Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–129 of 129

121

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.

﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهو انْتِقالٌ مِن عِدادِ الكُلَفِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم بِلا قَصْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَعْضِ الكُلَفِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ اسْتِشْعارِ مَن تَحِلُّ بِهِمْ بِأنَّهم

صفحة ٥٨

لَقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ.

فالنَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدٍ يَتَذَكَّرُ بِهِ المُنْفِقُ أنَّهُ يَسْعى إلى ما هو وسِيلَةٌ لِنَصْرِ الدِّينِ، والنَّفَقَةُ الكَبِيرَةُ أُدْخِلَ في القَصْدِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِما وعَلى النَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ لِيُعْلَمَ بِذَكَرِ الكَبِيرَةِ حُكْمُ النَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ لِأنَّ العِلَّةَ في الكَبِيرَةِ أظْهَرُ وكانَ هَذا الإطْنابُ في عَدِّ مَناقِبِهِمْ في الغَزْوِ لِتَصْوِيرِ ما بَذَلُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وقَطْعُ الوادِي: هو اجْتِيازُهُ. وحَقِيقَةُ القَطْعِ: تَفْرِيقُ أجْزاءِ الجِسْمِ. وأُطْلِقَ عَلى الِاجْتِيازِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.

والوادِي: المُنْفَرَجُ يَكُونُ بَيْنَ جِبالٍ أوْ إكامٍ فَيَكُونُ مَنفَذًا لِسُيُولِ المِياهِ، ولِذَلِكَ اشْتُقَّ مِن ودى بِمَعْنى سالَ. وقَطْعُ الوادِي أثْناءَ السَّيْرِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَذَكَّرَ السّائِرُونَ بِسَبَبِهِ أنَّهم سائِرُونَ إلى غَرَضٍ ما لِأنَّهُ يُجَدِّدُ حالَةً في السَّيْرِ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ نُدِبَ الحَجِيجُ إلى تَجْدِيدِ التَّلْبِيَةِ عِنْدَما يَصْعَدُونَ شَرَفًا أوْ يَنْزِلُونَ وادِيًا أوْ يُلاقُونَ رِفاقًا.

والضَّمِيرُ في (كُتِبَ) عائِدٌ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. ولامُ التَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (كُتِبَ)، أيْ كَتَبَ اللَّهُ لَهم صالِحًا لِيَجْزِيَهم عَنْ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا جَزاءً عَنْ عَمَلِهِمُ المَذْكُورِ عُلِمَ أنَّ عَمَلَهم هَذا مِن أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

وانْتَصَبَ (أحْسَنَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ عَنْ أحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أوْ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا القَبِيلِ وأنَّ (أجْرَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ.

وفِي ذِكْرِ ”كانُوا“ والإتْيانِ بِخَبَرِها مُضارِعًا إفادَةُ أنَّ مِثْلَ هَذا العَمَلِ كانَ دَيْدَنُهم.

At-Tawba 9:121Listen in Qur'an →
122

۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn their people when they return to them that they might be cautious.

﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾

كانَ غالِبُ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَحْرِيضًا عَلى الجِهادِ وتَنْدِيدًا عَلى المُقَصِّرِينَ في شَأْنِهِ، وانْتَهى الكَلامُ قَبْلَ هَذا بِتَبْرِئَةِ أهْلِ المَدِينَةِ والَّذِينَ حَوْلَهم مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ

صفحة ٥٩

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلا جَرَمَ كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ مُؤْذِنَةً بِوُجُوبِ تَمَحُّضِ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ. وإذْ قَدْ كانَ مِن مَقاصِدِ الإسْلامِ بَثُّ عُلُومِهِ وآدابِهِ بَيْنَ الأُمَّةِ وتَكْوِينُ جَماعاتٍ قائِمَةٍ بِعِلْمِ الدِّينِ وتَثْقِيفِ أذْهانِ المُسْلِمِينَ كَيْ تَصْلُحَ سِياسَةُ الأُمَّةِ عَلى ما قَصَدَهُ الدِّينُ مِنها، مِن أجْلِ ذَلِكَ عَقُبَ التَّحْرِيضُ عَلى الجِهادِ بِما يُبَيِّنُ أنْ لَيْسَ مِنَ المَصْلَحَةِ تَمَحُّضُ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ لِأنْ يَكُونُوا غُزاةً أوْ جُنْدًا، وأنْ لَيْسَ حَظُّ القائِمِ بِواجِبِ التَّعْلِيمِ دُونَ حَظِّ الغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّ كِلَيْهِما يَقُومُ بِعَمَلٍ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ، فَهَذا يُؤَيِّدُهُ بِتَوَسُّعِ سُلْطانِهِ وتَكْثِيرِ أتْباعِهِ، والآخَرُ يُؤَيِّدُهُ بِتَثْبِيتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ وإعْدادِهِ لِأنْ يَصْدُرَ عَنْهُ ما يَضْمَنُ انْتِظامَ أمْرِهِ وطُولَ دَوامِهِ، فَإنَّ اتِّساعَ الفُتُوحِ وبَسالَةَ الأُمَّةِ لا يَكْفِيانِ لِاسْتِبْقاءِ سُلْطانِها إذا هي خَلَتْ مِن جَماعَةٍ صالِحَةٍ مِنَ العُلَماءِ والسّاسَةِ وأُولِي الرَّأْيِ المُهْتَمِّينَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ السُّلْطانِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ مُلْكُ اللَّمْتُونِيِّينَ في الأنْدَلُسِ إلّا قَلِيلًا حَتّى تَقَلَّصَ، ولَمْ تَثْبُتْ دَوْلَةُ التَّتارِ إلّا بَعْدَ أنِ امْتَزَجُوا بِعُلَماءِ المُدُنِ الَّتِي فَتَحُوها ووَكَلُوا أمْرَ الدَّوْلَةِ إلَيْهِمْ.

وإذْ قَدْ كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ قَدْ حَرَّضَتْ فَرِيقًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الِالتِفافِ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغَزْوِ لِمَصْلَحَةِ نَشْرِ الإسْلامِ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ عَقِبَها نَفْرُ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ لِيَكُونُوا مُرْشِدِينَ لِأقْوامِهِمُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ.

ومِن مَحاسِنَ هَذا البَيانِ أنْ قابَلَ صِيغَةَ التَّحْرِيضِ عَلى الغَزْوِ بِمِثْلِها في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ إذِ افْتُتِحَتْ صِيغَةُ تَحْرِيضِ الغَزْوِ بِلامِ الجُحُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ، وافْتُتِحَتْ صِيغَةُ التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ والتَّفَقُّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ إذْ يَقُولُ ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها فَهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَرَضٍ جَدِيدٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] ثُمَّ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠] إلَخْ. ومَعْنى ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠] هو أنْ لا يَنْفِرُوا، فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾

صفحة ٦٠

والمُرادُ بِالنَّفِيرِ في قَوْلِهِ: لِيَنْفِرُوا وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ الخُرُوجُ إلى الغَزْوِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ …

At-Tawba 9:122Listen in Qur'an →
123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

O you who have believed, fight those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allah is with the righteous.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

كانَ جَمِيعُ بِلادِ العَرَبِ خَلَصَ لِلْإسْلامِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَكانَتْ تُخُومُ بِلادِ الإسْلامِ مُجاوِرَةً لِبِلادِ الشّامِ مَقَرِّ نَصارى العَرَبِ، وكانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ، فَكانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِلْإسْلامِ تَجاوَزَتْ بِلادَ العَرَبِ إلى مَشارِفِ الشّامِ ولَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ ولَكِنْ وُضِعَتِ الجِزْيَةُ عَلى أيْلَةَ وبُصْرى، وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ إرْهابًا لِلنَّصارى، ونَزَلَتْ سُورَةُ

