Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

قوله عزّ وجلّ:

﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوْ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالنَفِيرِ إلى الغَزْوِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا أمْرٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَعَبَّرَ عنهُ بِالفَرْضِ عَلى الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

وقالَ جُلُّ الناسِ: بَلْ هَذا حَضٌّ، والأمْرُ في نَفْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ فَرْضُهُ عَلى الأعْيانِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ فَنَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "انْفِرُوا"، ومَعْنى الخِفَّةِ والثِقَلِ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالعُمْيِ ونَحْوِهِمْ فَخارِجٌ عن هَذا، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]»، وذَكَرَ الناسُ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِقَلِ أشْياءَ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، بَلْ هي وُجُوهٌ مُتَّفِقَةٌ، فَقِيلَ: الخَفِيفُ: الغَنِيُّ، والثَقِيلُ: الفَقِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: الشابُّ والثَقِيلُ: الشَيْخُ، قالَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: النَشِيطُ والثَقِيلُ: الكاسِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: المَشْغُولُ ومَن لا شُغْلَ لَهُ، قالَهُ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: الَّذِي لَهُ ضَيْعَةٌ هو الثَقِيلُ ومَن لا ضَيْعَةَ لَهُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وقِيلَ: الشُجاعُ هو الخَفِيفُ والجَبانُ هو الثَقِيلُ، حَكاهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: الرَجُلُ هو الثَقِيلُ والفارِسُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ الأوزاعِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذانِ الوَجْهانِ الآخَرانِ يَنْعَكِسانِ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ بِحَسَبِ وطْأتِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فالشُجاعُ هو الثَقِيلُ، وكَذَلِكَ الفارِسُ، والجَبانُ هو الخَفِيفُ وكَذَلِكَ الراجِلُ، وكَذَلِكَ يَنْعَكِسُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، فَيَكُونُ الغَنِيُّ هو الثَقِيلَ بِمَعْنى صاحِبِ الشُغْلِ، ومَعْنى هَذا أنَّ الناسَ أُمِرُوا جُمْلَةً، وهَذِهِ الأقْوالُ إنَّما هي عَلى مَعْنى المِثالِ في الثِقَلِ والخِفَّةِ، وقالَ أبُو طَلْحَةَ: ما سَمِعَ اللهُ عُذْرَ أحَدٍ، وخَرَجَ إلى الشامِ فَجاهَدَ حَتّى ماتَ، وقالَ أبُو أيُّوبٍ: ما أجِدُنِي أبَدًا إلّا ثَقِيلًا أو خَفِيفًا، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ رَأى في غَزَواتِ الشامِ رَجُلًا سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ: يا عَمِّ، إنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالنَفْرِ خِفافًا وثِقالًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَمَّنْ رَأى المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ بِحِمْصٍ، وهو عَلى تابُوتٍ صَرّافٍ وقَدْ فَضُلَ عَلى التابُوتِ مِن سِمَنِهِ وهو يَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، فَقالَ لَهُ: لَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾، ورُوِيَ: سُورَةُ البُحُوثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ وصْفٌ لِأكْمِلِ ما يَكُونُ مِنَ …

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

قوله عزّ وجلّ:

﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوْ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالنَفِيرِ إلى الغَزْوِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذا أمْرٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَعَبَّرَ عنهُ بِالفَرْضِ عَلى الأعْيانِ في تِلْكَ المُدَّةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

