Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾

لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟ قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ. و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١].

وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".

ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾

لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟ قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ. و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١].

وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".

ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أولِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾

لَمّا حَكَمَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّ الصِنْفَيْنِ لا يَسْتَوُونَ بَيَّنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وأوضَحَهُ، فَعَدَّدَ الإيمانَ والهِجْرَةَ، والجِهادَ بِالمالِ والنَفْسِ، وحَكَمَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الخِصالِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، ورِضْوانِهِ، والفَوْزُ: بُلُوغُ البُغْيَةِ، إمّا في نَيْلِ رَغْبَةٍ، أو نَجاةٍ مِن مَهْلَكَةٍ، ويَنْظُرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الحَدِيثُ الَّذِي جاءَ "دَعُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الخِصالِ عَلى سُيُوفِهِمُ انْبَنى الإسْلامُ، وهم رَدُّوا الناسَ إلى الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ، وقِراءَةُ الناسِ: "يُبَشِّرُهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ،، وحُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "يَبْشُرُهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ خَفِيفَةً، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى جابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن هَذا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟ قالَ: رِضْوانِي"»، وفي البُخارِيِّ في كِتابِ السُنَّةِ مِنهُ: « "فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرِضْوانٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وعَمْرٌو: "وَرُضْوانٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الراءِ والضادِ جَمِيعًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ الآيَةُ.

ظاهِرُ هَذِهِ المُخاطَبَةِ أنَّها لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وهي باقِيَةُ الحُكْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الحَضِّ عَلى الهِجْرَةِ ورَفْضِ بِلادِ الكُفْرِ، فالمُخاطَبَةُ -عَلى هَذا- إنَّما هي لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا في مَكَّةَ وغَيْرِها مِن بِلادِ العَرَبِ، خُوطِبُوا بِألا يُوالُوا الآباءَ والإخْوَةَ فَيَكُونُونَ لَهم تَبَعًا في سُكْنى بِلادِ الكُفْرِ، ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إذِ الأغْلَبُ مِنَ البَشَرِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ التَبَعُ لِلْآباءِ. و"الإخْوانُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ أخِ النَسَبِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١].

وَقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنِ اسْتَحَبُّوا" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "إنْ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، و"اسْتَحَبُّوا" مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ بِـ "عَلى".

ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَن والاهم واتَّبَعَهم في أغْراضِهِمْ فَإنَّهُ ظالِمٌ، أيْ واضِعٌ لِلشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ لا ظُلْمُ الكُفْرِ.

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهِ بِأمْرِهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي مَذْهَبَ مَن رَأى أنَّ هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما مَقْصُودُها الحَضُّ عَلى الهِجْرَةِ، وفي ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى عَذابٍ أو عُقُوبَةٍ مِنَ اللهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، والمَعْنى: فَإذا جاءَ اللهُ بِأمْرِهِ فَلَمْ تُسْلِفُوا ما يَكُونُ لَكم بِهِ أجْرًا ومَكانَةً في الإسْلامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذُكِرَ الأبْناءُ في الآيَةِ لَمّا جَلَبَتْ ذَكَرَهُمُ المُحِبَّةُ، والأبْناءُ صَدْرٌ في المَحَبَّةِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في أنْ يَتْبَعَهم آباؤُهم في آرائِهِمْ كَما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَعَشِيرَتُكُمْ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ بِخِلافٍ عنهُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِصْمَةٌ: "وَعَشِيراتُكُمْ"، وحَسَّنَ هَذا الجَمْعَ إذْ لِكُلِّ أحَدٍ عَشِيرَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، ويُحَسِّنُ الإفْرادَ أنَّ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ قالَ: إنَّما تَجْمَعُ العَرَبُ "عَشائِرَ" ولا تَكادُ تَقُولُ "عَشِيراتٍ"، و﴿اقْتَرَفْتُمُوها﴾ مَعْناهُ: اكْتَسَبْتُمُوها، وأصْلُ الِاقْتِرافِ والمُقارَفَةِ: مُقارَبَةُ الشَيْءِ. ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ بَيِّنٌ في أنْواعِ المالِ، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الإشارَةُ إلى البَناتِ اللَواتِي لا يَتَزَوَّجْنَ ولا يُوجَدُ لَهُنَّ خاطِبٌ، و"مَساكِنُ" جَمْعُ مَسْكَنٍ بِفَتْحِ الكافِ، مَفْعَلٌ مِنَ السُكْنى، وما كانَ مِن هَذا مُعْتَلَّ الفاءِ فَإنَّما يَأْتِي عَلى مَفْعِلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ كَمَوْعِدٍ ومَوْطِنٍ، والمَساكِنُ: القُصُورُ والدُورُ، و"أحَبَّ" خَبَرُ كانَ، وكانَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ يَقْرَؤُها: "أحَبُّ" بِالرَفْعِ، ولَهُ في ذَلِكَ خَبَرٌ مَعَ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، سَألَهُ الحَجّاجُ: هَلْ تَسْمَعُنِي ألْحَنُ؟ قالَ: نَعَمْ، في هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ لَهُ رَفْعَ "أحَبَّ" فَنَفاهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ خارِجٌ في العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُضْمَرَ في كانَ الأمْرُ والشَأْنُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ عُمُومُ لَفْظٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافى عَلى فِسْقِهِ، أو عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى أنَّهُ لا هِدايَةَ مِن حَيْثُ الفِسْقُ.