صفحة ٦٣

(بَراءَةٌ) عَقِبَها فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالوَصِيَّةِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى غَزْوِ بِلادِ الكُفْرِ المُجاوِرَةِ لِبِلادِ الإسْلامِ بِحَيْثُ كَلَّما اسْتَقَرَّ بَلَدٌ لِلْإسْلامِ وكانَ تُجاوِرُهُ بِلادُ كُفْرٍ كانَ حَقًّا عَلى المُسْلِمِينَ غَزْوُ البِلادِ المُجاوِرَةِ. ولِذَلِكَ ابْتَدَأ الخُلَفاءُ بِفَتْحِ الشّامِ ثُمَّ العِراقِ ثُمَّ فارِسَ ثُمَّ انْثَنَوْا إلى مِصْرَ ثُمَّ إلى إفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ الأنْدَلُسِ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَكْمِلَةً لِلْأمْرِ بِما يَتَعَيَّنُ عَلى المُسْلِمِينَ في ذُيُولِ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وفِي تَوْجِيهِ الخِطابِ لِلَّذِينَ آمَنُوا دُونَ النَّبِيءِ إيماءً إلى أنَّ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَغْزُو بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّ أجَلَهُ الشَّرِيفَ قَدِ اقْتَرَبَ. ولَعَلَّ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] إيماءً إلى التَّسْلِيَةِ عَلى فَقْدِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنَّ اللَّهَ مَعَهم كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]

و(الغِلْظَةُ) بِكَسْرِ الغَيْنِ: الشِّدَّةُ الحِسِّيَّةُ والخُشُونَةُ، وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا لِلْمُعامَلَةِ الضّارَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ يَجْمَعُ الجُرْأةَ والصَّبْرَ عَلى القِتالِ والعُنْفَ في القَتْلِ والأسْرِ. اهـ.

قُلْتُ: والمَقْصِدُ مِن ذَلِكَ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الأعْداءِ حَتّى يَخْشَوْا عاقِبَةَ التَّصَدِّي لِقِتالِ المُسْلِمِينَ.

ومَعْنى أمْرِ المُسْلِمِينَ بِحُصُولِ ما يَجِدُهُ الكافِرُونَ مِن غِلْظَةِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ هو أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ في قِتالِهِمْ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الأمْرِ بِالشِّدَّةِ لِأنَّهُ أُمِرَ لَهم بِأنْ يَجِدَ الكُفّارُ فِيهِمُ الشِّدَّةَ. وذَلِكَ الوِجْدانُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَتِ الغِلْظَةُ بِحَيْثُ تَظْهَرُ وتَنالُ العَدُوَّ فَيُحِسُّ بِها، كَقَوْلِهِ - تَعالى - لِمُوسى ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ [طه: ١٦] . وإنَّما وقَعَتْ هَذِهِ المُبالَغَةُ لِما عَلَيْهِ العَدُوُّ مِنَ القُوَّةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكُفّارِ هُنا هم نَصارى العَرَبِ وأنْصارُهُمُ الرُّومُ، وهم أصْحابُ عَدَدٍ وعُدَدٍ فَلا يَجِدُونَ الشِّدَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلّا إذا كانَتْ شِدَّةً عَظِيمَةً.

صفحة ٦٤

ومِن وراءِ صَرِيحِ هَذا الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُنافِقِينَ، إذْ قَدْ ظَهَرَ عَلى كُفْرِهِمْ وهم أشَدُّ قُرْبًا مِنَ المُؤْمِنِينَ في المَدِينَةِ. وفي هَذا السِّياقِ جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]

وجُمْلَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] تَأْيِيدٌ وتَشْجِيعٌ ووَعْدٌ بِالنَّصْرِ إنِ اتَّقَوْا بِامْتِثالِ الأمْرِ …

At-Tawba 9:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

And whenever a surah is revealed, there are among the hypocrites those who say, "Which of you has this increased faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦] وهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ أحْوالِ المُنافِقِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ زِيدَتْ فِيها (ما) عَقِبَ (إذا) وزِيادَتُها لِلتَّأْكِيدِ، أيْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى (إذا) وهو الشَّرْطُ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ لِغَرابَتِهِ كانَ خَلِيقًا بِالتَّأْكِيدِ، ولِأنَّ المُنافِقِينَ يُنْكِرُونَ صُدُورَهُ مِنهم بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ مَضْمُونَها حِكايَةُ اسْتِئْذانِهِمْ وهم لا يُنْكِرُونَهُ.

ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إجْمالُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّوَرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٦] . ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ سُوَرَ القُرْآنِ كُلَّها لا تَخْلُو عَنْ دُعاءٍ إلى الإيمانِ والصّالِحاتِ والإعْجازِ بِبَلاغَتِها. فالمُرادُ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ما مِنَ القُرْآنِ. وضَمِيرُ فَمِنهم عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ لِلْعِلْمِ بِالمَعادِ مِنَ المَقامِ

صفحة ٦٥

ومِن أواخِرِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ولِما في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ، فالمُنافِقُونَ خاطِرُونَ بِذِهْنِ السّامِعِ فَيَكُونُ الإتْيانُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ.

وقَوْلُهم ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّ القُرْآنَ يُزِيدُ المُؤْمِنِينَ إيمانًا قالَ - تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] . ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ قالُوا: قَدِ ازْدَدْنا إيمانًا، كَقَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ لِلْأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ: اجْلِسْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً، يَعْنِي بِمُذاكَرَةِ القُرْآنِ وأُمُورِ الدِّينِ (رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الإيمانِ) .

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ أيُّكم لِلِاسْتِهْزاءِ كانَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى إنْكارِ أنْ يَكُونَ نُزُولُ سُوَرِ القُرْآنِ يُزِيدُ سامِعِيها إيمانًا تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّ ما لا يَزِيدُهم إيمانًا لا يَزِيدُ غَيْرَهم إيمانًا، يَقِيسُونَ عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى حِكايَةِ اسْتِفْهامِهِمْ بِحَمْلِهِ عَلى ظاهِرِ حالِهِ وصَرْفِهِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنهُ. وتِلْكَ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو: تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِنُكْتَةٍ، وهي هُنا إبْطالُ ما قَصَدُوهُ مِن نَفْيِ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ تَزِيدُ أحَدًا إيمانًا قِياسًا عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ فَأُجِيبَ اسْتِفْهامُهم بِهَذا التَّفْصِيلِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ، فَأثْبَتَ أنَّ لِلسُّورَةِ زِيادَةً في إيمانِ بَعْضِ النّاسِ وأكْثَرَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهو حُصُولُ البَشَرِ لَهم.

وارْتُقِيَ في الجَوابِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنَ الإنْكارِ بِأنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ مَنفِيًّا …

At-Tawba 9:124Listen in Qur'an →
125

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil. And they will have died while they are disbelievers.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦] وهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ أحْوالِ المُنافِقِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ زِيدَتْ فِيها (ما) عَقِبَ (إذا) وزِيادَتُها لِلتَّأْكِيدِ، أيْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى (إذا) وهو الشَّرْطُ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ لِغَرابَتِهِ كانَ خَلِيقًا بِالتَّأْكِيدِ، ولِأنَّ المُنافِقِينَ يُنْكِرُونَ صُدُورَهُ مِنهم بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ مَضْمُونَها حِكايَةُ اسْتِئْذانِهِمْ وهم لا يُنْكِرُونَهُ.

ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ إجْمالُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّوَرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٦] . ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ سُوَرَ القُرْآنِ كُلَّها لا تَخْلُو عَنْ دُعاءٍ إلى الإيمانِ والصّالِحاتِ والإعْجازِ بِبَلاغَتِها. فالمُرادُ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ما مِنَ القُرْآنِ. وضَمِيرُ فَمِنهم عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ لِلْعِلْمِ بِالمَعادِ مِنَ المَقامِ

صفحة ٦٥

ومِن أواخِرِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، ولِما في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ، فالمُنافِقُونَ خاطِرُونَ بِذِهْنِ السّامِعِ فَيَكُونُ الإتْيانُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ.

