Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ فِيها بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، ونَحْنُ نُفَسِّرُها تارَةً عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ وأُخْرى عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ.

أمّا الأوَّلُ فَنَقُولُ: فالمَرْتَبَةُ الأُولى مِنها وهي أعْلاها وأشْرَفُها كَوْنُ تِلْكَ البِشارَةِ حاصِلَةً مِن رَبِّهِمْ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، وهَذا هو التَّعْظِيمُ والإجْلالُ مِن قِبَلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها نَعِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ المَنافِعِ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، ولا مَعْنى لِلْمُبالَغَةِ في النِّعْمَةِ إلّا خَلُوُّها عَنْ مُمازَجَةِ الكُدُوراتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها دائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ دَوامِها بِثَلاثِ عِباراتٍ:

أوَّلُها: ﴿مُقِيمٌ﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ .

فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ بِمَنفَعَةٍ خالِصَةٍ دائِمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ هَذا الثَّوابِ كامِلَ الدَّرَجَةِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَسْبَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ، ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ المُرادُ مِنهُ خَيْراتُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهم حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ

صفحة ١٤

خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ الإجْلالُ والتَّعْظِيمُ الَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ في الثَّوابِ.

وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ يَقَعُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَفْرَحَ بِالنِّعْمَةِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ.

والثّانِي: أنْ يَفْرَحَ بِها لا مِن حَيْثُ هي بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المُنْعِمَ خَصَّهُ بِها وشَرَّفَهُ، وإنْ عَجَزَ ذِهْنُكَ عَنِ الوُصُولِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَتَأمَّلْ فِيما إذا كانَ العَبْدُ واقِفًا في حَضْرَةِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ، وسائِرُ العَبِيدِ كانُوا واقِفِينَ في خِدْمَتِهِ، فَإذا رَمى ذَلِكَ السُّلْطانُ تُفّاحَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ العَبِيدِ عَظُمَ فَرَحُهُ بِها، فَذَلِكَ الفَرَحُ العَظِيمُ ما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ خَصَّهُ بِذَلِكَ الإكْرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا.

قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ مِنهم مَن كانَ فَرَحُهم بِسَبَبِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْرَحْ بِالفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ وإنَّما فَرِحَ؛ لِأنَّ مَوْلاهُ خَصَّهُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، …

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ فِيها بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، ونَحْنُ نُفَسِّرُها تارَةً عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ وأُخْرى عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ.

أمّا الأوَّلُ فَنَقُولُ: فالمَرْتَبَةُ الأُولى مِنها وهي أعْلاها وأشْرَفُها كَوْنُ تِلْكَ البِشارَةِ حاصِلَةً مِن رَبِّهِمْ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، وهَذا هو التَّعْظِيمُ والإجْلالُ مِن قِبَلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها نَعِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ المَنافِعِ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، ولا مَعْنى لِلْمُبالَغَةِ في النِّعْمَةِ إلّا خَلُوُّها عَنْ مُمازَجَةِ الكُدُوراتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها دائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ دَوامِها بِثَلاثِ عِباراتٍ:

أوَّلُها: ﴿مُقِيمٌ﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ .

فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ بِمَنفَعَةٍ خالِصَةٍ دائِمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ هَذا الثَّوابِ كامِلَ الدَّرَجَةِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَسْبَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ، ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ المُرادُ مِنهُ خَيْراتُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهم حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ

صفحة ١٤

خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ الإجْلالُ والتَّعْظِيمُ الَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ في الثَّوابِ.

وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ يَقَعُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَفْرَحَ بِالنِّعْمَةِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ.

