Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 121–129 of 129

121

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.

﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولَوْ تَمْرَةً أوْ عَلاقَةَ سَوْطٍ ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ كَما أنْفَقَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -والتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ، وتَوْسِيطُ لا لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِبْدادِ كُلِّ مِنهُما بِالكَتْبِ والجَزاءِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ﴾ أيْ: لا يَجْتازُونَ في مَسِيرِهِمْ ﴿وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ مِنَ الجِبالِ والآكامِ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ، اسْمُ فاعِلٍ مِن ودى إذا سالَ، ثُمَّ شاعَ في الأرْضِ عَلى الإطْلاقِ.

﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ: أُثْبِتَ لَهم ذَلِكَ الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الإنْفاقِ والقَطْعِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِذَلِكَ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ أوْ جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

At-Tawba 9:121Listen in Qur'an →
122

۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn their people when they return to them that they might be cautious.

﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِنَحْوِ غَزْوٍ، أوْ طَلَبِ عِلْمٍ كَما لا يَسْتَقِيمُ لَهم أنْ يَتَثَبَّطُوا جَمِيعًا، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِأمْرِ المَعاشِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ فَهَلّا نَفَرَ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿مِنهُمْ﴾ كَأهْلِ بَلْدَةٍ، أوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ ويَتَجَشَّمُوا مَشاقَّ تَحْصِيلِها ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: ولِيَجْعَلُوا غايَةَ سَعْيِهِمْ ومَرْمى غَرَضِهِمْ مِن ذَلِكَ إرْشادَ القَوْمِ وإنْذارَهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، وأنْ يَكُونَ غَرَضُ المُتَعَلِّمِ الِاسْتِقامَةَ والإقامَةَ لا التَّرَفُّعَ عَلى العِبادِ والتَّبَسُّطَ في البِلادِ، كَما هو دَيْدَنُ أبْناءِ الزَّمانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ إرادَةَ أنْ يَحْذَرُوا عَمّا يُنْذِرُونَ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أخْبارَ الآحادِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ فِرْقَتَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الإخْبارُ ما لَمْ يَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ.

وَقَدْ قِيلَ: لِلْآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا سَمِعُوا ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ سارَعُوا إلى النَّفِيرِ رَغْبَةً ورَهْبَةً، وانْقَطَعُوا عَنِ التَّفَقُّهِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ إلى الجِهادِ، ويَبْقى أعْقابُهم يَتَفَقَّهُونَ حَتّى لا يَنْقَطِعَ الفِقْهُ الَّذِي هو الجِهادُ الأكْبَرُ؛ لِأنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ هو الأصْلُ، والمَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ، فالضَّمِيرُ في "لِيَتَفَقَّهُوا" و"لِيُنْذِرُوا" لِبَواقِي الفِرَقِ بَعْدَ الطَّوائِفِ النّافِرَةِ لِلْغَزْوِ، وفي رَجَعُوا لِلطَّوائِفِ، أيْ: ولِيُنْذِرَ البَواقِي قَوْمَهُمُ النّافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِما حَصَّلُوا في أيّامِ غَيْبَتِهِمْ مِنَ العُلُومِ.

At-Tawba 9:122Listen in Qur'an →
123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

O you who have believed, fight those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allah is with the righteous.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ أُمِرُوا بِقِتالِ الأقْرَبِ مِنهم فالأقْرَبِ، كَما أُمِرَ ﷺ أوَّلًا بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ، فَإنَّ الأقْرَبَ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والِاسْتِصْلاحِ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ حَوالَيِ المَدِينَةِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وخَيْبَرَ، وقِيلَ: الرُّومُ فَإنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ الشّامَ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَدِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العِراقِ وغَيْرِهِ.

﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ أيْ: شِدَّةً وصَبْرًا عَلى القِتالِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ كَسَخْطَةٍ وبِضَمِّها وهُما لُغَتانِ فِيها ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالعِصْمَةِ والنُّصْرَةِ، والمُرادُ بِهِمْ إمّا المُخاطَبُونَ - ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الإيمانَ والقِتالَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّقْوى والشَّهادَةِ بِكَوْنِهِمْ مِن زُمْرَةِ المُتَّقِينَ - وإمّا الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ الوِلايَةُ الدّائِمَةُ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ دُخُولِ مَعَ عَلى المَتْبُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ اللَّهَ مَعَنا" .

At-Tawba 9:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

And whenever a surah is revealed, there are among the hypocrites those who say, "Which of you has this increased faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِن سُوَرِ القرآن ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ لِإخْوانِهِمْ لِيُثَبِّتَهم عَلى النِّفاقِ، أوْ لِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ وضَعَفَتِهِمْ لِيَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورَةُ ﴿إيمانًا﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِ "أيُّكُمْ" عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ: زادَتْ أيَّكم زادَتْهُ هَذِهِ ... إلَخْ.