وقَوْلُهم ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ بَعْضَ آياتِ القُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّ القُرْآنَ يُزِيدُ المُؤْمِنِينَ إيمانًا قالَ - تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] . ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ قالُوا: قَدِ ازْدَدْنا إيمانًا، كَقَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ لِلْأسْوَدِ بْنِ هِلالٍ: اجْلِسْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً، يَعْنِي بِمُذاكَرَةِ القُرْآنِ وأُمُورِ الدِّينِ (رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الإيمانِ) .

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ أيُّكم لِلِاسْتِهْزاءِ كانَ مُتَضَمِّنًا مَعْنى إنْكارِ أنْ يَكُونَ نُزُولُ سُوَرِ القُرْآنِ يُزِيدُ سامِعِيها إيمانًا تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّ ما لا يَزِيدُهم إيمانًا لا يَزِيدُ غَيْرَهم إيمانًا، يَقِيسُونَ عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى حِكايَةِ اسْتِفْهامِهِمْ بِحَمْلِهِ عَلى ظاهِرِ حالِهِ وصَرْفِهِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنهُ. وتِلْكَ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو: تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِنُكْتَةٍ، وهي هُنا إبْطالُ ما قَصَدُوهُ مِن نَفْيِ أنْ تَكُونَ السُّورَةُ تَزِيدُ أحَدًا إيمانًا قِياسًا عَلى أحْوالِ قُلُوبِهِمْ فَأُجِيبَ اسْتِفْهامُهم بِهَذا التَّفْصِيلِ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ، فَأثْبَتَ أنَّ لِلسُّورَةِ زِيادَةً في إيمانِ بَعْضِ النّاسِ وأكْثَرَ مِنَ الزِّيادَةِ، وهو حُصُولُ البَشَرِ لَهم.

وارْتُقِيَ في الجَوابِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنَ الإنْكارِ بِأنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ مَنفِيًّا …

At-Tawba 9:125Listen in Qur'an →
126

أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?

صفحة ٦٧

﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] إلى آخِرِهِ فَهي مِن تَمامِ التَّفْصِيلِ.

وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ عَلى طَرِيقَةِ تَصْدِيرِ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. والتَّصْدِيرُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في غَرَضِ الِاسْتِفْهامِ.

والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ فِتْنَتَهم فَلا تَعْقُبُها تَوْبَتُهم ولا تَذَكُّرُهم أمْرَ رَبِّهِمْ. والغَرَضُ مِن هَذا الإنْكارِ هو الِاسْتِدْلالُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ ازْدِيادِ كُفْرِ المُنافِقِينَ وتَمَكُّنِهِ كُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ بِإيرادِ دَلِيلٍ واضِحٍ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المَرْئِيِّ حَتّى يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلى مَن لا يَراهُ.

والفِتْنَةُ: اخْتِلالُ نِظامِ الحالَةِ المُعْتادَةِ لِلنّاسِ واضْطِرابُ أمْرِهِمْ، مِثْلُ الأمْراضِ المُنْتَشِرَةِ، والتَّقاتُلِ، واسْتِمْرارِ الخَوْفِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فَمَعْنى ﴿أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ المَصائِبَ والمَضارَّ تَنالُ جَماعَتَهم مِمّا لا يُعْتادُ تَكَرُّرُ أمْثالِهِ في حَياةِ الأُمَمِ بِحَيْثُ يَدُلُّ تَكَرُّرُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مُرادٌ مِنهُ إيقاظُ اللَّهِ النّاسَ إلى سُوءِ سِيرَتِهِمْ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى، بِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مِنَ العِنادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهم لَوْ رُزِقُوا التَّوْفِيقَ لَأفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ، فَعَلِمُوا أنَّ ما يَحِلُّ بِهِمْ كُلَّ عامٍ ما طَرَأ عَلَيْهِمْ إلّا مِن وقْتِ تَلَبُّسِهِمْ بِالنِّفاقِ.