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ. و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ …

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ. و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ …

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عنكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، يُعَدِّدُ اللهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، و"مَواطِنَ" جَمْعُ مَوْطِنٍ بِكَسْرِ الطاءِ، والمَوْطِنُ: مَوْضِعُ الإقامَةِ أوِ الحُلُولِ لِأنَّهُ أوَّلُ الإقامَةِ، والمَواطِنُ المُشارُ إلَيْها بَدْرٌ، والخَنْدَقُ، والنَضِيرُ، وقُرَيْظَةُ، ولَمْ يُصْرَفْ "مَواطِنُ" لِأنَّهُ جَمْعٌ وَنِهايَةُ جَمْعٍ. و"يَوْمَ" عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "فِي مَواطِنَ" أو عَلى لَفْظَةٍ بِتَقْدِيرٍ: "وَفِي يَوْمِ"، فانْحَذَفَ حَرْفُ الخَفْضِ، و"حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ قَرِيبٌ مِن ذِي المَجازِ، وصُرِفَ حِينَ أُرِيدَ بِهِ المَوْضِعُ والمَكانُ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ البُقْعَةُ لَمْ يُصْرَفْ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ نَصَرُوا نَبِيَّهم وشَدُّوا أزْرَهُ ∗∗∗ بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قالَ حِينَ رَأى حَمْلَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا: "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ"،» ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَها فَأرادَ اللهُ إظْهارَ العَجْزِ فَظَهَرَ حِينَ فَرَّ الناسُ، ثُمَّ عَطَفَ القَدَرُ بِنَصْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِقَدْرِ ما هي رَحْبَةٌ واسِعَةٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ يُرِيدُ فِرارَ الناسِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتِصارُ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وكانَ في عَشَرَةِ آلافٍ مِن أصْحابِهِ وانْضافَ إلَيْهِ ألْفانِ مِنَ الطُلَقاءِ فَصارَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا سَمِعَ بِذَلِكَ كُفّارُ العَرَبِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَتْ لَهُ هَوازِنُ وألْفافُها وعَلَيْهِمْ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَصْرِيُّ، وثَقِيفٌ وعَلَيْهِمْ عَبْدُ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، وانْضافَ إلَيْهِمْ أخْلاطٌ مِنَ الناسِ حَتّى كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ، فَلَمّا تَصافَّ الناسُ حَمَلَ المُشْرِكُونَ مِن جَوانِبِ الوادِي، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ، قالَ قَتادَةُ: ويُقالُ: إنَّ الطُلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ، «وَقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ الفِهْرِيُّ: كُنْتُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وكانَ عَلى فَرَسٍ قَدِ اكْتَنَفَهُ العَبّاسُ عَمُّهُ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ أيْمَنُ بْنُ أمِّ أيْمَنَ -وَثُمَّ قُتِلَ رَحِمَهُ اللهُ- فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ شِدَّةَ الحالِ نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إلى الأرْضِ -قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ - واسْتَنْصَرَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وحَصًى فَرَمى بِها وُجُوهَ الكُفّارِ، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ"، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: تَطاوَلَ مِن فَرَسِهِ فَأخَذَ قَبْضَةَ التُرابِ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ لِنَصْرِهِ ونادى رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا لَلْأنْصارِ"، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ …

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنْ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قالَ قَتادَةُ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ، وغَيْرُهُما: صِفَةُ المُشْرِكِ بِالنَجَسِ إنَّما كانَتْ لِأنَّهُ جُنُبٌ، إذْ غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ لَيْسَ بِغُسْلٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بَلْ مَعْنى الشِرْكِ هو الَّذِي نَجَّسَهُ كَنَجاسَةِ الخَمْرِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَمَن قالَ: "بِسَبَبِ الجَنابَةِ" أوجَبَ الغُسْلَ عَلى مَن يُسَلِّمُ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ لَمْ يُوجِبِ الغُسْلَ، والمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلى القَوْلِ بِإيجابِ الغُسْلِ إلّا ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ فَإنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِواجِبٍ.

وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "نِجْسٌ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ الجِيمِ.

