Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 129

91

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort when they are sincere to Allah and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الوَعِيدَ في حَقِّ مَن يُوهِمُ العُذْرَ، مَعَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ، ذَكَرَ أصْحابَ الأعْذارِ الحَقِيقِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ تَكْلِيفَ اللَّهِ تَعالى بِالغَزْوِ والجِهادِ عَنْهم ساقِطٌ، وهم أقْسامٌ:

القِسْمُ الأوَّلُ: الصَّحِيحُ في بَدَنِهِ الضَّعِيفُ مِثْلُ الشُّيُوخِ. ومَن خُلِقَ في أصْلِ الفِطْرَةِ ضَعِيفًا نَحِيفًا، وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِالضُّعَفاءِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمُ المَرْضى، والمَعْطُوفُ مُبايِنٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمِلِ الضُّعَفاءَ عَلى الَّذِينَ ذَكَرْناهم، لَمْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ المَرْضى.

وأمّا المَرْضى: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أصْحابُ العَمى، والعَرَجِ، والزَّمانَةِ، وكُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِمَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ المُحارَبَةِ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ الأُهْبَةَ والزّادَ والرّاحِلَةَ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ في الغَزْوِ إنَّما يَنْفَعُ إذا قَدَرَ عَلى الإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ. إمّا مِن مالِ نَفْسِهِ، أوْ مِن مالِ إنْسانٍ آخَرَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ القُدْرَةُ، صارَ كَلًّا ووَبالًا عَلى المُجاهِدِينَ، ويَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِالمَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ قالَ: لا حَرَجَ عَلى هَؤُلاءِ، والمُرادُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ لَوْ خَرَجَ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِمِقْدارِ القُدْرَةِ. إمّا بِحِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، بِشَرْطِ أنْ لا يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَلًّا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ طاعَةً مَقْبُولَةً. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في جَوازِ هَذا التَّأْخِيرِ شَرْطًا مُعَيَّنًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم إذا أقامُوا في البَلَدِ احْتَرَزُوا عَنْ إلْقاءِ الأراجِيفِ، وعَنْ إثارَةِ الفِتَنِ، وسَعَوْا في إيصالِ الخَيْرِ إلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ سافَرُوا، إمّا بِأنْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ بُيُوتِهِمْ، وإمّا بِأنْ يَسْعَوْا في إيصالِ الأخْبارِ السّارَّةِ مِن بُيُوتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الأُمُورِ جارِيَةٌ مَجْرى الإعانَةِ عَلى الجِهادِ.

صفحة ١٢٨

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ هو أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الوُجُوهِ ؟ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ اللَّفْظَ مَقْصُورٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإحْسانِ، ورَأْسُ أبْوابِ الإحْسانِ ورَئِيسُها، هو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ مَن قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ واعْتَقَدَها، كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن …

92

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you that you might give them mounts, you said, "I can find nothing for you to ride upon." They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allah].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الوَعِيدَ في حَقِّ مَن يُوهِمُ العُذْرَ، مَعَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ، ذَكَرَ أصْحابَ الأعْذارِ الحَقِيقِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ تَكْلِيفَ اللَّهِ تَعالى بِالغَزْوِ والجِهادِ عَنْهم ساقِطٌ، وهم أقْسامٌ:

القِسْمُ الأوَّلُ: الصَّحِيحُ في بَدَنِهِ الضَّعِيفُ مِثْلُ الشُّيُوخِ. ومَن خُلِقَ في أصْلِ الفِطْرَةِ ضَعِيفًا نَحِيفًا، وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِالضُّعَفاءِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمُ المَرْضى، والمَعْطُوفُ مُبايِنٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمِلِ الضُّعَفاءَ عَلى الَّذِينَ ذَكَرْناهم، لَمْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ المَرْضى.