ولا شَكَّ أنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ كانَتْ خاصَّةً بِأهْلِ النِّفاقِ مِن أمْراضٍ تَحِلُّ بِهِمْ، أوْ مَتالِفَ تُصِيبُ أمْوالَهم، أوْ جَوائِحَ تُصِيبُ ثِمارَهم، أوْ نَقْصٍ مِن أنْفُسِهِمْ ومَوالِيدِهِمْ؛ فَإذا حَصَلَ شَيْئانِ مِن ذَلِكَ في السَّنَةِ كانَتِ الفِتْنَةُ مَرَّتَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ أوَلا تَرَوْنَ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ مِن تَنْزِيلِ الرّائِي مَنزِلَةَ غَيْرِهِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ عَدَمَ رُؤْيَتِهِ ما لا يَخْفى.

صفحة ٦٨

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيُّ لِأنَّ المَعْطُوفَ بِها هو زائِدٌ - في رُتْبَةِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِ - عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ حُصُولَ الفِتْنَةِ في ذاتِهِ عَجِيبٌ، وعَدَمَ اهْتِدائِهِمْ لِلتَّدارُكِ بِالتَّوْبَةِ والتَّذَكُّرِ أعْجَبُ. ولَوْ كانَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ لَكانَ مَحَلُّ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ هو تَأخُّرَ تَوْبَتِهِمْ وتَذَكُّرِهِمْ.

وأُتِيَ بِجُمْلَةِ ﴿ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ مُبْتَدَأةً بِاسْمٍ أُسْنِدَ إلَيْهِ فِعْلٌ ولَمْ يَقُلْ: ولا يَذَكَّرُونَ، قَصْدًا لِإفادَةِ التَّقْوى، أيِ انْتِفاءُ تَذَكُّرِهِمْ مُحَقَّقٌ.

At-Tawba 9:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

And whenever a surah is revealed, they look at each other, [saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allah has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.

﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] . والظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] . وإنَّما أُعِيدَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ لِبُعْدِ ما بَيْنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ وجُمْلَةِ الجَزاءِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ الوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِلنُّزُولِ الَّذِي يَقُولُونَ عِنْدَهُ ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وبِالنِّسْبَةِ لِلسُّورَةِ الَّتِي عِنْدَ نُزُولِها يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أوْ لِاخْتِلافِ السُّورَتَيْنِ بِأنَّ المُرادَ هُنا سُورَةٌ فِيها شَيْءٌ خاصٌّ بِهِمْ.

ومُوجِبُ زِيادَةِ ما بَعْدَ (إذا) في الآيَتَيْنِ مُتَّحِدٍ لِاتِّحادِ مُقْتَضِيهِ.

ونَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عِنْدِ نُزُولِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ (نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ) تَعَلَّقَتْ بِهِ أداةُ الظَّرْفِيَّةِ، وهي (إذا) . فَتَعَيِّنَ أنْ يَكُونَ نَظَرُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ حاصِلًا وقْتَ نُزُولِ السُّورَةِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَشْفِ أسْرارِهِمْ وفَضْحِ مَكْرِهِمْ لِأنَّ نَظَرَ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ هو نَظَرُ تَعَجُّبٍ واسْتِفْهامٍ. وقَدْ قالَ - تَعالى - في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] . ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّهم كاتِمُونَ تَعَجُّبَهم مِن

صفحة ٦٩

ظُهُورِ أحْوالِهِمْ خَشْيَةَ الِاعْتِرافِ بِما نُسِبَ إلَيْهِمْ ولِذَلِكَ اجْتَزَوْا بِالتَّناظُرِ دُونَ الكَلامِ. فالنَّظَرُ هُنا نَظَرٌ دالٌّ عَلى ما في ضَمِيرِ النّاظِرِ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِفْهامِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ لِأنَّ النَّظَرَ تَفاهَمُوا بِهِ فِيما هو سِرٌّ بَيْنَهم؛ فَلَمّا كانَ النَّظَرُ نَظَرَ تَفاهُمٍ صَحَّ بَيانُ جُمْلَتِهِ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ، فَفي هَذا النَّظْمِ إيجازُ حَذْفٍ بَدِيعٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. والتَّقْدِيرُ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أمْرِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ بِخائِنَةِ الأعْيُنِ مُسْتَفْهِمِينَ مُتَعَجِّبِينَ مِنِ اطِّلاعِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى أسْرارِهِمْ، أيْ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إذا خَلَوْتُمْ ودَبَّرْتُمْ أُمُورَكم؛ لِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ لا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى دَخِيلَةِ أمْرِهِمْ.

وزِيادَةُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ لِإفادَةِ أنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا مِن نُزُولِ السُّورَةِ الَّتِي أطْلَعَتِ المُؤْمِنِينَ عَلى أسْرارِهِمْ عِبْرَةً ولا قُرْبًا مِنَ الإيمانِ، بَلْ كانَ قُصارى أمْرِهِمُ التَّعَجُّبَ والشَّكَّ في أنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مَن يَبُوحُ بِأسْرارِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا كَأنْ لَمْ تَكُنْ عِبْرَةٌ. وهَذا مِن جُمْلَةِ الفِتَنِ الَّتِي تَحِلُّ بِهِمْ ”ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَكَّرُونَ“ .

وجُمْلَةُ ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ …

At-Tawba 9:127Listen in Qur'an →
128

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you and to the believers is kind and merciful.

صفحة ٧٠

﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهْوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾

كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ شِدَّةٍ وغِلْظَةٍ عَلى المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِنَ الأعْرابِ، وأمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ، وإنْحاءً عَلى المُقَصِّرِينَ في شَأْنِهِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالمُتَّصِفِينَ بِضِدِّ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا والَّذِينَ نَصَرُوا واتَّبَعُوا الرَّسُولَ في ساعَةِ العُسْرَةِ.

فَجاءَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَيْنِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالمِنَّةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِصِفاتِهِ الجامِعَةِ لِلْكَمالِ. ومِن أخَصِّها حِرْصُهُ عَلى هُداهم، ورَغْبَتُهُ في إيمانِهِمْ ودُخُولِهِمْ في جامِعَةِ الإسْلامِ لِيَكُونَ رَؤُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما لَقِيَهُ المُعْرِضُونَ عَنِ الإسْلامِ مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ والفِعْلِ ما هو إلّا اسْتِصْلاحٌ لِحالِهِمْ. وهَذا مِن مَظاهِرِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - تَعالى - مُقارِنَةً لِبِعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، بِحَيْثُ جاءَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِما شَأْنُهُ أنْ يُزِيلَ الحَرَجَ مِن قُلُوبِ الفِرَقِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ آياتُ الشِّدَّةِ وعُومِلُوا بِالغِلْظَةِ تَعْقِيبًا لِلشِّدَّةِ بِالرِّفْقِ ولِلْغِلْظَةِ بِالرَّحْمَةِ، وكَذَلِكَ عادَةُ القُرْآنِ. فَقَدِ انْفَتَحَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بابُ حَظِيرَةِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ لِيَدْخُلَها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ إلَيْها.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وفي وُقُوعِها آخِرَ السُّورَةِ ما يُكْسِبُها مَعْنى التَّذْيِيلِ والخُلاصَةِ.

فالخِطابُ بِقَوْلِهِ: جاءَكم وما تَبِعَهُ مِنَ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ المَدْعُوَّةِ لِلْإسْلامِ.

والمَقْصُودُ بِالخِطابِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هُمُ المُعْرِضُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ مِنَ العَرَبِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ الخِطابِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وسَيَجِيءُ أنَّ المَقْصُودَ العَرَبُ.

صفحة ٧١

وافْتِتاحُها بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ وهُما اللّامُ و(قَدْ) مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مِمّا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الإنْكارُ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لِأجْلِهِ وهو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، ولِأنَّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ ما يُنْكِرُهُ المُنافِقُونَ وهو كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّ في هَذا التَّأْكِيدِ ما يَجْعَلُ المُخاطَبِينَ بِهِ مُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَنْفَعُوا أنْفُسَهم بِهَذا المَجِيءِ، ولِأنَّ في هَذا التَّأْكِيدِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ مُرادًا بِهِ الإيماءُ إلى اقْتِرابِ الرَّحِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُعِيدَ الإخْبارُ بِمَجِيئِهِ وهو حاصِلٌ مُنْذُ أعْوامٍ طَوِيلَةٍ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ انْتِهائِهِ، وهو تَسْجِيلٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيداعٌ لِلْمُنافِقِينَ ومَن بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ. عَلى أنَّ آياتٍ أُخْرى خُوطِبَ بِها أهْلُ الكِتابِ ونَحْوُهم فَأُكِّدَتْ بِأقَلَّ مِن هَذا التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: …