والثّانِي: أنْ يَفْرَحَ بِها لا مِن حَيْثُ هي بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المُنْعِمَ خَصَّهُ بِها وشَرَّفَهُ، وإنْ عَجَزَ ذِهْنُكَ عَنِ الوُصُولِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَتَأمَّلْ فِيما إذا كانَ العَبْدُ واقِفًا في حَضْرَةِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ، وسائِرُ العَبِيدِ كانُوا واقِفِينَ في خِدْمَتِهِ، فَإذا رَمى ذَلِكَ السُّلْطانُ تُفّاحَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ العَبِيدِ عَظُمَ فَرَحُهُ بِها، فَذَلِكَ الفَرَحُ العَظِيمُ ما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ خَصَّهُ بِذَلِكَ الإكْرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا.

قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ مِنهم مَن كانَ فَرَحُهم بِسَبَبِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْرَحْ بِالفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ وإنَّما فَرِحَ؛ لِأنَّ مَوْلاهُ خَصَّهُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، …

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ شُبْهَةٍ أُخْرى ذَكَرُوها في أنَّ البَراءَةَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ أنْ قالُوا: إنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ كافِرًا، والرَّجُلُ الكافِرُ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ أوْ أخُوهُ مُسْلِمًا، وحُصُولُ المُقاطَعَةِ التّامَّةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وأبِيهِ وأخِيهِ كالمُتَعَذَّرِ المُمْتَنِعِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ البَراءَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، كالشّاقِّ المُمْتَنِعِ المُتَعَذَّرِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِيُزِيلَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَمَن لَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ حَتّى يُجانِبَ الآباءَ والأقارِبَ إنْ كانُوا كُفّارًا، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ ؟ والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّبَرِّي عَنِ المُشْرِكِينَ وبالَغَ في إيجابِهِ، قالُوا: كَيْفَ تُمْكِنُ هَذِهِ المُقاطَعَةُ التّامَّةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ أبِيهِ وأُمِّهِ وأخِيهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الِانْقِطاعَ عَنِ الآباءِ والأوْلادِ

صفحة ١٦

والإخْوانِ واجِبٌ بِسَبَبِ الكُفْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ والِاسْتِحْبابُ طَلَبُ المَحَبَّةِ يُقالُ: اسْتَحَبَّ لَهُ، بِمَعْنى أحَبَّهُ، كَأنَّهُ طَلَبَ مَحَبَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهى عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وكانَ لَفْظُ النَّهْيِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وأنْ يَكُونَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، ذَكَرَ ما يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، فَقالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُشْرِكًا مِثْلَهم؛ لِأنَّهُ رَضِيَ بِشِرْكِهِمْ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، كَما أنَّ الرِّضا بِالفِسْقِ فِسْقٌ، قالَ القاضِي: هَذا النَّهْيُ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَتَبَرَّأ المَرْءُ مِن أبِيهِ في الدُّنْيا، كَما لا يَمْنَعُ مِن قَضاءِ دَيْنِ الكافِرِ ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في أعْمالِهِ.

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي تَقْرِيرُ الجَوابِ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُمْكِنُ البَراءَةُ مِنهم بِالكُلِّيَّةِ ؟ وإنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تُوجِبُ انْقِطاعَنا عَنْ آبائِنا وإخْوانِنا وعَشِيرَتِنا، وذَهابَ تِجارَتِنا، وهَلاكَ أمْوالِنا وخَرابَ دِيارِنا، وإبْقاءَنا ضائِعِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَبْقى الدِّينُ سَلِيمًا، وذَكَرَ أنَّهُ إنْ كانَتْ رِعايَةُ هَذِهِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ عِنْدَكم أوْلى مِن طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومِنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَرَبَّصُوا بِما تُحِبُّونَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ، أيْ: بِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ أوْ آجِلَةٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مَصْلَحَةٍ واحِدَةٍ مِن مَصالِحِ الدِّينِ وبَيْنَ جَمِيعِ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وجَبَ عَلى المُسْلِمِ تَرْجِيحُ الدِّينِ عَلى الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وعَشِيراتُكم) بِالجَمْعِ والباقُونَ عَلى الواحِدِ، أمّا مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، فَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكم، ومَن أفْرَدَ قالَ: العَشِيرَةُ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ، واسْتَغْنى عَنْ جَمْعِها، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشِيراتٍ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ الِاقْتِرافُ الِاكْتِسابُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ، وهي أُمُورٌ أرْبَعَةٌ:

