Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Bahr al-'Ulum by Abu al-Layth al-Samarqandi

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا من الشرك. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: أقروا بهما، فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، يعني: هم مؤمنون مثلكم. وَنُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى.

قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني: نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني:

بعد أجله، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقول: وعابوا فِى دِينِكُمْ الإسلام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني: قادة أهل الكفر ورؤساءهم. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ. قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري يعني: لا إسلام لهم، والباقون لا أَيْمانَ بالنصب يعني: لا عهد لهم. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَئِمَّةَ بهمزة، واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ، يعني: لعلهم ينتهون عن نقض العهد.

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا من الشرك. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، يعني: أقروا بهما، فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، يعني: هم مؤمنون مثلكم. وَنُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبيّن العلامات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى.

قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يعني: نقضوا عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ يعني:

بعد أجله، وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ يقول: وعابوا فِى دِينِكُمْ الإسلام، فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ يعني: قادة أهل الكفر ورؤساءهم. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ. قرأ ابن عامر لا أَيْمانَ بالكسر، وهي قراءة الحسن البصري يعني: لا إسلام لهم، والباقون لا أَيْمانَ بالنصب يعني: لا عهد لهم. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَئِمَّةَ بهمزة، واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ، يعني: لعلهم ينتهون عن نقض العهد.

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.

قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» . - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ: «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟ في النسخة «ب» نقضتم. فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:

ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:

اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا

إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا

هم بيّتونا بالوتين هجدا في النسخة: «ب» بالحطيم. ... وقتلونا ركّعا وسجّدا

إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا

وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة. وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله ﷺ بأبيات أنشده إياها.

فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن …

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.

قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» . - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ: «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟ في النسخة «ب» نقضتم. فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:

ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:

اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا

إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا

هم بيّتونا بالوتين هجدا في النسخة: «ب» بالحطيم. ... وقتلونا ركّعا وسجّدا

إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا

وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة. وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله ﷺ بأبيات أنشده إياها.

فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن …

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.

قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» . - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ: «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟ في النسخة «ب» نقضتم. فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:

ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:

اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا

إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا

هم بيّتونا بالوتين هجدا في النسخة: «ب» بالحطيم. ... وقتلونا ركّعا وسجّدا

إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا

وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة. وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله ﷺ بأبيات أنشده إياها.

فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن …

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش، وذلك قبل فتح مكة، فقال عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ يقول: هموا لقتال الرسول، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بنقض العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة. أَتَخْشَوْنَهُمْ أي: أفلا تقاتلونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك أمره، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى.

ثم وعد لهم النصرة، فقال: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، يعني: بالقتل والهزيمة وَيُخْزِهِمْ يعني: ويذلهم بالهزيمة، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ يعني: على قريش، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني: ويفرح قلوب بني خزاعة. وفي الآية دلالة نبوة محمد ﷺ، لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبيّ ﷺ أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم.

قال الفقيه: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال: حدثنا محمد بن الحسن الجوى باري قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عكرمة قال: لما واعد رسول الله ﷺ أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حُلفاء رسول الله ﷺ في الجاهلية، وكان بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو خزاعة في صلح رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر في صلح قريش، ثم كان بين بني خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدت قريش بني بكر بسلاح وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشاً خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد وجدد الحلف ثانيا، فليس في قوم أطعموا قوماً ما يكون فيه نقض عهد- يعني: إن الذي أطعم الطعام فلا يكون عليه نقض عهد ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» . - فانطلق أبو سفيان في ذلك، فلما قصد أبو سفيان المدينة قال رسول الله ﷺ: «قَدْ جَاءَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَسَيَرْجِعُ رَاضِياً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ» . فلما قدم أبو سفيان المدينة، أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، جدد الحلف وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أن نقضتم، أن نقضتم؟ في النسخة «ب» نقضتم. فما كان منه جديداً فأبلاه الله، وما كان منه متيناً أو شديداً فقطعه الله تعالى، فقال له أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة يعني: شاهداً على هلاك قومه مثلك. ثم أتى فاطمة فقال لها: يا فاطمة، هل لك في أمر تسودين فيه نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر، فقالت: الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً فذكر له نحواً من ذلك، فقال له عليّ:

ما رأيت كاليوم رجلاً أضل منك، أنت سيد الناس، فجدِّد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على يساره فقال: أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه فأخبرهم بما صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد قوم والله ما جئتنا بصلح فنأمن، ولا بحرب فنحذر وقدم وافد بني خزاعة على النبيّ ﷺ، فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة، فقال في ذلك شعراً:

اللَّهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا ... حلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا

إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا ميثَاقَكَ المُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا ... وَهُمْ أذلّ وأقلّ عددا

هم بيّتونا بالوتين هجدا في النسخة: «ب» بالحطيم. ... وقتلونا ركّعا وسجّدا

إسلامنا قد صحّ لم ننزع يدا ... فَانْصُرْ رَسُولَ الله نَصْراً أَعْتَدَا

وَابْعَثْ جُنُودَ الله تَأْتِي مَدَدَا ... فِيهِمْ رَسُولُ الله قَدْ تَجَرَّدَا قال السيوطي في الدر المنثور: 4/ 138- 139: أخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور ابن مخرمة. وفيه أن عمرو بن سالم قدم المدينة على رسول الله ﷺ بأبيات أنشده إياها.

فأمر النبيّ ﷺ بالرحيل. وروي في خبر آخر أن …

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد. وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني:

المسجد الحرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني:

المسجد الحرام. ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ، يعني به: النبي ﷺ.

ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان. أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.

ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ ﷺ وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ رضي الله عنه: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.

قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني:

يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد. وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني:

المسجد الحرام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني:

المسجد الحرام. ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ، يعني به: النبي ﷺ.

ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان. أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.

ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ ﷺ وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ رضي الله عنه: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.

قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني:

يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: كإيمان من آمن بالله وَجاهَدَ في طاعة الله. وقال القتبي:

أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ، يعني: صاحب سقاية الحاج كمن آمن بالله؟ ويقال: أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟ كما قال في آية أخرى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج: 40] والصلوات لا تهدم، وإنما أراد به بيوت الصلوات، كما قال مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: 13] ، يعني: أهل قريتك. كذلك هاهنا سقاية الحاج، أراد به صاحب السقاية. قرأ بعضهم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام يعني: جمع الساقي والعامر، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: لا يستوون في الثواب والعمل عند الله. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: لا يرشد المشركين إلى الحجة، ويقال: لا يكرمهم بالمعرفة ما لم يتركوا كفرهم. كما قال في آية أُخرى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] .

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا، يعني: صدقوا بوحدانية الله، وَهاجَرُوا إلى المدينة. وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، يعني: هؤلاء أفضل عند الله، وأفضل درجة في الجنة من الذين لم يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام، ولم يسقوا الحاج. وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يعني: الناجين من النار.

قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ، يعني: يفرحهم بِرَحْمَةٍ، يعني: بجنة مِنْهُ وَرِضْوانٍ رضي الله تعالى عنهم كما قال في آية أخرى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة: 22] بالثواب الذي أعطاهم.

ثم قال تعالى: وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، يعني: دائماً لا ينقطع عنهم. خالِدِينَ فِيها، يعني: مقيمين دائمين في الجنات أَبَداً، هو تأكيد للخلود. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وهي الجنة.

Commentary: Bahr al-'Ulum by Abu al-Layth al-Samarqandi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.