At-Tawba 9:128Listen in Qur'an →
129

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

صفحة ٧٠

﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهْوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾

كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ شِدَّةٍ وغِلْظَةٍ عَلى المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِنَ الأعْرابِ، وأمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ، وإنْحاءً عَلى المُقَصِّرِينَ في شَأْنِهِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِالمُتَّصِفِينَ بِضِدِّ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا والَّذِينَ نَصَرُوا واتَّبَعُوا الرَّسُولَ في ساعَةِ العُسْرَةِ.

فَجاءَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَيْنِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالمِنَّةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِصِفاتِهِ الجامِعَةِ لِلْكَمالِ. ومِن أخَصِّها حِرْصُهُ عَلى هُداهم، ورَغْبَتُهُ في إيمانِهِمْ ودُخُولِهِمْ في جامِعَةِ الإسْلامِ لِيَكُونَ رَؤُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما لَقِيَهُ المُعْرِضُونَ عَنِ الإسْلامِ مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ والفِعْلِ ما هو إلّا اسْتِصْلاحٌ لِحالِهِمْ. وهَذا مِن مَظاهِرِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ - تَعالى - مُقارِنَةً لِبِعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، بِحَيْثُ جاءَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِما شَأْنُهُ أنْ يُزِيلَ الحَرَجَ مِن قُلُوبِ الفِرَقِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ آياتُ الشِّدَّةِ وعُومِلُوا بِالغِلْظَةِ تَعْقِيبًا لِلشِّدَّةِ بِالرِّفْقِ ولِلْغِلْظَةِ بِالرَّحْمَةِ، وكَذَلِكَ عادَةُ القُرْآنِ. فَقَدِ انْفَتَحَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بابُ حَظِيرَةِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ لِيَدْخُلَها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ إلَيْها.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وفي وُقُوعِها آخِرَ السُّورَةِ ما يُكْسِبُها مَعْنى التَّذْيِيلِ والخُلاصَةِ.

فالخِطابُ بِقَوْلِهِ: جاءَكم وما تَبِعَهُ مِنَ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ الأُمَّةِ المَدْعُوَّةِ لِلْإسْلامِ.

والمَقْصُودُ بِالخِطابِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هُمُ المُعْرِضُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ مِنَ العَرَبِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ الخِطابِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وسَيَجِيءُ أنَّ المَقْصُودَ العَرَبُ.

صفحة ٧١

وافْتِتاحُها بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ وهُما اللّامُ و(قَدْ) مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مِمّا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الإنْكارُ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِأهَمِّيَّةِ الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لِأجْلِهِ وهو الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، ولِأنَّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ ما يُنْكِرُهُ المُنافِقُونَ وهو كَوْنُهُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، ولِأنَّ في هَذا التَّأْكِيدِ ما يَجْعَلُ المُخاطَبِينَ بِهِ مُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَنْفَعُوا أنْفُسَهم بِهَذا المَجِيءِ، ولِأنَّ في هَذا التَّأْكِيدِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ مُرادًا بِهِ الإيماءُ إلى اقْتِرابِ الرَّحِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُعِيدَ الإخْبارُ بِمَجِيئِهِ وهو حاصِلٌ مُنْذُ أعْوامٍ طَوِيلَةٍ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ انْتِهائِهِ، وهو تَسْجِيلٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيداعٌ لِلْمُنافِقِينَ ومَن بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ. عَلى أنَّ آياتٍ أُخْرى خُوطِبَ بِها أهْلُ الكِتابِ ونَحْوُهم فَأُكِّدَتْ بِأقَلَّ مِن هَذا التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: …

At-Tawba 9:129Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.