﴾ أيْ تابَعْتُ قِراءَتَهُ أنا ﴿عَلَيْكم ولا أدْراكُمْ﴾ أيْ أعْلَمَكم عَلى وجْهِ المُعالَجَةِ هو سُبْحانَهُ ﴿بِهِ﴾ عَلى لِسانِي؛ ولَمّا كانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أتْبَعَهُ السَّبَبَ المُعَرِّفَ بِهِ فَقالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ ولَمّا كانَ عُمْرُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ قالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً بِغَيْرٍ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ لِكَوْنِ اللَّهِ لَمْ يَشَأْ واحِدًا مِنهُما إذْ ذاكَ، ثُمَّ أتَيْتُكم بِهَذا الكِتابِ الأحْكَمِ المُشْتَمِلِ عَلى حَقائِقِ عِلْمِ الأُصُولِ ودَقائِقِ عِلْمِ الفُرُوعِ ولَطائِفِ عِلْمِ الأخْلاقِ وأسْرارِ قَصَصِ الأوَّلِينَ في عِبارَةٍ قَدْ عَجَزْتُمْ - وأنْتُمْ أفْصَحُ النّاسِ وأبْلَغُهم - عَنْ مُعارَضَةِ آيَةٍ مِنها، فَوَقَعَ بِذَلِكَ العِلْمُ القَطْعِيُّ الظّاهِرُ جِدًّا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ إنْكارَ العَقْلِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي - في مَعْرِفَةِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ عَنْهُ - كَوْنُ النّاظِرِ في أمْرِهِ وأمْرِي مِن أهْلِ العَقْلِ، أيْ أفَلا يَكُونُ لَكم عَقْلٌ فَتَعْرِفُوا بِهِ حَقِيقَةَ القُرْآنِ بِما أرْشَدَكم إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا البُرْهانِ الظّاهِرِ والسُّلْطانِ القاهِرِ القائِمِ عَلى أنَّهُ ما يَصِحُّ لِي بِوَجْهٍ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِي لِأنِّي مِثْلُكم [و] قَدْ عَرَفْتُمْ أنَّكم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ التَّظاهُرِ، فَأنا وحْدِي - مَعَ كَوْنِي أُمِّيًّا - أعْجِزُ، ومِن أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ ما بَلَغَكُمْ، ومِن أنِّي مَكَثْتُ فِيكم إتْيانِي بِهِ زَمَنًا طَوِيلًا لا أتْلُو عَلَيْكم شَيْئًا ولا أدَّعِي فِيكم عِلْمًا ولا أتَرَدَّدُ إلى عالِمٍ؛ وتَعْرِفُوا أنَّ قائِلَ ما قُلْتُمْ مُكَذِّبٌ بِآياتِ اللَّهِ، وفاعِلُ ما طَلَبْتُمْ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ، وكُلٌّ مِن ذَلِكَ أظْلَمُ الظُّلْمِ ﴿فَمَن﴾ أيْ: فَهو سَبَبٌ لِأنْ يُقالَ: مَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ، وكانَ الأصْلُ: مِنِّي، عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما زَعَمْتُمْ، ولَكِنَّهُ وضَعَ هَذا الظّاهِرَ مَكانَهُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الكَذِبِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ فَهو لا يُفْلِحُ لِأنَّهُ مُجْرِمٌ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ فَقَدْ وضَحَ \ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ ﷺ وإلْحاقُ الوَعِيدِ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالآياتِ بَعْدَ ثُبُوتِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ والإعْلامِ بِأنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ في كُلِّ ما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِمّا نَهى عَنْهُ وكَذَّبُوا بِآياتِهِ، والإتْيانُ بِالغَيْرِ قَدْ يَكُونُ مَعَ وُجُودِ الأوَّلِ والتَّبْدِيلُ لا يَكُونُ إلّا …