وقالَ جُلُّ الناسِ: بَلْ هَذا حَضٌّ، والأمْرُ في نَفْسِهِ مَوْقُوفٌ عَلى فَرْضِ الكِفايَةِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ فَرْضُهُ عَلى الأعْيانِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ فَنَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "انْفِرُوا"، ومَعْنى الخِفَّةِ والثِقَلِ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالعُمْيِ ونَحْوِهِمْ فَخارِجٌ عن هَذا، ورُوِيَ «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟ فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]»، وذَكَرَ الناسُ مِن مَعانِي الخِفَّةِ والثِقَلِ أشْياءَ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، بَلْ هي وُجُوهٌ مُتَّفِقَةٌ، فَقِيلَ: الخَفِيفُ: الغَنِيُّ، والثَقِيلُ: الفَقِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: الشابُّ والثَقِيلُ: الشَيْخُ، قالَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: الخَفِيفُ: النَشِيطُ والثَقِيلُ: الكاسِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: المَشْغُولُ ومَن لا شُغْلَ لَهُ، قالَهُ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقِيلَ: الَّذِي لَهُ ضَيْعَةٌ هو الثَقِيلُ ومَن لا ضَيْعَةَ لَهُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وقِيلَ: الشُجاعُ هو الخَفِيفُ والجَبانُ هو الثَقِيلُ، حَكاهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: الرَجُلُ هو الثَقِيلُ والفارِسُ هو الخَفِيفُ، قالَهُ الأوزاعِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذانِ الوَجْهانِ الآخَرانِ يَنْعَكِسانِ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ بِحَسَبِ وطْأتِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فالشُجاعُ هو الثَقِيلُ، وكَذَلِكَ الفارِسُ، والجَبانُ هو الخَفِيفُ وكَذَلِكَ الراجِلُ، وكَذَلِكَ يَنْعَكِسُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، فَيَكُونُ الغَنِيُّ هو الثَقِيلَ بِمَعْنى صاحِبِ الشُغْلِ، ومَعْنى هَذا أنَّ الناسَ أُمِرُوا جُمْلَةً، وهَذِهِ الأقْوالُ إنَّما هي عَلى مَعْنى المِثالِ في الثِقَلِ والخِفَّةِ، وقالَ أبُو طَلْحَةَ: ما سَمِعَ اللهُ عُذْرَ أحَدٍ، وخَرَجَ إلى الشامِ فَجاهَدَ حَتّى ماتَ، وقالَ أبُو أيُّوبٍ: ما أجِدُنِي أبَدًا إلّا ثَقِيلًا أو خَفِيفًا، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ رَأى في غَزَواتِ الشامِ رَجُلًا سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، فَقالَ لَهُ: يا عَمِّ، إنَّ اللهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالنَفْرِ خِفافًا وثِقالًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَمَّنْ رَأى المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ بِحِمْصٍ، وهو عَلى تابُوتٍ صَرّافٍ وقَدْ فَضُلَ عَلى التابُوتِ مِن سِمَنِهِ وهو يَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، فَقالَ لَهُ: لَقَدْ عَذَرَكَ اللهُ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾، ورُوِيَ: سُورَةُ البُحُوثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ وصْفٌ لِأكْمِلِ ما يَكُونُ مِنَ …

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

قوله عزّ وجلّ:

﴿عَفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِفاقِ واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، وقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْذِنُهُ فَإنْ أذِنَ لَنا في القُعُودِ قَعَدْنا، وإلّا قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أذِنَ لَهم دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ فَعُفِيَ عنهُ ما يَلْحَقُ مِن هَذا، وقَدَّمَ ذِكْرَ العَفْوِ قَبْلَ العِتابِ إكْرامًا لَهُ ﷺ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأودِيُّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَدَعَ بِرَأْيِهِ في قِصَّتَيْنِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِما بِشَيْءٍ، هَذِهِ وأمْرُ أُسارى بَدْرٍ، فَعاتَبَهُ اللهُ فِيهِما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَفا اللهُ عنكَ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللهُ، وأعَزَّكَ اللهُ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ ﷺ ذَنْبٌ يُعْفى عنهُ، لِأنَّ صُورَةَ الِاسْتِنْفارِ وقَبُولَ الإعْذارِ مَصْرُوفَةٌ إلى اجْتِهادِهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ فَهي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ يُرِيدُ: في اسْتِئْذانِكَ وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ يُرِيدُ: في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ قَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ أذِنْتَ لَهم أو لَمْ تَأْذَنْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: حَتّى تَعْلَمَ الصادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا والكافِرِينَ في ألّا عُذْرَ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَخْتَلِطُ المُتَعَذِّرُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ كالمُسْتَأْذِنِينَ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ أعْلَمُ. وأدْخَلَ الطَبَرِيُّ أيْضًا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَها الآيَةُ الأُخْرى في سُورَةِ النُورِ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ آيَةَ النُورِ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ، فَأباحَ اللهُ لَهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ الآيَةُ، نَفْيٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في التَخَلُّفِ دُونَ عُذْرٍ كَما فَعَلَ الصِنْفُ المَذْكُورُ مِنَ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُجاهِدُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُونَ في التَخَلُّفِ كَراهِيَةَ أنْ يُجاهِدُوا، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