وأمّا المَرْضى: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أصْحابُ العَمى، والعَرَجِ، والزَّمانَةِ، وكُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِمَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ المُحارَبَةِ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ الأُهْبَةَ والزّادَ والرّاحِلَةَ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ في الغَزْوِ إنَّما يَنْفَعُ إذا قَدَرَ عَلى الإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ. إمّا مِن مالِ نَفْسِهِ، أوْ مِن مالِ إنْسانٍ آخَرَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ القُدْرَةُ، صارَ كَلًّا ووَبالًا عَلى المُجاهِدِينَ، ويَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِالمَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ قالَ: لا حَرَجَ عَلى هَؤُلاءِ، والمُرادُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ لَوْ خَرَجَ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِمِقْدارِ القُدْرَةِ. إمّا بِحِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، بِشَرْطِ أنْ لا يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَلًّا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ طاعَةً مَقْبُولَةً. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في جَوازِ هَذا التَّأْخِيرِ شَرْطًا مُعَيَّنًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم إذا أقامُوا في البَلَدِ احْتَرَزُوا عَنْ إلْقاءِ الأراجِيفِ، وعَنْ إثارَةِ الفِتَنِ، وسَعَوْا في إيصالِ الخَيْرِ إلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ سافَرُوا، إمّا بِأنْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ بُيُوتِهِمْ، وإمّا بِأنْ يَسْعَوْا في إيصالِ الأخْبارِ السّارَّةِ مِن بُيُوتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الأُمُورِ جارِيَةٌ مَجْرى الإعانَةِ عَلى الجِهادِ.

صفحة ١٢٨

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ هو أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الوُجُوهِ ؟ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ اللَّفْظَ مَقْصُورٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإحْسانِ، ورَأْسُ أبْوابِ الإحْسانِ ورَئِيسُها، هو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ مَن قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ واعْتَقَدَها، كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن …

93

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allah has sealed over their hearts, so they do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما السَّبِيلُ عَلى مَن كانَ كَذا وكَذا، ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا في الآيَةِ الأُولى المُرادُ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ في أمْرِ الغَزْوِ والجِهادِ، وأنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ في تِلْكَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذا الحُكْمِ. قالُوا: السَّبِيلُ الَّذِي نَفاهُ عَنِ المُحْسِنِينَ، هو الَّذِي أثْبَتَهُ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالجِهادِ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وتَكْلِيفُهُ عَلَيْهِمْ بِالذِّهابِ إلى الغَزْوِ مُتَوَجِّهٌ، ولا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في التَّخَلُّفِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ ما مَوْقِعُهُ ؟

قُلْنا: كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ. فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضِّعَةِ والِانْتِظامِ

صفحة ١٣٠

فِي جُمْلَةِ الخَوالِفِ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ الجِهادِ، هو أنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا.

ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةً لِلْمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يَصِيرَ عُذْرُهُ مَقْبُولًا. فَإذا عَلِمَ بِأنَّ القَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والنِّفاقِ، امْتَنَعَ أنْ يُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الأعْذارِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ المَعاذِيرِ حُبًّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَغْبَةً في نُصْرَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أنَّكم هَلْ تَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُظْهِرُونَها مِنَ الصِّدْقِ والصَّفاءِ، أوْ لا تَبْقُونَ عَلَيْها ؟

ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، وما الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ ؟ قُلْنا: في وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ وضَمائِرِهِمُ المَمْلُوءَةِ مِنَ الكَذِبِ والكَيْدِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وزَجْرٌ عَظِيمٌ لَهم.

94

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allah has already informed us of your news. And Allah will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما السَّبِيلُ عَلى مَن كانَ كَذا وكَذا، ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا في الآيَةِ الأُولى المُرادُ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ في أمْرِ الغَزْوِ والجِهادِ، وأنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ في تِلْكَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذا الحُكْمِ. قالُوا: السَّبِيلُ الَّذِي نَفاهُ عَنِ المُحْسِنِينَ، هو الَّذِي أثْبَتَهُ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالجِهادِ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وتَكْلِيفُهُ عَلَيْهِمْ بِالذِّهابِ إلى الغَزْوِ مُتَوَجِّهٌ، ولا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في التَّخَلُّفِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ ما مَوْقِعُهُ ؟

قُلْنا: كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ. فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضِّعَةِ والِانْتِظامِ

صفحة ١٣٠

فِي جُمْلَةِ الخَوالِفِ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ الجِهادِ، هو أنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا.

ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةً لِلْمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يَصِيرَ عُذْرُهُ مَقْبُولًا. فَإذا عَلِمَ بِأنَّ القَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والنِّفاقِ، امْتَنَعَ أنْ يُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الأعْذارِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ المَعاذِيرِ حُبًّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَغْبَةً في نُصْرَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أنَّكم هَلْ تَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُظْهِرُونَها مِنَ الصِّدْقِ والصَّفاءِ، أوْ لا تَبْقُونَ عَلَيْها ؟

ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، وما الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ ؟ قُلْنا: في وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ وضَمائِرِهِمُ المَمْلُوءَةِ مِنَ الكَذِبِ والكَيْدِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وزَجْرٌ عَظِيمٌ لَهم.