وَإيرادُ الزِّيادَةِ مَعَ أنَّهُ لا إيمانَ فِيهِمْ أصْلًا بِاعْتِبارِ اعْتِقادِ المُؤْمِنِينَ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا جَوابٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَعْيِينٌ لِحالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، أيْ: فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ بِزِيادَةِ العِلْمِ اليَقِينِيِّ الحاصِلِ مِنَ التَّدَبُّرِ فِيها والوُقُوفِ عَلى ما فِيها مِنَ الحَقائِقِ، وانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِما فِيها بِإيمانِهِمُ السّابِقِ ﴿وَهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِنُزُولِها وبِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

At-Tawba 9:124Listen in Qur'an →
125

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil. And they will have died while they are disbelievers.

﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: كُفْرٌ وسُوءُ عَقِيدَةٍ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ أيْ: كُفْرًا بِها مَضْمُومًا إلى الكُفْرِ بِغَيْرِها، وعَقائِدَ باطِلَةً وأخْلاقًا ذَمِيمَةً كَذَلِكَ ﴿وَماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ.

At-Tawba 9:125Listen in Qur'an →
126

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ مِنَ الأعْوامِ ﴿مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ والمُرادُ مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ لا بَيانُ الوُقُوعِ حَسَبَ العَدَدِ المَزْبُورِ، أيْ: يُبْتَلَوْنَ بِأفانِينِ البَلِيّاتِ مِنَ المَرَضِ والشَّدَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُذَكِّرُ الذُّنُوبَ والوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ، فَيُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى، أوِ الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعانُونَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ لا سِيَّما القَوارِعُ الزّائِدَةُ لِلْإيمانِ النّاعِيَةُ عَلَيْهِ ما فِيهِمْ مِنَ القَبائِحِ المُخْزِيَةِ لَهم ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يَرَوْنَ داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أوَلا يَرَوْنَ افْتِتانَهُمُ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ ولا هم يَتَذَكَّرُونَ بِتِلْكَ الفِتَنِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّوْبَةِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ، أيْ: ألا تَنْظُرُونَ ولا تَرَوْنَ أحْوالَهُمُ العَجِيبَةَ الَّتِي هي افْتِتانُهم عَلى وجْهِ التَّتابُعِ وعَدَمِ التَّنَبُّهِ لِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ لا يَتُوبُونَ" وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى (يُفْتَنُونَ).

At-Tawba 9:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

And whenever a surah is revealed, they look at each other, [saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allah has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها وهم في مَحْفِلِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، كَما أنَّ الأوَّلَ بَيانٌ لِمَقالاتِهِمْ وهم غائِبُونَ عَنْهُ ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها، أوْ سُخْرِيَةً بِها، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن مُخازَيْهِمْ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ أيْ: قائِلِينَ: هَلْ يَراكم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؟ لِنَنْصَرِفْ، مُظْهِرِينَ أنَّهم لا يَصْطَبِرُونَ عَلى اسْتِماعِها، ويَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الضَّحِكُ فَيَفْتَضِحُونَ، أوْ تَرامَقُوا يَتَشاوَرُونَ في تَدْبِيرِ الخُرُوجِ والِانْسِلالِ لِواذًا يَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ مِنَ المَجْلِسِ؟ وإيرادُ ضَمِيرِ الخِطابِ لِبَعْثِ المُخاطَبِينَ عَلى الجِدِّ في انْتِهازِ الفُرْصَةِ، فَإنَّ المَرْءَ بِشَأْنِهِ أكْثَرُ اهْتِمامًا مِنهُ بِشَأْنِ أصْحابِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ في عُيُوبِ المُنافِقِينَ.

﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (نَظَرَ بَعْضُهُمْ) والتَّراخِي بِاعْتِبارِ وُجْدانِ الفُرْصَةِ والوُقُوفِ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيِ: انْصَرَفُوا جَمِيعًا عَنْ مَحْفِلِ الوَحْيِ؛ خَوْفًا مِنَ الِافْتِضاحِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ حَسَبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ المَجْلِسِ، والجُمْلَةُ إخْبارِيَّةٌ أوْ دِعائِيَّةٌ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِسُوءِ الفَهْمِ، أوْ لِعَدَمِ التَّدَبُّرِ.

At-Tawba 9:127Listen in Qur'an →
128

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you and to the believers is kind and merciful.

﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْعَرَبِ ﴿رَسُولٌ﴾ أيُّ رَسُولٍ، رَسُولٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ قُرَشِيٌّ مِثْلُكُمْ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ: أشْرَفِكم وأفْضَلِكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: شاقٌّ شَدِيدٌ عَلَيْهِ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ، فَهو يَخافُ عَلَيْكم سُوءَ العاقِبَةِ والوُقُوعَ في العَذابِ، وهَذا مِن نَتائِجِ ما سَلَفَ مِنَ المُجانَسَةِ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ في إيمانِكم وصَلاحِ حالِكم ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قُدِّمَ الأبْلَغُ مِنهُما، وهي الرَّأْفَةُ - الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ - مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ.

At-Tawba 9:128Listen in Qur'an →
129

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ، أيْ: إنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِكَ ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أيِ: المُلْكِ العَظِيمِ، أوِ الجِسْمِ الأعْظَمِ المُحِيطِ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ، وقُرِئَ العَظِيمُ بِالرَّفْعِ.

وَعَنْ أُبَيٍّ أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ما نَزَلَ القرآن عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ (بَراءَةٌ) وسُورَةَ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ) فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ .

At-Tawba 9:129Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.