وَنَصَّ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقاسَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ جَمِيعَ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وقاسَ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَنَعَ مِن دُخُولِ الجَمِيعِ في جَمِيعِ المَساجِدِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى عُمّالِهِ، ونَزَعَ في كِتابِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وقالَ الشافِعِيُّ: هي عامَّةٌ في الكُفّارِ خاصَّةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى والوَثَنِيِّينَ في سائِرِ المَساجِدِ، ومِن حُجَّتِهِ حَدِيثُ رَبْطِ ثُمامَةَ بْنِ أثالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ " هي خاصَّةٌ في عَبَدَةِ الأوثانِ وفي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأباحَ دُخُولَ اليَهُودِ والنَصارى في المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، ودُخُولَ عَبَدَةِ الأوثانِ في سائِرِ المَساجِدِ، وقالَ عَطاءٌ: وصْفُ المَسْجِدِ بِالحَرامِ ومَنعُ القُرْبِ يَقْتَضِي مَنعَهم مِن جَمِيعِ الحَرَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقُوَّةُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا﴾ تَقْتَضِي أمْرَ المُسْلِمِينَ بِمَنعِهِمْ، «وَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقَتادَةُ: لا يَقْرَبُ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ إلّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ جِزْيَةٍ أو عَبْدًا لِمُسْلِمٍ،» وعَبَدَةُ الأوثانِ مُشْرِكُونَ بِإجْماعٍ.

واخْتُلِفَ في أهْلِ الكِتابِ فَمَذْهَبُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ تَتَبَيَّنُ في فِقْهِ مَناكِحِهِمْ وذَبائِحِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ يُرِيدُ: بَعْدَ عامِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ بِالناسِ وأذَّنَ عَلِيٌّ بِسُورَةِ بَراءَةٍ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ قالَ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: المَعْنى: وإذْ خِفْتُمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ عُجْمَةٌ، والمَعْنى بارِعٌ بِـ "وَإنْ"، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمّا -مُنِعَ المُشْرِكُونَ مِنَ المَوْسِمِ وهم كانُوا يَجْلِبُونَ الأطْعِمَةَ والتِجاراتِ- قَذَفَ الشَيْطانُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، وقالُوا: مِن أيْنَ نَعِيشُ؟ فَوَعَدَهُمُ اللهُ بِأنْ يُغْنِيَهم مِن فَضْلِهِ، قالَ الضَحّاكُ: فَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بابَ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الذِمَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى حَتّى يَقْتُلُوا أو يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في غَزْوِ الرُومِ، ومَشى نَحْوَ تَبُوكَ، ومَن جَعَلَ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكِينَ فَهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهُ ناسِخَةٌ بِما فِيها مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ونَفى عنهُمُ الإيمانَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن حَيْثُ تَرَكُوا شَرْعَ الإسْلامِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُخُولُ فِيهِ، فَصارَ جَمِيعُ ما لَهم وفي اللهِ عَزَّ وجَلَّ وفي البَعْثِ مِن تَخَيُّلاتٍ واعْتِقاداتٍ لا مَعْنى لَها، إذْ تَلَقَّوْها مِن غَيْرِ طَرِيقِها، وأيْضًا فَلَمْ تَكُنِ اعْتِقاداتُهم مُسْتَقِيمَةً، لِأنَّهم تَشَعَّبُوا وقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، واللهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَهم أيْضًا في البَعْثِ آراءٌ كَثِيرَةٌ، كَشِراءِ مَنازِلِ الجَنَّةِ مِنَ الرُهْبانِ، وقَوْلِ اليَهُودِ في النارِ: نَكُونُ فِيها أيّامًا بِعَدَدٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾ فَبَيَّنَ ونَصَّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَدِينُونَ﴾ فَمَعْناهُ: ولا يُطِيعُونَ ويَمْتَثِلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ما عَقَلْتُ أبَوَيَّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِينَ، والدِينُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وهي هاهُنا: الشَرِيعَةُ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَنَصٌّ في بَنِي إسْرائِيلَ وفي الرُومِ، وأجْمَعَ الناسُ في ذَلِكَ، وأمّا المَجُوسُ فَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ"،» فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى ذَلِكَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، ولَيْسُوا أهْلَ الكِتابِ، فَعَلى هَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَشْبِيهُ إلى ذَبائِحِهِمْ ومَناكِحِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ".