95

سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

They will swear by Allah to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُؤَكِّدُونَ تِلْكَ الأعْذارَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى أيِّ شَيْءٍ حَلَفُوا ؟ فَقِيلَ: إنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قَدَرُوا عَلى الخُرُوجِ، وإنَّما حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ لِتُعْرِضُوا عَنْهم، أيْ لِتَصْفَحُوا عَنْهم، ولِتُعْرِضُوا عَنْ ذَمِّهِمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ تَرْكَ الكَلامِ والسَّلامِ. قالَ مُقاتِلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: ”«لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم» “ قالَ أهْلُ المَعانِي: هَؤُلاءِ طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطُوا إعْراضَ المَقْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في وُجُوبِ الإعْراضِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ خُبْثَ باطِنِهِمْ رِجْسٌ رُوحانِيٌّ، فَكَما يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الأرْجاسِ الجُسْمانِيَّةِ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ عَنِ

صفحة ١٣١

الأرْجاسِ الرُّوحانِيَّةِ أوْلى، خَوْفًا مِن سَرَيانِها إلى الإنْسانِ، وحَذَرًا مِن أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الأعْمالِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ولَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لِيُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْ إيذائِهِمْ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَحْلِفُونَ لِيَرْضى المُسْلِمُونَ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَرْضَوْا عَنْهم، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ رَضِيتُمْ عَنْهم مَعَ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، كانَتْ إرادَتُكم مُخالِفَةً لِإرادَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.

وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مَذْكُورَةٌ في الآياتِ السّالِفَةِ، وقَدْ أعادَها اللَّهُ هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، وأظُنُّ أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ، وهَذا خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ وأصْحابِ البَوادِي، ولَمّا كانَتْ طُرُقُ المُنافِقِينَ مُتَقارِبَةً سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الحَضَرِ أوْ مِن أهْلِ البادِيَةِ، لا جَرَمَ كانَ الكَلامُ مَعَهم عَلى مَناهِجَ مُتَقارِبَةٍ.

96

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allah is not satisfied with a defiantly disobedient people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُؤَكِّدُونَ تِلْكَ الأعْذارَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى أيِّ شَيْءٍ حَلَفُوا ؟ فَقِيلَ: إنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قَدَرُوا عَلى الخُرُوجِ، وإنَّما حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ لِتُعْرِضُوا عَنْهم، أيْ لِتَصْفَحُوا عَنْهم، ولِتُعْرِضُوا عَنْ ذَمِّهِمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ تَرْكَ الكَلامِ والسَّلامِ. قالَ مُقاتِلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: ”«لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم» “ قالَ أهْلُ المَعانِي: هَؤُلاءِ طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطُوا إعْراضَ المَقْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في وُجُوبِ الإعْراضِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ خُبْثَ باطِنِهِمْ رِجْسٌ رُوحانِيٌّ، فَكَما يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الأرْجاسِ الجُسْمانِيَّةِ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ عَنِ

صفحة ١٣١

الأرْجاسِ الرُّوحانِيَّةِ أوْلى، خَوْفًا مِن سَرَيانِها إلى الإنْسانِ، وحَذَرًا مِن أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الأعْمالِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ولَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لِيُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْ إيذائِهِمْ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَحْلِفُونَ لِيَرْضى المُسْلِمُونَ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَرْضَوْا عَنْهم، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ رَضِيتُمْ عَنْهم مَعَ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، كانَتْ إرادَتُكم مُخالِفَةً لِإرادَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.

وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مَذْكُورَةٌ في الآياتِ السّالِفَةِ، وقَدْ أعادَها اللَّهُ هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، وأظُنُّ أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ، وهَذا خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ وأصْحابِ البَوادِي، ولَمّا كانَتْ طُرُقُ المُنافِقِينَ مُتَقارِبَةً سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الحَضَرِ أوْ مِن أهْلِ البادِيَةِ، لا جَرَمَ كانَ الكَلامُ مَعَهم عَلى مَناهِجَ مُتَقارِبَةٍ.