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، قَدَّمَ الضُّرَّ لِذَلِكَ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعَمِهِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى مَنعِ شَيْءٍ مِنها، فَعَلَيْهِمْ أنْ يُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ أيْ: أصْلًا مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِتَبْدِيلٍ أوْ غَيْرِهِ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ وإلّا كانَتْ عِبادَتُهُ عَبَثًا، مُعْرِضِينَ عَمّا جاءَهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ [مِن] عِنْدَ مَن يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَضُرُّهم ويَنْفَعُهم ولا يَمْلِكُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أحَدٌ سِواهُ، وقَدْ أقامَ الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وفي هَذا غايَةُ التَّبْكِيتِ لَهم بِمُنابَذَةِ العَقْلِ مَعَ ادِّعائِهِمْ رُسُوخَ الأقْدامِ فِيهِ وتَمَكُّنَ المَجالِ مِنهُ؛ والعِبادَةُ: خُضُوعٌ بِالقَلْبِ في أعْلى مَراتِبِ الخُضُوعِ؛ ثُمَّ عَجِبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ قَوْلُهُ ذَلِكَ مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى يُجَدِّدُوا قَوْلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهُ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأصْنامُ أوْ غَيْرُهم ﴿شُفَعاؤُنا﴾ أيْ: ثابِتَةٌ شَفاعَتُهم لَنا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الدُّنُوُّ مِن شَيْءٍ مِن حَضْرَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ، وقَدْ مَضى إبْطالُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ المَقالَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] وفِيهِ تَخْجِيلُهم في العَجْزِ عَنْ تَبْدِيلِ القُرْآنِ أوِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهم في ذَلِكَ فَصاحَتُهم ولا أغْنَتْ عَنْهم شَيْئًا بَلاغَتُهُمْ، وأعْوَزَهم في شَأْنِهِ فُصَحاؤُهُمْ، وضَلَّ عَنْهم شُفَعاؤُهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ ما مِن شَفِيعٍ إلّا بِإذْنِهِ مِن بَعْدُ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِماذا أُجِيبُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ هَذا العِلْمَ: ﴿أتُنَبِّئُونَ﴾ أيْ: تُخْبِرُونَ إخْبارًا عَظِيمًا ﴿اللَّهِ﴾ وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ المُحِيطُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ أيْ: لا يُوجَدُ لَهُ بِهِ عِلْمٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِغايَةِ الإيضاحِ، كَرَّرَ النّافِيَ تَصْرِيحًا فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ وفي ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِعُقُولِهِمْ مِمّا لا يَقْدِرُونَ عَلى الطَّعْنِ فِيهِ بِوَجْهِ ما يُخْجِلُ الجَمادَ، فَإنَّ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لِلَّهِ لا يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ أصْلًا، فَلا نَفْيَ أبْلَغُ مِن هَذا، كَما أنَّكَ إذا بالَغْتَ في نَفْيِ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِكَ تَقُولُ: هَذا شَيْءٌ ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنِّي.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى هُنا ما هم عَلَيْهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ورَكاكَةِ الآراءِ، خَتَمَ ذَلِكَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ تَنَزُّهًا لا يُحاطُ بِهِ ﴿وتَعالى﴾ أيْ: وفَعَلَ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ فِعْلَ المُبالِغِ في التَّنَزُّهِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الإشْراكَ بِهِ.

