Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ …

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهِ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

واحِدُ "الأحْبارِ" حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ، ويُقالُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والأوَّلُ أفْصَحُ ومِنهُ مِدادُ الحِبْرِ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: لَمْ أسْمَعْهُ إلّا بِكَسْرِ الحاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ فَتْحَ الحاءِ وكَسْرَها في العالِمِ، وقالَ ابْنُ السِكِّيتِ: الحِبْرُ بِالكَسْرِ: المِدادُ، والحَبْرُ بِالفَتْحِ: العالِمُ، والرُهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ وهو الخائِفُ، مِنَ الرَهْبَةِ، وسَمّاهم أرْبابًا وهم لا يَعْبُدُوهم ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَلَقَّوُا الحَلالَ والحَرامَ مِن جِهَتِهِمْ، وهو أمْرٌ لا يُتَلَقّى إلّا مِن جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَحْوُ هَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو العالِيَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبُ ذَهَبٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذا الصَلِيبَ مِن عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ولَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقالَ: ألَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ ما أحَلُّوا وتُحَرِّمُونَ ما حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَذاكَ،» و"المَسِيحَ" عَطْفٌ عَلى الأحْبارِ والرُهْبانِ، وَ"سُبْحانَهُ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن لَفْظِ "سُبْحانَ" فِعْلٌ، والتَقْدِيرُ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا، فَمَعْنى: "سُبْحانَهُ": تَنْزِيهًا لَهُ، واحْتَجَّ مَن يَقُولُ إنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، والغَيْرُ يَقُولُ: إنَّ اتِّخاذَ هَؤُلاءِ الأرْبابِ ضَرْبٌ ما مِنَ الإشْراكِ، وقَدْ يُقالُ في المُرائِي: إنَّهُ أشْرَكَ، وفي ذَلِكَ آثارٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يُطْفئوُا نُورَ اللهِ ) الآيَةُ، نُورُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هُداهُ الصادِرُ عَنِ القُرْآنِ والشَرْعُ المُثْبَتُ في قُلُوبِ الناسِ، فَمِن حَيْثُ سَمّاهُ نُورًا سَمّى مُحاوَلَةَ إفْسادِهِ والصَدَّ في وجْهِهِ إطْفاءً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: النُورُ: القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْصُودِ بِالنُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ حِيلَتِهِمْ وضَعْفِها، أخْبَرَ عنهم أنَّهم يُحاوِلُونَ مُقاوَمَةَ أمْرٍ جَسِيمٍ بِسَعْيٍ ضَعِيفٍ، فَكانَ الإطْفاءَ بِنَفْخِ الأفْواهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِأقْوالٍ لا بُرْهانَ عَلَيْها، فَهي لا تُجاوِزُ الأفْواهَ إلى فَهْمِ سامِعٍ، وقَوْلُهُ: "وَيَأْبى" إيجابٌ يَقَعُ بَعْدَهُ أحْيانًا "إلّا" وذَلِكَ لِوُقُوعِهِ هو مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا يُرِيدُ اللهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: "هُوَ إيجابٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَفْيِ"، ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ وبَيانُهُ ما قُلْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ الآيَةُ، "رَسُولَهُ" يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقَوْلُهُ: "بِالهُدى" يَعُمُّ القُرْآنَ وجَمِيعَ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ: "وَدِينِ الحَقِّ" إشارَةٌ إلى الإسْلامِ …

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيانُ نَقائِصِ المَذْكُورِينَ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن تِلْكَ النَقائِصِ مُتَرَتِّبٌ ضِمْنَ ذَلِكَ، واللامُ في "لَيَأْكُلُونَ" لامُ التَأْكِيدِ، وصُورَةُ هَذا الأكْلِ هي أنَّهم يَأْخُذُونَ مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ وفُرُوضًا بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم أنَّ النَفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَرْعِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ، وهم خِلالَ ذَلِكَ يَحْتَجِنُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمانُ في كِتابِ السِيَرِ عَنِ الراهِبِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ كَنْزُهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِنهم مِن غَلّاتِهِمْ وأمْوالِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ حِمايَةِ الدِينِ والقِيامِ بِالشَرْعِ، وقِيلَ: كانُوا يَرْتَشُونَ في الأحْكامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالباطِلِ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ( يَصُدُّونَ ) الأشْبَهُ هُنا أنْ يَكُونَ مُعَدًّى أيْ: يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ، وهَذا التَرْجِيحُ إنَّما هو لِنَباهَةِ مَنازِلِهِمْ في قَوْمِهِمْ، و"صَدَّ" يُسْتَعْمَلُ واقِفًا ومُتَجاوِزًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا

و"سَبِيلُ اللهِ": الإسْلامُ وشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ في أكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ، والأوَّلُ أرْجَحُ. وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "فَبَشِّرْهُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلُونَ" عَلى نَظَرٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ الضَمِيرَ لَمْ يُؤَكَّدْ، وأسْنَدَ أبُو حاتِمٍ إلى عِلْباءَ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لَمّا أمَرَ عُثْمانُ بِكَتْبِ المُصْحَفِ أرادَ أنْ يَنْقُصَ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِينَ يَكْنِزُونَ" فَأبِي ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وقالَ: "لَتُلْحِقَنَّها أو لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي" فَألْحَقُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى إرادَةِ عُثْمانَ يَجْرِي قَوْلُ مُعاوِيَةَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، وخالَفَهُ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: بَلْ هي فِينا، فَشَكاهُ إلى عُثْمانَ فاسْتَدْعاهُ مِنَ الشامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الرِبْذَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْبارِ والرُهْبانِ الآكِلِينَ المالَ بِالباطِلِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ نَقْصِ الكانِزِينَ المانِعِينَ حَقَّ المالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "الَّذِينَ يَكْنِزُونَ" بِغَيْرِ واوٍ، و"يَكْنِزُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ ويَحْفَظُونَ في الأوعِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُنَخَّلِ الهُذَلِيِّ:

؎ لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ جائِعَهم ∗∗∗ ∗∗∗ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ

أيْ مَحْفُوظٌ في أوعِيَتِهِ، ولَيْسَ مِن شُرُوطِ الكَنْزِ الدَفْنُ لَكِنْ كَثُرَ في حَفَظَةِ المالِ أنْ يَدْفِنُوهُ حَتّى تُعُورِفَ في المَدْفُونِ اسْمُ الكَنْزِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُهُمْ: "رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخَلْقِ" أيْ مُجْتَمِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:

؎ عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيانُ نَقائِصِ المَذْكُورِينَ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن تِلْكَ النَقائِصِ مُتَرَتِّبٌ ضِمْنَ ذَلِكَ، واللامُ في "لَيَأْكُلُونَ" لامُ التَأْكِيدِ، وصُورَةُ هَذا الأكْلِ هي أنَّهم يَأْخُذُونَ مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ وفُرُوضًا بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم أنَّ النَفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَرْعِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ، وهم خِلالَ ذَلِكَ يَحْتَجِنُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمانُ في كِتابِ السِيَرِ عَنِ الراهِبِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ كَنْزُهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِنهم مِن غَلّاتِهِمْ وأمْوالِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ حِمايَةِ الدِينِ والقِيامِ بِالشَرْعِ، وقِيلَ: كانُوا يَرْتَشُونَ في الأحْكامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالباطِلِ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ( يَصُدُّونَ ) الأشْبَهُ هُنا أنْ يَكُونَ مُعَدًّى أيْ: يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ، وهَذا التَرْجِيحُ إنَّما هو لِنَباهَةِ مَنازِلِهِمْ في قَوْمِهِمْ، و"صَدَّ" يُسْتَعْمَلُ واقِفًا ومُتَجاوِزًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا

و"سَبِيلُ اللهِ": الإسْلامُ وشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ في أكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ، والأوَّلُ أرْجَحُ. وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "فَبَشِّرْهُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلُونَ" عَلى نَظَرٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ الضَمِيرَ لَمْ يُؤَكَّدْ، وأسْنَدَ أبُو حاتِمٍ إلى عِلْباءَ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لَمّا أمَرَ عُثْمانُ بِكَتْبِ المُصْحَفِ أرادَ أنْ يَنْقُصَ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِينَ يَكْنِزُونَ" فَأبِي ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وقالَ: "لَتُلْحِقَنَّها أو لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي" فَألْحَقُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى إرادَةِ عُثْمانَ يَجْرِي قَوْلُ مُعاوِيَةَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، وخالَفَهُ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: بَلْ هي فِينا، فَشَكاهُ إلى عُثْمانَ فاسْتَدْعاهُ مِنَ الشامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الرِبْذَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْبارِ والرُهْبانِ الآكِلِينَ المالَ بِالباطِلِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ نَقْصِ الكانِزِينَ المانِعِينَ حَقَّ المالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "الَّذِينَ يَكْنِزُونَ" بِغَيْرِ واوٍ، و"يَكْنِزُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ ويَحْفَظُونَ في الأوعِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُنَخَّلِ الهُذَلِيِّ:

؎ لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ جائِعَهم ∗∗∗ ∗∗∗ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ

أيْ مَحْفُوظٌ في أوعِيَتِهِ، ولَيْسَ مِن شُرُوطِ الكَنْزِ الدَفْنُ لَكِنْ كَثُرَ في حَفَظَةِ المالِ أنْ يَدْفِنُوهُ حَتّى تُعُورِفَ في المَدْفُونِ اسْمُ الكَنْزِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُهُمْ: "رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخَلْقِ" أيْ مُجْتَمِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:

؎ عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللهِ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ -والَّتِي بَعْدَها- تَتَضَمَّنُ ما كانَتِ العَرَبُ شَرَعَتْهُ في جاهِلِيَّتِها مِن تَحْرِيمِ شُهُورِ الحِلِّ، وتَحْلِيلِ شُهُورِ الحُرْمَةِ، وإذا نُصَّ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ تَبَيَّنَ مَعْنى الآياتِ، فالَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ ويَنْفَكُّ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرَ الناسُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا عَيْشَ لِأكْثَرِها إلّا مِنَ الغاراتِ وإعْمالِ سِلاحِها، فَكانُوا إذا تَوالَتْ عَلَيْهِمْ حَرَكَةُ ذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ صَعُبَ عَلَيْهِمْ وأمْلَقُوا، وكانَ بَنُو فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ أهْلَ دِينٍ في العَرَبِ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فانْتُدِبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُهُورَ لِلْعَرَبِ، ثُمَّ خَلَّفَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبّادُ بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ خَلَّفَ ابْنَهُ قَلْعَ بْنَ عَبّادٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ قَلْعٍ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الأمْرَ كانَ في عُدْوانٍ قَبْلَ بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وكانَتْ صُورَةُ فِعْلِهِمْ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا فَرَغَتْ مَن حَجِّها جاءَ إلَيْهِ مَن شاءَ مِنهم مُجْتَمِعِينَ، فَقالُوا: أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ: أخِّرَ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ فاجْعَلْها في صَفَرَ، فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ فَيُغِيرُونَ فِيهِ ويَعِيشُونَ، ثُمَّ يَلْتَزِمُونَ حُرْمَةَ صَفَرَ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُسَمُّونَ ذَلِكَ الصَفَرَ المُحَرَّمَ، ثُمَّ يُسَمَّوْنَ رَبِيعًا الأوَّلَ صَفَرًا ورَبِيعًا الآخَرَ رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا في سائِرِ الشُهُورِ يَسْتَقْبِلُونَ سَنَتَهم مِنَ المُحَرَّمِ المَوْضُوعِ لَهم فَيَسْقُطُ عَلى هَذا حُكْمُ المُحَرِّمِ الَّذِي حُلِّلَ لَهُمْ، وتَجِيءُ السَنَةُ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا أوَّلُها المُحَرَّمُ المُحَلَّلُ ثُمَّ المُحَرَّمُ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ صَفَرُ، ثُمَّ اسْتِقْبالُ السَنَةِ كَما ذَكَرْنا، فَفي هَذا قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ أيْ: لَيْسَتْ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ الطَبَرِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ وكِيعٍ عن عِمْرانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عن حُصَيْنٍ عن أبِي مالِكٍ قالَ: كانُوا يَجْعَلُونَ السَنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: ثُمَّ كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ ولاءً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ عامَيْنِ ولاءً، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى جاءَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في ذِي القِعْدَةِ حَقِيقَةً، وهم يُسَمُّونَهُ ذا الحِجَّةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ حَقِيقَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَمَواتِ والأرْضَ، السَنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ"،» وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ في حَجَّةِ الوَداعِ فَساقَ الحَدِيثَ فَقالَ فِيهِ: …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

"النَسِيءُ" عَلى وزْنِ فَعِيلٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأ اللهُ في أجْلِكَ ونَسَأ في أجْلِكَ. ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن سَرَّهُ النَسْأ في الأجَلِ والسَعَةَ في الرِزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"». وهَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ والسَبْعَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ وقَوْمٌ مَعَهُ في الشاذِّ: "النَسِيَّ" مُشَدَّدَةَ الياءِ، وقَرَأ فِيما رَوى عنهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والزُهْرِيُّ: "النَسِيءُ"، وقَرَأ أيْضًا فِيما رُوِيَ عنهُ: "النَسْءُ" عَلى وزْنِ "النَسْعِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "النَسْيُ". فَأمّا "النَسِيءُ" بِالمَدِّ والهَمْزِ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مَصْدَرٌ مِثْلُ النَكِيرِ والنَذِيرِ وعَذِيرِ الحَيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ، والمُؤَخَّرُ الشَهْرُ، ولا يَكُونُ الشَهْرُ زِيادَةً في الكُفْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ويَنْفَصِلُ عن إلْزامِ أبِي عَلِيٍّ بِأنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ، كَأنَّ المَعْنى: إنَّما إنْساءُ النَسِيءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مِن مَعْنى الزِيادَةِ، أيْ زِيادَتُهم في الأشْهُرِ، وقالَ أبُو وائِلٍ: كانَ "النَسِيءُ" رَجُلًا مِن بَنِي كِنانَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا "النَسْيُّ" فَهو الأوَّلُ بِعَيْنِهِ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ، وقِيلَ: قُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وأمّا "النَسْءُ" فَهو مَصْدَرٌ مَن نَسَأ إذا أخَّرَ، وأمّا "النَسْيُ" فَقِيلَ: تَخْفِيفُ هَمْزَةِ "النَسْءِ" وذَلِكَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرٌ مِن نَسِيَ يَنْسى إذا تَرَكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والنَسِيءُ هو فِعْلُ العَرَبِ في تَأْخِيرِهِمُ الحُرْمَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ أيْ: جارٍ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللهِ، وخِلافٌ مِنهم لِلْحَقِّ، فالكُفْرُ مُتَكَثِّرٌ بِهَذا الفِعْلِ الَّذِي هو باطِلٌ في نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومِمّا وُجِدَ في أشْعارِها مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ بَعْضِهِمْ:

ومِنّا مُنْسِئُ الشَهْرِ القَلَمَّسْ

وقالَ الآخَرُ:

؎ نَسَؤُوا الشُهُورَ بِها وكانُوا أهْلَها ∗∗∗ مِن قَبْلِكم والعِزُّ لَمْ يَتَحَوَّلِ

ومِنهُ قَوْلُ جِذْلِ الطِعانِ:

؎ وقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ قَوْمِي ∗∗∗ ∗∗∗ كِرامُ الناسِ إنَّ لَهم كِراما

؎ فَأيُّ الناسِ فاتُونا بِوِتْرٍ؟ ∗∗∗ ∗∗∗ وأيُّ الناسِ لَمْ تَعُلْكَ لِجاما؟

؎ ألَسْنا الناسِئِينَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ ∗∗∗ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: "يُضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، فَإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ اللهُ، وإمّا عَلى مَعْنى: يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أتْباعَهُمْ، فَـ "الَّذِينَ" في التَأْوِيلِ الأوَّلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الثانِي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "يُضَلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضادِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ هي بِلا اخْتِلافٍ نازِلَةٌ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخْلَّفَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُومَ في عِشْرِينَ ألْفًا بَيْنَراكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عنهُ قَبائِلُ مِنَ الناسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرُ ومُنافِقُونَ، فالعِتابُ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلْقَبائِلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وخَصَّ الثَلاثَةَ: كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنَ الرَبِيعِ، وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ بِذَلِكَ التَذْنِيبِ الشَدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُحْبَةِ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ كَما يَأْتِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: قِيلَ يُرِيدُ النَبِيَّ ﷺ إلّا أنَّ صَرْفَهُ الفِعْلَ لا يُسَمّى فاعِلُهُ يَقْتَضِي غِلاظًا ومُخاشَنَةً ما.