97

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا وَنِفَاقًۭا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allah has revealed to His Messenger. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذِهِ الأحْكامَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها مُخاطَبَةُ مُنافِقِي الأعْرابِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ، وجَهْلَهم بِحُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ أكْمَلُ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ العُلَماءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ. إذا كانَ نَسَبُهُ في العَرَبِ، وجَمْعُهُ العَرَبُ. كَما تَقُولُ مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النِّسْبَةِ في الجَمْعِ، فَيُقالُ: المَجُوسُ واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ بِالألِفِ إذا كانَ بَدَوِيًّا، يَطْلُبُ مَساقِطَ الغَيْثِ والكَلَإ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ، ويُجْمَعُ الأعْرابِيُّ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ يا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، والعَرَبِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهم عَرَبٌ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهم أعْرابٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«حُبُّ العَرَبِ مِنَ الإيمانِ» “ وأمّا الأعْرابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، إنَّما هم عَرَبٌ، وهم مُتَقَدِّمُونَ في مَراتِبِ الدِّينِ عَلى الأعْرابِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تَؤُمَّنَّ امْرَأةٌ رَجُلًا ولا فاسِقٌ مُؤْمِنًا ولا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا» “

الثّالِثُ: قِيلَ إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبا؛ لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وهي مِن تِهامَةَ. فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم؛ لِأنَّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقِيلَ: سُمُّوا بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ ألْسِنَتَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأنْواعٍ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لا تُوجَدُ في سائِرِ

صفحة ١٣٢

الألْسِنَةِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ في أدْمِغَتِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ، وحِكْمَةُ الهِنْدِ في أوْهامِهِمْ، وحِكْمَةُ اليُونانِ في أفْئِدَتِهِمْ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما لَهم مِنَ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ، وحِكْمَةُ العَرَبِ في ألْسِنَتِهِمْ، وذَلِكَ لِحَلاوَةِ ألْفاظِهِمْ وعُذُوبَةِ عِباراتِهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الجَمْعُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدِ المَعْهُودُ السّابِقُ، حُمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِلضَّرُورَةِ. قالُوا: لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ يَكْفِي في حُصُولِ مَعْناها الثَّلاثَةُ فَما فَوْقَها، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَإنْ حَصَلَ جَمْعٌ هو مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ الِانْصِرافُ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ.

قالُوا إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، كانُوا يُوالُونَ مُنافِقِي المَدِينَةِ فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ …

98

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًۭا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذِهِ الأحْكامَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها مُخاطَبَةُ مُنافِقِي الأعْرابِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ، وجَهْلَهم بِحُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ أكْمَلُ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ العُلَماءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ. إذا كانَ نَسَبُهُ في العَرَبِ، وجَمْعُهُ العَرَبُ. كَما تَقُولُ مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النِّسْبَةِ في الجَمْعِ، فَيُقالُ: المَجُوسُ واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ بِالألِفِ إذا كانَ بَدَوِيًّا، يَطْلُبُ مَساقِطَ الغَيْثِ والكَلَإ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ، ويُجْمَعُ الأعْرابِيُّ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ يا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، والعَرَبِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهم عَرَبٌ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهم أعْرابٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«حُبُّ العَرَبِ مِنَ الإيمانِ» “ وأمّا الأعْرابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، إنَّما هم عَرَبٌ، وهم مُتَقَدِّمُونَ في مَراتِبِ الدِّينِ عَلى الأعْرابِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تَؤُمَّنَّ امْرَأةٌ رَجُلًا ولا فاسِقٌ مُؤْمِنًا ولا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا» “

الثّالِثُ: قِيلَ إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبا؛ لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وهي مِن تِهامَةَ. فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم؛ لِأنَّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقِيلَ: سُمُّوا بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ ألْسِنَتَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأنْواعٍ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لا تُوجَدُ في سائِرِ

صفحة ١٣٢

الألْسِنَةِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ في أدْمِغَتِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ، وحِكْمَةُ الهِنْدِ في أوْهامِهِمْ، وحِكْمَةُ اليُونانِ في أفْئِدَتِهِمْ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما لَهم مِنَ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ، وحِكْمَةُ العَرَبِ في ألْسِنَتِهِمْ، وذَلِكَ لِحَلاوَةِ ألْفاظِهِمْ وعُذُوبَةِ عِباراتِهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الجَمْعُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدِ المَعْهُودُ السّابِقُ، حُمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِلضَّرُورَةِ. قالُوا: لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ يَكْفِي في حُصُولِ مَعْناها الثَّلاثَةُ فَما فَوْقَها، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَإنْ حَصَلَ جَمْعٌ هو مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ الِانْصِرافُ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ.