عَلى مَعْنى: لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في أنْ …

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

قوله عزّ وجلّ:

﴿عَفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ في صِنْفٍ مُبالِغٍ في النِفاقِ واسْتَأْذَنُوا دُونَ اعْتِذارٍ، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التابُوتِ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي، وقالَ بَعْضُهُمُ:ائْذَنْ لَنا في الإقامَةِ، فَأذِنَ لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتِبْقاءً مِنهُ عَلَيْهِمْ، وأخْذًا بِالأسْهَلِ مِنَ الأُمُورِ، وتَوَكُّلًا عَلى اللهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْذِنُهُ فَإنْ أذِنَ لَنا في القُعُودِ قَعَدْنا، وإلّا قَعَدْنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أذِنَ لَهم دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ فَعُفِيَ عنهُ ما يَلْحَقُ مِن هَذا، وقَدَّمَ ذِكْرَ العَفْوِ قَبْلَ العِتابِ إكْرامًا لَهُ ﷺ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأودِيُّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَدَعَ بِرَأْيِهِ في قِصَّتَيْنِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِما بِشَيْءٍ، هَذِهِ وأمْرُ أُسارى بَدْرٍ، فَعاتَبَهُ اللهُ فِيهِما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَفا اللهُ عنكَ﴾ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، كَما تَقُولُ: أصْلَحَكَ اللهُ، وأعَزَّكَ اللهُ، ولَمْ يَكُنْ مِنهُ ﷺ ذَنْبٌ يُعْفى عنهُ، لِأنَّ صُورَةَ الِاسْتِنْفارِ وقَبُولَ الإعْذارِ مَصْرُوفَةٌ إلى اجْتِهادِهِ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ فَهي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ يُرِيدُ: في اسْتِئْذانِكَ وأنَّكَ لَوْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم خَرَجُوا مَعَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ يُرِيدُ: في أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوكَ يُظْهِرُونَ لَكَ أنَّهم يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّكَ وهم كَذَبَةٌ قَدْ عَزَمُوا عَلى العِصْيانِ أذِنْتَ لَهم أو لَمْ تَأْذَنْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: حَتّى تَعْلَمَ الصادِقِينَ في أنَّ لَهم عُذْرًا والكافِرِينَ في ألّا عُذْرَ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَخْتَلِطُ المُتَعَذِّرُونَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ كالمُسْتَأْذِنِينَ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، واللهُ أعْلَمُ. وأدْخَلَ الطَبَرِيُّ أيْضًا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَها الآيَةُ الأُخْرى في سُورَةِ النُورِ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ آيَةَ النُورِ نَزَلَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ في اسْتِئْذانِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في بَعْضِ شَأْنِهِمْ في بُيُوتِهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ، فَأباحَ اللهُ لَهُ أنْ يَأْذَنَ، فَتَبايَنَتِ الآيَتانِ في الوَقْتِ والمَعْنى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ الآيَةُ، نَفْيٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في التَخَلُّفِ دُونَ عُذْرٍ كَما فَعَلَ الصِنْفُ المَذْكُورُ مِنَ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُجاهِدُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُونَ في التَخَلُّفِ كَراهِيَةَ أنْ يُجاهِدُوا، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

عَلى مَعْنى: لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في أنْ …

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ:

كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ

لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] إلى ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ. والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.

وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ …

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ:

كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ

لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] إلى ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ. والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.

وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ …

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَنُصُّ عَلى أنَّ المُسْتَأْذِنِينَ إنَّما هم مُخْلَصُونَ لِلنِّفاقِ، ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ مَعْناهُ: شَكَّتْ، والرَيْبُ نَحْوُ الشَكِّ، ويَتَرَدَّدُونَ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ولا يَتَّجِهُ لَهم هُدًى، ومِن هَذِهِ الآيَةِ نَزَعَ أهْلُ الكَلامِ في حَدِّ الشَكِّ أنَّهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والصَوابُ في حَدِّهِ أنَّهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، والتَرَدُّدُ في الآيَةِ إنَّما هو في رَيْبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذْ كانُوا تَخْطُرُ لَهم صِحَّةُ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ أحْيانًا، وأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ أحْيانًا، ولَمْ يَكُونُوا شاكِّينَ طالِبِينَ لِلْحَقِّ؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَّضِحُ لَهم لَوْ طَلَبُوهُ، بَلْ كانُوا مُذَبْذَبِينَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ كالشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ، وأيْضًا فَبَيْنَ الشَكِّ والرَيْبِ فَرْقٌ ما، وحَقِيقَةُ الرَيْبِ إنَّما هو الأمْرُ يَسْتَرِيبُ بِهِ الناظِرُ، فَيَخْلِطُ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، ورُبَّما أدّى إلى شَكٍّ وحَيْرَةٍ، ورُبَّما أدّى إلى عِلْمِ النازِلَةِ الَّتِي هو فِيها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَ الهُذَلِيِّ:

كَأنِّي أرَبْتُهُ بِرَيْبِ

لا يَتَّجِهُ أنْ يُفَسَّرَ بِشَكٍّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في سُورَةِ النُورِ، وأسْنَدَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّهُما قالا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النُورِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] إلى ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا غَلَطٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ الآيَةُ، حُجَّةٌ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ: ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ بِنِيّاتِهِمْ، لَنَظَرُوا في ذَلِكَ واسْتَعَدُّوا لَهُ قَبْلَ كَوْنِهِ. والعُدَّةُ: ما يُعَدُّ لِلْأمْرِ ويُرْوى لَهُ مِنَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عُدَّةً" بِضَمِّ العَيْنِ وتاءِ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وابْنُهُ مُعاوِيَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "عُدَّهُ" بِضَمِّ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، يُرِيدُ: "عُدَّتَهُ" فَحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لَمّا أضافَ، كَما قالَ: "وَإقامِ الصَلاةِ" يُرِيدُ: "وَإقامَةِ الصَلاةِ"، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وضَعَّفَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: إنَّما حَذَفَ تاءَ التَأْنِيثِ وجَعَلَ هاءَ الضَمِيرِ عِوَضًا مِنها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو جَمْعُ "عُدَّةٌ" عَلى "عُدٍّ" كَبُرَّةٍ وبُرٍّ ودُرَّةٍ ودُرٍّ، والوَجْهُ فِيهِ عُدَّدَ ولَكِنْ لا يُوافِقُ خَطَّ المُصْحَفِ، وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى عنهُ أبانُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "عِدَّهُ" بِكَسْرِ العَيْنِ وهاءِ إضْمارٍ، وهو عِنْدِي اسْمٌ لِما يُعَدُّ كالذِبْحِ والقِتْلِ، لِأنَّ العَدُوَّ سُمِّيَ قِتْلًا إذْ حَقُّهُ أنْ يُقْتَلَ، هَذا في مُعْتَقَدِ العَرَبِ حِينَ سَمَّتْهُ.

وانْبِعاثَهم نُفُوذَهم لِهَذِهِ الغَزْوَةِ، والتَثْبِيطُ: التَكْسِيلُ وكَسْرُ …

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ. ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ

وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

و﴿سَقَطُوا﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ …

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ. ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ

وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

و﴿سَقَطُوا﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ …

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ. ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ

وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

و﴿سَقَطُوا﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.