والنَفْرُ هو التَنَقُّلُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ، يُقالُ في ابْنِ آدَمَ: نَفَرَ إلى الأمْرِ يَنْفِرُ نَفِيرًا ونَفْرًا، ويُقالُ في الدابَّةِ: نَفَرَتْ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا، وقَوْلَهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التاءُ في الثاءِ فاحْتِيجَ إلى ألِفِ الوَصْلِ، كَما قالَ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] وكَما تَقُولُ: "ازَّيَّنَ"، وكَما قالَ الشاعِرُ:

؎ تُولِي الضَجِيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلُ

وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ-: "تَثاقَلْتُمْ" عَلى الأصْلِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ "تَتَثاقَلْتُمْ" بِتاءَيْنِ ثُمَّ ثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وقالَ: هي خَطَأٌ أو غَلَطٌ، وصَوَّبَ "تَثاقَلْتُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ إنْ لَوْ قُرِئَ بِها، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ عِبارَةٌ عن تَخَلُّفِهِمْ ونُكُولِهِمْ وتَرْكِهِمُ الغَزْوَ لِسُكْنى دِيارِهِمْ والتِزامِ نَخْلِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو نَحْوُ مَن: أخْلَدَ إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: "أرَضِيتُمْ" تَقْرِيرٌ يَقُولُ: أرْضِيتُمْ نَزْرَ الدُنْيا عَلى خَطِيرِ الآخِرَةِ وحَظِّها الأسْعَدِ؟ ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: إنَّ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ قَلِيلٌ نَزْرٌ، فَتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ التَعَجُّبَ مِن ضَلالِ مَن يَرْضى النَزْرَ بَدَلَ الكَثِيرِ الباقِي.

وقَوْلُهُ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةُ، ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ، وقَوْلُهُ: "يُعَذِّبْكُمْ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ عَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ، والتَهْدِيدُ بِعُمُومِهِ أشَدُّ تَخْوِيفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عنكُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبِيلَةً مِنَ القَبائِلِ فَقَعَدَتْ فَأمْسَكَ اللهُ عنها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ،» و"ألِيمٌ" بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ:

؎ أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ ∗∗∗......................

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ تَوَعُّدٌ بِأنْ يُبَدِّلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمًا لا يَقْعُدُونَ عِنْدَ …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ هي بِلا اخْتِلافٍ نازِلَةٌ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخْلَّفَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُومَ في عِشْرِينَ ألْفًا بَيْنَراكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عنهُ قَبائِلُ مِنَ الناسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرُ ومُنافِقُونَ، فالعِتابُ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلْقَبائِلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وخَصَّ الثَلاثَةَ: كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنَ الرَبِيعِ، وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ بِذَلِكَ التَذْنِيبِ الشَدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُحْبَةِ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ كَما يَأْتِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: قِيلَ يُرِيدُ النَبِيَّ ﷺ إلّا أنَّ صَرْفَهُ الفِعْلَ لا يُسَمّى فاعِلُهُ يَقْتَضِي غِلاظًا ومُخاشَنَةً ما.

والنَفْرُ هو التَنَقُّلُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ، يُقالُ في ابْنِ آدَمَ: نَفَرَ إلى الأمْرِ يَنْفِرُ نَفِيرًا ونَفْرًا، ويُقالُ في الدابَّةِ: نَفَرَتْ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا، وقَوْلَهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التاءُ في الثاءِ فاحْتِيجَ إلى ألِفِ الوَصْلِ، كَما قالَ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢] وكَما تَقُولُ: "ازَّيَّنَ"، وكَما قالَ الشاعِرُ:

؎ تُولِي الضَجِيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلُ

وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ-: "تَثاقَلْتُمْ" عَلى الأصْلِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ "تَتَثاقَلْتُمْ" بِتاءَيْنِ ثُمَّ ثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وقالَ: هي خَطَأٌ أو غَلَطٌ، وصَوَّبَ "تَثاقَلْتُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ إنْ لَوْ قُرِئَ بِها، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ عِبارَةٌ عن تَخَلُّفِهِمْ ونُكُولِهِمْ وتَرْكِهِمُ الغَزْوَ لِسُكْنى دِيارِهِمْ والتِزامِ نَخْلِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو نَحْوُ مَن: أخْلَدَ إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: "أرَضِيتُمْ" تَقْرِيرٌ يَقُولُ: أرْضِيتُمْ نَزْرَ الدُنْيا عَلى خَطِيرِ الآخِرَةِ وحَظِّها الأسْعَدِ؟ ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: إنَّ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ قَلِيلٌ نَزْرٌ، فَتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ التَعَجُّبَ مِن ضَلالِ مَن يَرْضى النَزْرَ بَدَلَ الكَثِيرِ الباقِي.

وقَوْلُهُ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ الآيَةُ، ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ، وقَوْلُهُ: "يُعَذِّبْكُمْ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ عَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ، والتَهْدِيدُ بِعُمُومِهِ أشَدُّ تَخْوِيفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عنكُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبِيلَةً مِنَ القَبائِلِ فَقَعَدَتْ فَأمْسَكَ اللهُ عنها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ،» و"ألِيمٌ" بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ:

؎ أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ ∗∗∗......................