قالُوا إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، كانُوا يُوالُونَ مُنافِقِي المَدِينَةِ فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ …

99

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But among the bedouins are some who believe in Allah and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allah and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allah will admit them to His mercy. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَ في الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْرَمًا، بَيَّنَ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ صالِحِينَ مُجاهِدِينَ يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْنَمًا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِوَصْفَيْنِ:

فالأوَّلُ: كَوْنُهُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في جَمِيعِ الطّاعاتِ مِن تَقْدِيمِ الإيمانِ، وفي الجِهادِ أيْضًا كَذَلِكَ.

والثّانِي: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُهُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ، وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في القُرُباتِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، ضَمُّ الرّاءِ، وإسْكانُها وفَتْحُها.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرُباتٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَتَّخِذَ، والمَعْنى: أنَّ ما يُنْفِقُهُ لِسَبَبِ حُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وصَلَواتِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهم. كَقَوْلِهِ: ”«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» “ وقالَ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَلَمّا كانَ ما يُنْفَقُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ والصَّلَواتِ، قِيلَ: إنَّهُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ. وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩] وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّها﴾ ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ إدْخالَ هَذا السِّينِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّأْكِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِسَيِّئاتِهِمْ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ حَيْثُ وفَّقَهم لِهَذِهِ الطّاعاتِ. وقَرَأ نافِعٌ (ألا إنَّها قُرُبَةٌ) بِضَمِّ الرّاءِ وهو الأصْلُ، ثُمَّ خُفِّفَتْ نَحْوَ: كُتْبٍ، ورُسْلٍ، وطُنْبٍ، والأصْلُ هو الضَّمُّ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ.

100

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

And the first forerunners [in the faith] among the Muhajireen and the Ansar and those who followed them with good conduct - Allah is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِلَ الأعْرابِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ما يُنْفِقُونَ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ، بَيَّنَ أنَّ فَوْقَ مَنزِلَتِهِمْ مَنازِلَ أعْلى وأعْظَمَ مِنها، وهي مَنازِلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مَن هم ؟ وذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ وشَهِدُوا بَدْرًا، وعَنِ الشَّعْبِيِّ هُمُ الَّذِينَ بايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ، وفي النُّصْرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهم سابِقِينَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم سابِقُونَ في ماذا، فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا إلّا أنَّهُ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، فَوَجَبَ صَرْفُ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلى ما بِهِ صارُوا مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، وهو الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ؛ إزالَةً لِلْإجْمالِ عَنِ اللَّفْظِ، وأيْضًا فالسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، ومُخالِفٌ لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، وكانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ، فَإنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، فَلا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى النُّصْرَةِ والخِدْمَةِ، فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ؛ فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ في الهِجْرَةِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ أسْبَقَ النّاسِ إلى الهِجْرَةِ هو أبُو بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكانَ مُصاحِبًا لَهُ في كُلِّ مَسْكَنٍ ومَوْضِعٍ، فَكانَ نَصِيبُهُ مِن هَذا المَنصِبِ أعْلى مِن نَصِيبِ غَيْرِهِ، وعَلِيٌّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وإنْ كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ إلّا أنَّهُ إنَّما هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما بَقِيَ بِمَكَّةَ لِمُهِمّاتِ الرَّسُولِ إلّا أنَّ السَّبْقَ إلى الهِجْرَةِ إنَّما حَصَلَ لِأبِي بَكْرٍ، فَكانَ نَصِيبُ أبِي بَكْرٍ مِن هَذِهِ الفَضِيلَةِ أوْفَرَ، فَإذا ثَبَتَ هَذا صارَ أبُو بَكْرٍ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ورَضِيَ هو عَنِ اللَّهِ، وذَلِكَ في أعْلى الدَّرَجاتِ مِنَ الفَضْلِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ إمامًا حَقًّا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَتْ إمامَتُهُ باطِلَةً لاسْتَحَقَّ اللَّعْنَ والمَقْتَ، وذَلِكَ يُنافِي حُصُولَ مِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، وعَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن سَبَقَ إلى الإسْلامِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ

صفحة ١٣٥

آمَنُوا، وفي …

At-Tawba 9:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.