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ إذْ هم أهْلُ كِتابٍ، فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ التَشْبِيهُ في ذَبائِحِهِمْ وغَيْرِها، والأوَّلُ هو قَوْلُ مالِكٍ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قَدْ كانَ بُعِثَ في المَجُوسِ نَبِيٌّ اسْمُهُ زَرادِشْتُ، وأمّا مَجُوسُ العَرَبِ فَقالَ ابْنُ وهْبٍ: لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا بُدَّ مِنَ القِتالِ أوِ الإسْلامِ، وقالَ سِحْنُونُ، وابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِن مَجُوسِ العَرَبِ والأُمَمِ كُلِّها، وأمّا عَبَدَةُ الأوثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللهُ فِيهِمْ جِزْيَةً، ولا بَقِيَ مِنهم عَلى الأرْضِ بَشَرٌ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وإنَّما لَهُمُ القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهو قَوْلُ أبُو حَنِيفَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُوجَدُ لِابْنِ القاسِمِ أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أيْضًا في "التَفْرِيعِ" لِابْنِ الجَلّابِ، وهو احْتِمالٌ لا نَصٌّ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ مِنَ العَرَبِ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهُمْ، …

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهِ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

الَّذِي كَثُرَ في كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ فِرْقَةً مِنَ اليَهُودِ تَقُولُ هَذِهِ المَقالَةَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْها إلّا فِنْحاصُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَها أرْبَعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ، سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أبِي أوفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ، وقالَ النَقّاشُ: لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُها بَلِ انْقَرَضُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَإذا قالَها واحِدٌ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يَلْزَمَ الجَماعَةَ شُنْعَةُ المَقالَةِ لِأجْلِ نَباهَةِ القائِلِ فِيهِمْ، وأقْوالُ النُبَهاءِ أبَدًا مَشْهُورَةٌ في الناسِ يُحْتَجُّ بِها، فَمِن هُنا صَحَّ أنْ تَقُولَ الجَماعَةُ قَوْلَ نَبِيِّها.

وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ" بِتَنْوِينِ "عُزَيْرٍ"، والمَعْنى أنَّ "ابْنًا" -عَلى هَذا- خَبَرُ ابْتِداءٍ عن "عُزَيْرٌ"، وهَذا هو أصَحُّ المَذاهِبِ لِأنَّهُ المَعْنى المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ. و"عُزَيْرٌ" ونَحْوُهُ- يَنْصَرِفُ عَجَمِيًّا كانَ أو عَرَبِيًّا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ" دُونَ تَنْوِينِ "عُزَيْرٌ"، فَقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" خَبَرٌ عن "عُزَيْرٌ"، وإنَّما حُذِفَ التَنْوِينُ مِن "عُزَيْرٌ" لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، ونَحْوُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أحَدُ اللهُ الصَمَدُ". قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو كَثِيرٌ في الشِعْرِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ:

؎ لِتَجِدَنِّي بِالأمِيرِ بَرّا وبِالقَناةِ مِدْعَسًا مِكَرّا

إذا عُطَيْفُ السُلَمِيُّ فَرّا

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالألِفُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ- ثابِتَةٌ في "ابْنِ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: "ابْنُ" صِفَةٌ لِـ "عُزَيْرٌ"، كَما تَقُولُ: "زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو "، وجُعِلَتِ الصِفَةُ والمَوْصُوفُ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وحُذِفَ التَنْوِينُ إذا جاءَ الساكِنانِ كَأنَّهُما التَقَيا مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ مَعْبُودُنا وإلَهُنا، أوِ المَعْنى: مَعْبُودُنا أو إلَهُنا عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ والتَأْوِيلِ أنْ يُحْذَفَ الألِفُ مِنِ "ابْنُ" لَكِنَّها تَثْبُتُ في خَطِّ المُصْحَفِ، فَيَتَدَرَّجُ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ قِراءَةَ التَنْوِينِ في "عُزَيْرٌ" أقْواها.

وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أصابَتْهم فِتَنٌ وبَلاءٌ -وَقِيلَ مَرَضٌ- وأذْهَبَ اللهُ عنهُمُ التَوْراةَ في ذَلِكَ ونَسُوها، وكانَ عُلَماؤُهم قَدْ دَفَنُوها أوَّلَ ما أحَسُّوا بِذَلِكَ البَلاءِ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ فُقِدَتِ التَوْراةُ جُمْلَةً فَحَفَّظَها اللهُ عُزَيْرًا كَرامَةً مِنهُ لَهُ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ حَفَّظَنِي التَوْراةَ فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَها مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ إنَّ التَوْراةَ المَدْفُونَةَ وُجِدَتْ فَإذا هي مُساوِيَةٌ لِما كانَ عُزَيْرٌ يَدْرُسُ، فَضَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ هَذا لَنْ يَتَهَيَّأ إلّا وهو ابْنُ اللهِ، وظاهِرُ قَوْلِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ أنَّها بُنُوَّةُ النَسْلِ كَما قالَتِ العَرَبُ في المَلائِكَةِ، وكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْلُ الضَحّاكِ والطَبَرِيِّ وغَيْرِهِما، وهَذا أشْنَعُ في الكُفْرِ، قالَ أبُو المَعالِي: أطْبَقَتِ النَصارى عَلى أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ وأنَّهُ ابْنُ الإلَهِ.

قالَ القاضِي أبُو …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.