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ تَوَعُّدٌ بِأنْ يُبَدِّلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمًا لا يَقْعُدُونَ عِنْدَ …

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهُ مَعَنا فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُفْلى وكَلِمَةُ اللهُ هي العُلْيا واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

هَذا أيْضًا شَرْطٌ وجَوابٌ والجَوابُ في الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقَدْ" وفِيما بَعْدَها، قالَ النَقّاشُ: هَذِهِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن سُورَةِ التَوْبَةِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّكم إنْ تَرَكْتُمْ نَصْرَهُ فاللهُ مُتَكَفِّلٌ بِهِ، إذْ قَدْ نَصَرَهُ في مَوْضِعِ القِلَّةِ والِانْفِرادِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَنَصْرُهُ إيّاهُ اليَوْمَ أحْرى مِنهُ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُرِيدُ: فَعَلُوا مِنَ الأفاعِيلِ ما أدّى إلى خُرُوجِهِ، وأسْنَدَ الإخْراجَ إلَيْهِمْ إذِ المَقْصُودُ تَذْنِيبُهُمْ، ولَمّا كانَ مَقْصِدُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ الفَخْرَ في قَوْلِهِ: "مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَّرَدِ" لَمْ يُقَرِّرْهُ النَبِيُّ ﷺ، والإشارَةُ إلى خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وفي صُحْبَتِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِصارُ القِصَّةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَرَكَ ذِمَّةَ ابْنِ الدُغُنَّةِ قَدْ أرادَ الخُرُوجَ مِن مَكَّةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اصْبِرْ فَلَعَلَّ اللهَ أنْ يُسَهِّلَ في الصُحْبَةِ"، فَلَمّا أذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ في الخُرُوجِ تَجَهَّزَ مِن دارِ أبِي بَكْرٍ وخَرَجا فَبَقِيا في الغارِ الَّذِي في جَبَلٍ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّةَ ثَلاثَ لَيالٍ، وخَرَجَ المُشْرِكُونَ في أثَرِهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى الغارِ، فَطُمِسَ عَلَيْهِمُ الأثَرُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: "لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى قَدَمِهِ لَرَآنا"، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُما"؟» ويُرْوى أنَّ العنكَبُوتَ نَسَجَتْ عَلى بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ الحَمامَةَ عَشَّشَتْ عِنْدَ بابِ الغارِ، ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَجْعَلَ ثُمامًا في بابِ الغارِ فَتَخَيَّلَهُ المُشْرِكُونَ نابِتًا وصَرَفَهُمُ اللهُ عنهُ، ووَقَعَ في "الدَلائِلِ" في حَدِيثِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَبَتَتْ عَلى بابِ الغارِ "راءَةٌ" أمَرَها اللهُ بِذَلِكَ في الحِينِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: جَمْعُها "راءٌ" وهي مِن نَباتِ السَهْلِ.

ورُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا دَخَلَ الغارَ خَرَقَ رِداءَهُ فَسَدَّ بِهِ كُواءَ الغارِ لِئَلّا يَكُونَ فِيها حَيَوانٌ يُؤْذِي النَبِيَّ ﷺ،» ورُوِيَ أنَّهُ بَقِيَتْ واحِدَةٌ فَسَدَّها بِرِجْلِهِ فَوَقى اللهُ تَعالى، وكانَ يَرُوحُ عَلَيْهِما بِاللَبَنِ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ مَعْناهُ: أحَدُ اثْنَيْنِ، وهَذا كَثالِثِ ثَلاثَةٍ ورابِعِ أرْبَعَةٍ، فَإذا اخْتَلَفَ اللَفْظُ فَقُلْتَ: "رابِعَ ثَلاثَةٍ فالمَعْنى: صَيَّرَ الثَلاثَةَ بِنَفْسِهِ أرْبَعَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ثانِيَ اثْنَيْنِ" بِنَصْبِ الياءِ مِن "ثانِي". قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ غَيْرُ هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ثانِي اثْنَيْنِ" بِسُكُونِ الياءِ مِن "ثانِي"، قالَ أبُو الفَتْحِ: حَكاها أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ تَشْبِيهًا لَها بِالألِفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذِهِ كَقِراءَةِ: "ما بَقِيَ مِنَ الرِبا" …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.