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

ولَمّا بَيَّنَ شِرارَتَهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وخَتَمَ بِتَنْزِيهِهِ وكَمالِهِ، بَيَّنَ أنَّ هَذا الدِّينَ الباطِلَ حادِثٌ، وبَيَّنَ نَزاهَتَهُ وكَمالَهُ بِبَيانِ أنَّ النّاسَ كانُوا أوَّلًا مُجْتَمِعِينَ عَلى طاعَتِهِ ثُمَّ خالَفُوا أمْرَهُ فَلَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَلِ اسْتَمَرَّ فِي إمْهالِهِمْ مَعَ تَمادِيهِمْ في سُوءِ أعْمالِهِمْ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ ومَضى بِهِ قَضاؤُهُ فَقالَ تَعالى: \ ﴿وما كانَ النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّهم مَعَ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿إلا أُمَّةً﴾ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ وحْدَتَهم في القَصْدِ حَقَّقَهُ وأكَّدَهُ فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ [أيْ] حُنَفاءَ مُتَّفِقِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَقِبَ وحْدَتِهِمْ بِسَبَبِ ما لَهم مِنَ النَّوْسِ فاسْتَحَقَّ كافِرُهم تَنْجِيزَ العِقابِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ ﴿سَبَقَتْ﴾ أيْ: في الأزَلِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِرَحْمَةِ أُمَّتِكَ بِإمْهالِهِمْ، وبَيَّنَ التَّأْكِيدَ بِما دَلَّ عَلى القَسَمِ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُهم لِأجْلِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: عاجِلًا بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿فِيما﴾ [ولَمّا لَمْ يُبَيِّنِ الكَلامَ عَلى الِاتِّخاذِ الَّذِي مَحَطُّ أمْرِهِ مُعالَجَةٌ بِالباطِنِ، لَمْ يَذْكُرِ الضَّمِيرَ بِخِلافِ الزُّمَرِ فَقالَ]:﴿فِيهِ﴾ أيْ: لا في غَيْرِهِ بِأنْ يُعَجِّلَ جَزاءَهم عَلَيْهِ: ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وأشارَ ذَلِكَ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي دَعَوْا إلَيْهِ لَيْسَ أمْرًا طارِئًا حادِثًا فَيَكُونُ بِحَيْثُ يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِلنَّظَرِ في عَواقِبِهِ والتَّأمُّلِ في مَصادِرِهِ ومَوارِدِهِ، بَلْ هو - مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِهِ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ وصِحَّةِ مَذاهِبِهِ وإلْقاءِ الفِطَرِ أزِمَّةَ الِانْقِيادِ إلَيْهِ - أصْلُ ما كانَ العِبادُ عَلَيْهِ، وما هم فِيهِ الآنَ هو الطّارِئُ الحادِثُ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ ووُضُوحِ سَقَمِهِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] دالٌّ عَلى أنَّهم قِسْمانِ: كافِرٌ ومُؤْمِنٌ؛ والأُمَّةُ: الجَماعَةُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ في خُلُقٍ واحِدٍ كَأنَّها تَؤُمُّ - أيْ: تَقْصِدُ - شَيْئًا واحِدًا.

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

ثُمَّ قالَ تَعالى عَطْفًا [عَلى] قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ١٨] ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: أنَّهم لَمّا أتَتْهُمُ البَيِّناتُ قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، كافِرِينَ بِمُنْزِلِها عابِدِينَ مِن دُونِهِ ما لا يَرْضى عاقِلٌ بِتَسْوِيَتِهِ [بِنَفْسِهِ] فَكَيْفَ بِعِبادَتِهِ [قائِلِينَ بِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَمادِيهِمْ في التَّمَرُّدِ]: ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ﴾ [أيْ بِأيِّ وجْهٍ كانَ] ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ كائِنَةٌ وآتِيَةٌ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ غَيْرَ ما جاءَ بِهِ؛ وذَلِكَ إمّا لِطَلَبِهِمْ آيَةً مُلْجِئَةً لَهم إلى الإيمانِ أوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعُدُّوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِدادَ الآياتِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها بَيِّناتٍ، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً في الآياتِ دَقِيقَةَ المَسْلَكِ بَيْنَ المُعْجِزاتِ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِتَبْدِيلٍ أوْ غَيْرِهِ، فَأيُّ عِنادٍ أعْظَمَ مِن هَذا.

ولَمّا كانَ في ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، قالَ [مُسَبَّبًا عَنْ قَوْلِهِمْ]: ﴿فَقُلْ﴾ قاصِرًا قَصْرًا حَقِيقِيًّا ﴿إنَّما الغَيْبُ﴾ أيِ الَّذِي عَناهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهو ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ أصْلًا.

﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ وحْدَهُ، لا عِلْمَ لِي بِعِلَّةِ عَدَمِ إنْزالِ ما تُرِيدُونَ، وهَلْ تُجابُونَ إلَيْهِ أوْ لا.

ولَمّا خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالعِلْمِ. وكانَ إنْزالُ الآياتِ مِنَ المُمْكِناتِ. سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: فَما تَعْمَلُ أنْتَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: في هَذا الأمْرِ غَيْرُ مُخالِفٍ لَكم في التَّشَوُّفِ إلى آيَةٍ تَحْصُلُ بِها هِدايَتُكُمْ، ثُمَّ حَقَّقَ المَعْنى وأكَّدَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ أيْ: لِما يَرِدُ عَلَيَّ مِن آيَةٍ وغَيْرِها.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.