أوَّلُها: مُخالَطَةُ الأقارِبِ، وذَكَرَ مِنهم أرْبَعَةَ أصْنافٍ عَلى التَّفْصِيلِ وهُمُ الآباءُ والأبْناءُ والإخْوانُ والأزْواجُ، ثُمَّ ذَكَرَ البَقِيَّةَ بِلَفْظٍ واحِدٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وهي لَفْظُ العَشِيرَةِ.

وثانِيها: المَيْلُ إلى إمْساكِ الأمْوالِ المُكْتَسَبَةِ.

وثالِثُها: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ

صفحة ١٧

الأمْوالِ بِالتِّجارَةِ.

ورابِعُها: الرَّغْبَةُ في المَساكِنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَإنَّ أعْظَمَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَطَةِ القَرابَةُ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِتِلْكَ المُخالَطَةِ إلى إبْقاءِ الأمْوالِ الحاصِلَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالمُخالَطَةِ إلى اكْتِسابِ الأمْوالِ الَّتِي هي غَيْرُ حاصِلَةٍ، وفي آخِرِ المَراتِبِ الرَّغْبَةُ في البِناءِ في الأوْطانِ والدُّورِ الَّتِي بُنِيَتْ لِأجْلِ السُّكْنى، فَذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ الواجِبِ، وبَيَّنَ بِالآخِرَةِ أنَّ رِعايَةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِن رِعايَةِ جُمْلَةِ هَذِهِ الأُمُورِ.

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: النَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، وهو كُلُّ مَوْضِعٍ أقامَ بِهِ الإنْسانُ لِأمْرٍ، فَعَلى هَذا: مَواطِنُ الحَرْبِ مَقاماتُها ومَواقِفُها، وامْتِناعُها مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ

صفحة ١٨

عَلى صِيغَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَيْها واحِدٌ، والمَواطِنُ الكَثِيرَةُ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقالُ: إنَّها ثَمانُونَ مَوْطِنًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَواطِنِ حالَ ما أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى حُنَيْنٍ لِقِتالِ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ قَتادَةُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرِينَ، وكانَ هَوازِنُ وثَقِيفٌ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ ساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ …

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: النَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، وهو كُلُّ مَوْضِعٍ أقامَ بِهِ الإنْسانُ لِأمْرٍ، فَعَلى هَذا: مَواطِنُ الحَرْبِ مَقاماتُها ومَواقِفُها، وامْتِناعُها مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ

صفحة ١٨

عَلى صِيغَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَيْها واحِدٌ، والمَواطِنُ الكَثِيرَةُ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقالُ: إنَّها ثَمانُونَ مَوْطِنًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَواطِنِ حالَ ما أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى حُنَيْنٍ لِقِتالِ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ قَتادَةُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرِينَ، وكانَ هَوازِنُ وثَقِيفٌ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ ساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ …

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ ومَعْنى الإغْناءِ إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تُعْطِكم شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّهم لا يَغْلِبُونَ بِكَثْرَتِهِمْ، وإنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ يُقالُ: رَحُبَ يَرْحُبُ رَحْبًا ورَحابَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحَبِها، ومَعْناهُ مَعَ رَحَبِها ”فَما“ هَهُنا مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّكم لِشِدَّةِ ما لَحِقَكم مِنَ الخَوْفِ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ فَلَمْ تَجِدُوا فِيها مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِفِرارِكم عَنْ عَدُوِّكم، «قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: كانَتْ هَوازِنُ رُماةً، فَلَمّا حَمَلْنا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، وكَبَبْنا عَلى الغَنائِمِ فاسْتَقْبَلُونا بِالسِّهامِ، وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، قالَ البَراءُ: والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُبُرَهُ قَطُّ، قالَ: ورَأيْتُهُ وأبُو سُفْيانَ آخِذٌ بِالرِّكابِ، والعَبّاسُ آخِذٌ بِلِجامِ دابَّتِهِ وهو يَقُولُ: ”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ“ وطَفِقَ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الكُفّارِ لا يُبالِي، وكانَتْ بَغْلَتُهُ شَهْباءَ، ثُمَّ قالَ لِلْعَبّاسِ: نادِ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَجَعَلَ يُنادِي يا عِبادَ اللَّهِ، يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَجاءَ المُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ عُنُقًا واحِدًا، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ كَفًّا مِنَ الحَصى فَرَماهم بِها وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ فَما زالَ أمْرُهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَلِيلًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَبْقَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلّا وقَدِ امْتَلَأتْ عَيْناهُ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ»﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَثْرَةَ لا تَنْفَعُ، وأنَّ الَّذِي أوْجَبَ النَّصْرَ ما كانَ إلّا مِنَ اللَّهِ ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أحَدُها: إنْزالُ السَّكِينَةِ، والسَّكِينَةُ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ القَلْبُ والنَّفْسُ، ويُوجِبُ الأمَنَةَ والطُّمَأْنِينَةَ، وأظُنُّ وجْهَ الِاسْتِعارَةِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا خافَ فَرَّ وفُؤادُهُ مُتَحَرِّكٌ، وإذا أمِنَ سَكَنَ وثَبَتَ، فَلَمّا كانَ الأمْنُ مُوجِبًا لِلسُّكُونِ جَعَلَ لَفْظَ السَّكِينَةِ كِنايَةً عَنِ الأمْنِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٩

أمّا بَيانُ الأوَّلِ: فَهو أنَّ حالَ انْهِزامِ القَوْمِ لَمْ تَحْصُلْ داعِيَةُ السُّكُونِ والثَّباتِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ السُّكُونُ والثَّباتُ، بَلْ فَرَّ القَوْمُ وانْهَزَمُوا، ولَمّا حَصَلَتِ السَّكِينَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ داعِيَةِ السُّكُونِ والثَّباتِ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتُوا عِنْدَهُ وسَكَنُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ.

وأمّا بَيانُ الثّانِي: وهو أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ …

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ في قُلُوبِ القَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ سُورَةِ بَراءَةَ، ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَهُ مِنَ الشِّدَّةِ لِانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا وحاجَةً﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ لَفْظُ المُشْرِكِينَ يَتَناوَلُ عَبَدَةَ الأوْثانِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ، وقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ، وصَحَّحْنا هَذا القَوْلَ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، والَّذِي يُفِيدُ هَهُنا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّجَسُ مَصْدَرُ: نَجِسَ نَجَسًا وقَذِرَ قَذَرًا، ومَعْناهُ ذُو نَجَسٍ، وقالَ اللَّيْثُ: النَّجَسُ الشَّيْءُ القَذِرُ مِنَ النّاسِ ومِن كُلِّ شَيْءٍ، ورَجُلٌ نَجِسٌ، وقَوْمٌ أنْجاسٌ، ولُغَةٌ أُخْرى رَجُلٌ نَجِسٌ وقَوْمٌ نُجْسٌ وفُلانٌ نَجِسٌ، ورَجُلٌ نَجَسٌ وامْرَأةٌ نَجَسٌ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِ المُشْرِكِ نَجَسًا نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وعَنِ الحَسَنِ مَن صافَحَ مُشْرِكًا تَوَضَّأ، وهَذا هو قَوْلُ الهادِي مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى طَهارَةِ أبْدانِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أنْجاسًا فَلا يُرْجَعُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا يُمْكِنُ ادِّعاءُ الإجْماعِ فِيهِ لِما بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ فِيهِ حاصِلٌ، واحْتَجَّ القاضِي عَلى طَهارَتِهِمْ بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِن أوانِيهِمْ، وأيْضًا لَوْ كانَ جِسْمُهُ نَجِسًا لَمْ يُبَدَّلْ ذَلِكَ بِسَبَبِ الإسْلامِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ القُرْآنَ أقْوى مِن خَبَرِ الواحِدِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ وجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ حِلَّ الشُّرْبِ مِن أوانِيهِمْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا كانَتِ المُخالَطَةُ مَعَ الكُفّارِ جائِزَةً فَحَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، وكانَتِ المُعاهَداتُ مَعَهم حاصِلَةً فَأزالَها اللَّهُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ كانَ جائِزًا فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ الأصْلَ حِلُّ الشُّرْبِ مِن أيِّ إناءٍ كانَ، فَلَوْ

