وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾
قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: "السابِقُونَ الأوَّلُونَ": مَن شَهِدَ بَدْرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحُوِّلَتِ القِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
وقالَ عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَعْبِيُّ: ( السابِقُونَ الأوَّلُونَ ): مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ يُرِيدُ سائِرَ الصَحابَةِ، ويَدْخُلُ في هَذا اللَفْظِ التابِعُونَ وسائِرُ الأُمَّةِ لَكِنْ بِشَرِيطَةِ الإحْسانِ، وقَدْ لَزِمَ هَذا الِاسْمُ الطَبَقَةَ الَّتِي رَأتْ مَن رَأى النَبِيَّ ﷺ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ السابِقِينَ الأوَّلِينَ هم جَمِيعُ مَن هاجَرَ إلى أنِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةِ لَكانَ قَوْلًا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وتَكُونُ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ عَطْفُ عَلى قَوْلِهِ: "والسابِقُونَ".
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، وسَعِيدٌ، ويَعْقُوبُ بْنُ طَلْحَةَ، وعِيسى الكُوفِيُّ: "والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ" بِرَفْعِ الراءِ عَطْفًا عَلى "والسابِقُونَ"، وكَذَلِكَ يَنْعَطِفُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ جَعَلَ الِاتِّباعَ عَدِيلًا لِلْأنْصارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ سَمِعَهُ فَرَدَّهُ فَبَعَثَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿والسابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنّا نَرى إلّا أنّا قَدْ رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَنالُها مَعَنا أحَدٌ، فَقالَ أُبَيٌّ: إنَّ مِصْداقَ هَذا في كِتابِ اللهِ في أوَّلِ سُورَةِ الجُمْعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وفي سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وفي سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فَرَجَعَ عُمَرُ إلى قَوْلِ أُبَيٍّ، ونَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التابِعَيْنِ وهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَما نَبَّهَ مَن ذَكَرَهم قَوْلُهُ ﷺ: « "اللهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ وَأبْناءَ الأنْصارِ وأبْناءَ أبْناءِ الأنْصارِ"» فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن تَحْتِها الأنْهارُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "تَحْتَها" بِإسْقاطِ "مِن"، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الحُكْمُ بِالرِضى عنهم بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وغَفْرِ ذُنُوبِهِمْ، والحُكْمُ بِرِضاهم عنهُ في شُكْرِهِمْ وحَمْدِهِمْ عَلى نِعَمِهِ وإيمانِهِمْ بِهِ وطاعَتِهِمْ لَهُ، جَعَلَنا اللهُ مِنَ الفائِزِينَ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةُ. مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَرَّكَ في بَعْضِها أُمَّتَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ …