Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 121–129 of 129

121

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.

Explained together with ayah 120

At-Tawba 9:121Listen in Qur'an →
122

۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn their people when they return to them that they might be cautious.

ندب تَعالى المُؤمنِينَ إلى التفقه في الدّين وهو تعلمه وإنذار قَومهمْ إذا رجعُوا إليهم وهو التَّعْلِيم.

وَقد اخْتلف في الآية فَقيل المَعْنى أن المُؤمنِينَ لم يَكُونُوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل يَنْبَغِي أن ينفر من كل فرقة مِنهُم طائِفَة تتفقه تِلْكَ الطّائِفَة ثمَّ ترجع تعلم القاعدين، فَيكون النفير على هَذا نفير تعلم، والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد، وعَلى هَذا حملها الشّافِعِي وجَماعَة.

وَقالَت طائِفَة أخرى المَعْنى وما كانَ المُؤْمِنُونَ لينفروا إلى الجِهاد كلهم بل يَنْبَغِي أن تنفر طائِفَة للْجِهاد، وفرْقَة تقعد تتفقه في الدّين، فَإذا جاءَت الطّائِفَة الَّتِي نفرت فقهتها القاعِدَة، وعلمتها ما أنْزلْ من الدّين والحلال والحرام، وعَلى هَذا فَيكون قَوْله ﴿ليتفقهوا﴾ و ﴿لينذروا﴾ للفرقة الَّتِي نفرت مِنها طائِفَة.

وَهَذا قَول الأكثرين، وعَلى هَذا فالنفير نفير جِهاد على أصله فَإنَّهُ حَيْثُ اسْتعْمل إنَّما يفهم مِنهُ الجِهاد قالَ الله تَعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدُوا بأموالكم وأنْفُسكُمْ﴾

وَقالَ النَّبِي ﷺ "لا هِجْرَة بعد الفَتْح ولَكِن جِهاد ونِيَّة وإذا استنفرتم فانفروا"

وَهَذا هو المَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة وعَلى القَوْلَيْنِ فَهو ترغيب في التفقه في الدّين وتعلمه وتعليمه فَإن ذَلِك يعدل الجِهاد بل رُبما يكون أفضل مِنهُ.

(فائدة)

وإذا وقع الماضي بعد حرف التحضيض صلح أيضا للماضي والمستقبل كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾

والصواب أن الماضي هاهنا باق على وضعه لم يتغير عنه كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾

ويقول: هلا اتقيت الله تعالى فيما أتيت والآية إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذم المتخلفين عن رسول الله فأخبر تعالى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كافة ثم وبخهم توبيخا متضمنا للحض على أن ينفر بعضهم ويقعد بعضهم.

وأصح القولين أنه ينفر منهم طائفة في السرايا والبعوث وتقعد طائفة تتفقه في الدين فتنذر القاعدة الطائفة النافرة إذا رجعت إليهم وتخبرهم بما نزل بعدهم من الحلال والحرام والأحكام لوجوه:

أحدها: أن الآية هي في سياق النفير في الجهاد وتوبيخ القاعدين عنه.

الثاني: أن النفير إنما يكون في الغزو ولا يقال لمن سافر في طلب العلم إنه نفر ولا استنفر، ولا يقال للسفر فيه نفير.

الثالث: أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم، فالنافرون أهل الجهاد، والقاعدون أهل التفقه، والدين إنما يتم بالجهاد والعلم، فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد، وطائفة بالتفقه في الدين، ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها.

وأما إذا جعل النفير فيها نفيرا لطلب العلم لم يكن فيها تعرض للجهاد مع إخراج النفير عن موضعه.

والذي أوجب لهم دعوى أن النفير في طلب العلم أنهم رأوا الضمير إنما يعود على المذكور القريب، فالمنذرون هم النافرون وهم المتفقهون.

وجواب هذا الضمير إنما يرجع إلى الأقرب عند سلامته من معارض يقتضي الأبعد، وقد بينا أن السياق يقتضي أن القاعد هو المتفقة المنذر للنافر الراجع.

والمقصود أن نفر في الآية ماض وإنما يفهم منه الاستقبال، لأن التحضيض يؤذن به، والتحقيق في هذا الموضع أن لفظه (لولا) و (هلا) إن تجرد للتوبيخ لم يتغير الماضي عن وضعه، وإن تجرد للتحضيض تغير إلى الاستقبال، وإن كان توبيخا مشربا معنى التحضيض صلح للأمرين، وإن وقع بعد (كلما) جاز أن يراد به المضي كقوله تعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾

وأن يراد به الاستقبال كقوله ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم …

At-Tawba 9:122Listen in Qur'an →
123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

O you who have believed, fight those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allah is with the righteous.

Explained together with ayah 122

At-Tawba 9:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

And whenever a surah is revealed, there are among the hypocrites those who say, "Which of you has this increased faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم نزولها فنسب إليها؟

قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها بل هاهنا أمر ثالث وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله.

قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر.

قال أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعا﴾ وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها.

فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه …

At-Tawba 9:124Listen in Qur'an →
125

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil. And they will have died while they are disbelievers.

فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم نزولها فنسب إليها؟

قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها بل هاهنا أمر ثالث وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله.

قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر.

قال أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعا﴾ وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها.

فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه …

At-Tawba 9:125Listen in Qur'an →
126

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

Explained together with ayah 125

At-Tawba 9:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

And whenever a surah is revealed, they look at each other, [saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allah has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

وأما الصرف فقال تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن فعلهم، وهو الانصراف، وعن فعله فيهم، وهو صرف قلوبهم أن القرآن وتدبره، لأنهم ليسوا أهلا لها. فالمحل غير صالح ولا قابل.

فإن صلاحية المحل بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد.

وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل الإيمان بسببه إلى قلوبهم. فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم، يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم. هذا السماع الخاص، وهو الكبر التولي والاعراض. فالأول: مانع من الفهم. والثاني: مانع من الانقياد والإذعان.

فأفهامهم سيئة وقصودهم رديئة وهذه سمة الضلال وعلم الشقاء. كما أن سمة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح، وقصد صالح. والله المستعان.

وتأمل قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة - عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول. فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لا قبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن. فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه. ولتكن قصة إبليس منكر على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع. فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية. فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها، صغيرها وكبيرها. وصار هذا الإعراض والكفر عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق. فمن عقاب السيئة السيئة بعدها. كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد قال تعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ و ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فإذا كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين، فكيف ينعي ذلك عليهم؟

قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وهيأ لهم الأسباب. فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله. وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردى وأسباب الفلاح. وجعل لهم أسماعا وأبصارا، فآثروا الهوى على التقوى، واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا:

معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك. فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته. فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم. فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا، فسده عليهم اضطرارا. فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه. وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون. فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله. ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة. ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، والطيب والخبيث والملائكة والشياطين، والنساء والذباب، ومعطيها آلاتها وصفاتها وقواها وأفعالها ومستعملها فيما خلقت له. فبعضها بطباعها، …

At-Tawba 9:127Listen in Qur'an →
128

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you and to the believers is kind and merciful.

[لطيفة: الموطن الخامِس والثَّلاثُونَ من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عقيب الصَّلَوات]

ذكره الحافِظ أبُو مُوسى وغَيره ولم يذكرُوا في ذَلِك سوى حِكايَة ذكرها أبُو مُوسى المَدِينِيّ من طَرِيق عبد الغَنِيّ بن سعيد قالَ سَمِعت إسْماعِيل بن أحْمد بن إسْماعِيل الحاسب قالَ أخْبرنِي أبُو بكر مُحَمَّد بن عمر قالَ كنت عند أبي بكر بن مُجاهِد فجاء الشبلي فَقامَ إلَيْهِ أبُو بكر بن مُجاهِد فعانقه وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت لَهُ يا سَيِّدي يفعل هَذا بالشبلي وأنت وجَمِيع من بِبَغْداد يتصورونه أنه مَجْنُون؟

فَقالَ لي فعلت بِهِ كَما رَأيْت رَسُول الله ﷺ يفعل بِهِ وذَلِكَ أنِّي رَأيْت رَسُول الله ﷺ في المَنام وقد أقبل الشبلي فَقامَ إلَيْهِ وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت يا رَسُول الله أتفعل هَذا بالشبلي فَقالَ هَذا يقْرَأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنفسكُم﴾ إلى آخرها ويتبعها بِالصَّلاةِ عَليّ.

وَفِي رِوايَة أنه لم يصل صَلاة فَرِيضَة إلّا ويقْرَأ خلفها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السُّورَة ويَقُول ثَلاث مَرّات صلى الله عَلَيْك يا مُحَمَّد.

قالَ فَلَمّا دخل الشبلي سَألته عَمّا يذكر بعد الصَّلاة فَذكر مثله.

At-Tawba 9:128Listen in Qur'an →
129

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

[لطيفة: الموطن الخامِس والثَّلاثُونَ من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عقيب الصَّلَوات]

ذكره الحافِظ أبُو مُوسى وغَيره ولم يذكرُوا في ذَلِك سوى حِكايَة ذكرها أبُو مُوسى المَدِينِيّ من طَرِيق عبد الغَنِيّ بن سعيد قالَ سَمِعت إسْماعِيل بن أحْمد بن إسْماعِيل الحاسب قالَ أخْبرنِي أبُو بكر مُحَمَّد بن عمر قالَ كنت عند أبي بكر بن مُجاهِد فجاء الشبلي فَقامَ إلَيْهِ أبُو بكر بن مُجاهِد فعانقه وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت لَهُ يا سَيِّدي يفعل هَذا بالشبلي وأنت وجَمِيع من بِبَغْداد يتصورونه أنه مَجْنُون؟

فَقالَ لي فعلت بِهِ كَما رَأيْت رَسُول الله ﷺ يفعل بِهِ وذَلِكَ أنِّي رَأيْت رَسُول الله ﷺ في المَنام وقد أقبل الشبلي فَقامَ إلَيْهِ وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت يا رَسُول الله أتفعل هَذا بالشبلي فَقالَ هَذا يقْرَأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنفسكُم﴾ إلى آخرها ويتبعها بِالصَّلاةِ عَليّ.

وَفِي رِوايَة أنه لم يصل صَلاة فَرِيضَة إلّا ويقْرَأ خلفها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السُّورَة ويَقُول ثَلاث مَرّات صلى الله عَلَيْك يا مُحَمَّد.

قالَ فَلَمّا دخل الشبلي سَألته عَمّا يذكر بعد الصَّلاة فَذكر مثله.

At-Tawba 9:129Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.