صفحة ٢١

قُلْنا: إنَّهُ حُرِّمَ بِحُكْمِ الآيَةِ، ثُمَّ حَلَّ بِحُكْمِ الخَبَرِ فَقَدْ حَصَلَ نَسْخانِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ حِلًّا لا بِحُكْمِ الأصْلِ، والرَّسُولُ شَرِبَ مِن آنِيَتِهِمْ بِحُكْمِ الأصْلِ، ثُمَّ جاءَ التَّحْرِيمُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ المُشْرِكِينَ في إظْهارِ البَراءَةِ عَنْ عَهْدِهِمْ، وفي إظْهارِ البَراءَةِ عَنْهم في أنْفُسِهِمْ، وفي وُجُوبِ مُقاتَلَتِهِمْ، وفي تَبْعِيدِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأوْرَدَ الإشْكالاتِ الَّتِي ذَكَرُوها، وأجابَ عَنْها بِالجَواباتِ الصَّحِيحَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ أهْلِ الكِتابِ، وهو أنْ يُقاتَلُوا إلى أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، فَحِينَئِذٍ يُقَرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ بِشَرائِطَ، ويَكُونُونَ عِنْدَ ذَلِكَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ والعَهْدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ إذا كانُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ، وجَبَتْ مُقاتَلَتُهم إلى أنْ يُسْلِمُوا، أوْ إلى أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

فالصِّفَةُ الأُولى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، إلّا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ مُشَبِّهَةٌ، والمُشَبِّهُ يَزْعُمُ أنْ لا مَوْجُودَ إلّا الجِسْمُ وما يَحِلُّ فِيهِ، فَأمّا المَوْجُودُ الَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا ولا حالًّا فِيهِ فَهو مُنْكِرٌ لَهُ، وما ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا حالًّا في جِسْمٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُشَبِّهُ مُنْكِرًا لِوُجُودِ الإلَهِ، فَثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ الإلَهِ.

فَإنْ قِيلَ: فاليَهُودُ قِسْمانِ: مِنهم مُشَبِّهَةٌ، ومِنهم مُوَحِّدَةٌ، كَما أنَّ المُسْلِمِينَ كَذَلِكَ، فَهَبْ أنَّ المُشَبِّهَةَ مِنهم مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ الإلَهِ، فَما قَوْلُكم في مُوَحِّدَةِ اليَهُودِ ؟

قُلْنا: أُولَئِكَ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنَّ إيجابَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ الجِزْيَةِ عَلى بَعْضِهِمْ وجَبَ القَوْلُ بِهِ في حَقِّ الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.

وأمّا النَّصارى: فَهم يَقُولُونَ: بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، والحُلُولِ والِاتِّحادِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنافِي الإلَهِيَّةَ.

فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ: أنَّ كُلَّ مَن نازَعَ في صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ، كانَ مُنْكِرًا لِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَقُولُوا: إنَّ أكْثَرَ المُتَكَلِّمِينَ مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أكْثَرَهم مُخْتَلِفُونَ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى

ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا في هَذا البابِ، فالأشْعَرِيُّ أثْبَتَ البَقاءَ صِفَةً، والقاضِي أنْكَرَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أثْبَتَ القِدَمَ صِفَةً، والباقُونَ أنْكَرُوهُ، والقاضِي أثْبَتَ إدْراكَ الطُّعُومِ، وإدْراكَ الرَّوائِحِ، وإدْراكَ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ، وهي الَّتِي تُسَمّى في حَقِّ البَشَرِ بِإدْراكِ الشَّمِّ والذَّوْقِ واللَّمْسِ، والأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ أنْكَرَهُ، وأثْبَتَ القاضِي لِلصِّفاتِ السَّبْعِ أحْوالًا سَبْعَةً مُعَلَّلَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ونُفاةُ الأحْوالِ أنْكَرُوهُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ زَعَمَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ في الأزَلِ ما كانَ أمْرًا ولا نَهْيًا ولا خَبَرًا، ثُمَّ صارَ ذَلِكَ في الإنْزالِ، والباقُونَ أنْكَرُوهُ، وقَوْمٌ مِن قُدَماءِ الأصْحابِ أثْبَتُوا لِلَّهِ خَمْسَ كَلِماتٍ، في الأمْرِ، والنَّهْيِ، والخَبَرِ، والِاسْتِخْبارِ، والنِّداءِ،

صفحة ٢٤ …

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقَلَ عَنْهم أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا، ومَن جَوَّزَ ذَلِكَ في حَقِّ الإلَهِ فَهو في الحَقِيقَةِ قَدْ أنْكَرَ الإلَهَ، وأيْضًا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُشْرِكِينَ في الشِّرْكِ، وإنْ كانَتْ طُرُقُ القَوْلِ بِالشِّرْكِ مُخْتَلِفَةً، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ مَن يَعْبُدُ الصَّنَمَ وبَيْنَ مَن يَعْبُدُ المَسِيحَ وغَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلشِّرْكِ إلّا أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا، فَإذا حَصَلَ هَذا المَعْنى فَقَدْ حَصَلَ الشِّرْكُ، بَلْ إنّا لَوْ تَأمَّلْنا لَعَلِمْنا أنَّ كُفْرَ عابِدِ الوَثَنِ أخَفُّ مِن كُفْرِ النَّصارى؛ لَأنَّ عابِدَ الوَثَنِ لا يَقُولُ إنَّ هَذا الوَثَنَ خالِقُ العالَمِ وإلَهُ العالَمِ، بَلْ يُجْرِيهِ مَجْرى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، أمّا النَّصارى فَإنَّهم يُثْبِتُونَ الحُلُولَ والِاتِّحادَ وذَلِكَ كُفْرٌ قَبِيحٌ جِدًّا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الحُلُولِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهم إنَّما خَصَّهم بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم؛ لِأنَّهم في الظّاهِرِ ألْصَقُوا أنْفُسَهم بِمُوسى وعِيسى، وادَّعَوْا أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلِأجْلِ تَعْظِيمِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ المُعَظَّمَيْنِ، وتَعْظِيمِ كِتابَيْهِما وتَعْظِيمِ أسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ اسْمُهُ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ: أتى جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم: سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، والنُّعْمانُ بْنُ أوْفى، ومالِكُ بْنُ

صفحة ٢٨

الصَّيْفِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، ولا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ بَعْضُ اليَهُودِ، إلّا أنَّ اللَّهَ نَسَبَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى اليَهُودِ بِناءً عَلى عادَةِ العَرَبِ في إيقاعِ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخُيُولَ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَرْكَبْ إلّا واحِدًا مِنها، وفُلانٌ يُجالِسُ السَّلاطِينَ، ولَعَلَّهُ لا يُجالِسُ إلّا واحِدًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذا المَذْهَبَ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَ، فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ اليَهُودِ ذَلِكَ، فَإنَّ حِكايَةَ اللَّهِ عَنْهم أصْدَقُ، والسَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ قالُوا هَذا القَوْلَ ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ أضاعُوا التَّوْراةَ، وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ فَتَضَرَّعَ عُزَيْرٌ إلى اللَّهِ وابْتَهَلَ إلَيْهِ، فَعادَ حِفْظُ التَّوْراةِ إلى قَلْبِهِ، …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.