Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.

والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.

الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.

صفحة ١١٩

قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

وقَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.

واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.

والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.

الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.

صفحة ١١٩

قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

وقَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.

واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا …

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

صفحة ١٢٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَخازِيَ المُنافِقِينَ وسُوءَ طَرِيقَتِهِمْ بَيَّنَ بَعْدَما عَرَّفَ بِهِ الرَّسُولَ أنَّ الصَّلاحَ في أنْ لا يَسْتَصْحِبَهم في غَزَواتِهِ؛ لِأنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ يُوجِبُ أنْواعًا مِنَ الفَسادِ. فَقالَ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ إنْ رَدَّكَ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ، ومَعْنى الرَّجْعِ: مَصِيرُ الشَّيْءِ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ رَجْعًا كَقَوْلِكَ رَدَدْتُهُ رَدًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ إنَّما خَصَّصَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ ما كانُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم مُخْلِصِينَ مَعْذُورِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ: لِلْغَزْوِ مَعَكَ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ إلى غَزْوَةٍ، وهَذا يَجْرِي مَجْرى الذَّمِّ واللَّعْنِ لَهم، ومَجْرى إظْهارِ نِفاقِهِمْ وفَضائِحِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في الجِهادِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ إذا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ بَعْدَ إقْدامِهِمْ عَلى الِاسْتِئْذانِ، كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ خارِجِينَ عَنِ الإسْلامِ مَوْصُوفِينَ بِالمَكْرِ والخِداعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ حَذَرًا مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَصارَ هَذا المَعْنى مِن هَذا الوَجْهِ جارِيًا مَجْرى اللَّعْنِ والطَّرْدِ.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ [الفتح: ١٥] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ المَنعَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ: القُعُودُ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، يَعْنِي أنَّ الحاجَةَ في المَرَّةِ الأُولى إلى مُوافَقَتِكم كانَتْ أشَدَّ، وبَعْدَ ذَلِكَ زالَتْ تِلْكَ الحاجَةُ، فَلَمّا تَخَلَّفْتُمْ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلى حُضُورِكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا نَقْبَلُكم، ولا نَلْتَفِتُ إلَيْكم، وفي اللَّفْظِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ صاحِبَ الكَشّافِ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرَّةٍ﴾ فِي﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وُضِعَتْ مَوْضِعَ المَرّاتِ، ثُمَّ أُضِيفَ لَفْظُ الأوَّلِ إلَيْها، وهو دالٌّ عَلى واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: أُولى مَرَّةٍ.

وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ أكْثَرَ اللُّغَتَيْنِ أنْ يُقالَ: هِنْدٌ أكْبَرُ النِّساءِ، ولا يُقالُ: هِنْدٌ كُبْرى النِّساءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الخالِفِ أقْوالًا: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الخالِفُونَ جَمْعٌ، واحِدُهم خالِفٌ، وهو مَن يَخْلُفُ الرَّجُلَ في قَوْمِهِ، ومَعْناهُ مَعَ الخالِفِينَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ في البَيْتِ، فَلا يَبْرَحُونَ، والثّانِي: أنَّ الخالِفِينَ مُفَسَّرٌ بِالمُخالِفِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَبْدٌ خالِفٌ وصاحِبٌ خالِفٌ إذا كانَ مُخالِفًا. وقالَ الأخْفَشُ: فُلانٌ خالَفَهُ أهْلُ بَيْتِهِ إذا كانَ مُخالِفًا لَهم. وقالَ اللَّيْثُ: هَذا الرَّجُلُ خالِفَةٌ، أيْ: مُخالِفٌ كَثِيرُ الخِلافِ، وقَوْمٌ خالِفُونَ، فَإذا جَمَعْتَ …

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَسْعى في تَخْذِيلِهِمْ وإهانَتِهِمْ وإذْلالِهِمْ، فالَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى وهو مَنعُهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ إلى الغَزَواتِ سَبَبٌ قَوِيٌّ مِن أسْبابِ إذْلالِهِمْ وإهانَتِهِمْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مَنعُ الرَّسُولِ مِن أنْ يُصَلِّيَ عَلى مَن ماتَ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ قَوِيٌّ في إذْلالِهِمْ وتَخْذِيلِهِمْ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا اشْتَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إذا ماتَ ويَقُومَ عَلى قَبْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَطْلُبُ مِنهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ القَمِيصَ الفَوْقانِيَّ، فَرَدَّهُ وطَلَبَ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ تُعْطِي قَمِيصَكَ الرِّجْسَ النَّجِسَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَ بِهِ ألْفًا في الإسْلامِ“ . وكانَ المُنافِقُونَ لا يُفارِقُونَ عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ هَذا القَمِيصَ ويَرْجُو أنْ يَنْفَعَهُ، أسْلَمَ مِنهم يَوْمَئِذٍ ألْفٌ، فَلَمّا ماتَ جاءَ ابْنُهُ يَعْرِفُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِهِ: ”صَلِّ عَلَيْهِ وادْفِنْهُ“ . فَقالَ: إنْ لَمْ تُصَلِّ عَلَيْهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ. فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ فَحالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ القِبْلَةِ؛ لِئَلّا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ وقالَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا»﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى مَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ مِن مَناقِبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ نَزَلَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ:

مِنها آيَةُ أخْذِ الفِداءِ عَنْ أُسارى بَدْرٍ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.

وثانِيها: آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

وثالِثُها: آيَةُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.

ورابِعُها: آيَةُ أمْرِ النِّسْوانِ بِالحِجابِ.

وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ. فَصارَ نُزُولُ الوَحْيِ عَلى مُطابَقَةِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنصِبًا عالِيًا ودَرَجَةً رَفِيعَةً لَهُ في الدِّينِ؛ فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّهِ: ”«لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثْتَ يا عُمَرُ نَبِيًّا» “ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّسُولَ رَغِبَ في أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ كَوْنَهُ كافِرًا وقَدْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وأنَّ صَلاةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ تَجْرِي مَجْرى الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ لَهُ، وأيْضًا إذا صَلّى عَلَيْهِ فَقَدْ دَعا لَهُ، وذَلِكَ مَحْظُورٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ البَتَّةَ، وأيْضًا دَفْعُ القَمِيصِ إلَيْهِ يُوجِبُ إعْزازَهُ ؟

والجَوابُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ قَمِيصَهُ الَّذِي مَسَّ جِلْدَهُ لِيُدْفَنَ فِيهِ، غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ انْتَقَلَ إلى الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتٌ يَتُوبُ فِيهِ الفاجِرُ ويُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ، فَلَمّا رَأى مِنهُ …

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.

وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .

ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.

أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ

صفحة ١٢٤

بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.

وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً …

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.

وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .

ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.

أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ

صفحة ١٢٤

بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.

وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً …

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.

وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .

ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.

أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ

صفحة ١٢٤

بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.

وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً …

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُنافِقِينَ في الفِرارِ عَنِ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّ حالَ الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِالضِّدِّ مِنهُ، حَيْثُ بَذَلُوا المالَ والنَّفْسَ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ، وهي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ عَنِ الغَزْوِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم، وأخْلَصُ نِيَّةً واعْتِقادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ (الأنْعامِ: ٨٩) وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٨) ولَمّا وصَفَهم بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ ذَكَرَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، وهو أنْواعٌ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الخَيْراتِ، يَتَناوَلُ مَنافِعَ الدّارَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ. وقِيلَ: ﴿الخَيْراتُ﴾ . الحُورُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٧٠) .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ المُرادُ مِنهُ الثَّوابُ. وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العِقابِ والعَذابِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجَنّاتُ كالتَّفْسِيرِ لِلْخَيْراتِ ولِلْفَلاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُحْمَلَ تِلْكَ الخَيْراتُ والفَلاحُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، مِثْلِ

صفحة ١٢٦

الغَزْوِ، والكَرامَةِ، والثَّرْوَةِ، والقُدْرَةِ، والغَلَبَةِ، وتُحْمَلُ الجَنّاتُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، و﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الحالَةِ مَرْتَبَةً رَفِيعَةً، ودَرَجَةً عالِيَةً.

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُنافِقِينَ في الفِرارِ عَنِ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّ حالَ الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِالضِّدِّ مِنهُ، حَيْثُ بَذَلُوا المالَ والنَّفْسَ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ، وهي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ عَنِ الغَزْوِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم، وأخْلَصُ نِيَّةً واعْتِقادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ (الأنْعامِ: ٨٩) وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٨) ولَمّا وصَفَهم بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ ذَكَرَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، وهو أنْواعٌ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الخَيْراتِ، يَتَناوَلُ مَنافِعَ الدّارَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ. وقِيلَ: ﴿الخَيْراتُ﴾ . الحُورُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٧٠) .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ المُرادُ مِنهُ الثَّوابُ. وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العِقابِ والعَذابِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجَنّاتُ كالتَّفْسِيرِ لِلْخَيْراتِ ولِلْفَلاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُحْمَلَ تِلْكَ الخَيْراتُ والفَلاحُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، مِثْلِ

صفحة ١٢٦

الغَزْوِ، والكَرامَةِ، والثَّرْوَةِ، والقُدْرَةِ، والغَلَبَةِ، وتُحْمَلُ الجَنّاتُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، و﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الحالَةِ مَرْتَبَةً رَفِيعَةً، ودَرَجَةً عالِيَةً.

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ ابْتَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِشَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ وقالَ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ، وذَهَبَ إلى أنَّ المُعْذِرَ هو المُجْتَهِدُ الَّذِي لَهُ عُذْرٌ، والمُعَذِّرُ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يَعْتَذِرُ بِلا عُذْرٍ.

والحاصِلُ: أنَّ المُعْذِرَ هو المُجْتَهِدُ البالِغُ في العُذْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ أعْذَرَ مَن أنْذَرَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَلَ بَيْنَ أصْحابِ العُذْرِ وبَيْنَ الكاذِبِينَ، فالمُعَذِّرُونَ هُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِالعُذْرِ. قِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ. قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنّا بِنا جَهْدًا فائْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ. وقِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا: إنْ غَزَوْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلَيْنا، فَأذِنَ رَسُولُ اللَّهِ لَهم. وعَنْ مُجاهِدٍ: نَفَرٌ مِن غَطَفانَ اعْتَذَرُوا. والَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ العامَّةِ فَلَهُ وجْهانِ مِنَ العَرَبِيَّةِ.

الوَجْهُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: وهو أنَّ الأصْلَ في هَذا اللَّفْظِ: المُعْتَذِرُونَ، فَحُوِّلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى العَيْنِ، وأُبْدِلَتِ الذّالُ مِنَ التّاءِ، وأُدْغِمَتْ في الذّالِ الَّتِي بَعْدَها، فَصارَتِ التّاءُ ذالًا مُشَدَّدَةً. والِاعْتِذارُ قَدْ يَكُونُ بِالكَذِبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٩٤) فَبَيَّنَ كَوْنَ هَذا الِاعْتِذارِ فاسِدًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ . وقَدْ يَكُونُ بِالصِّدْقِ كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:

ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ

يُرِيدُ فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ عَلى وزْنِ قَوْلِنا: مُفَعِّلُونَ مِنَ التَّعْذِيرِ الَّذِي هو التَّقْصِيرُ. يُقالُ: عَذَّرَ تَعْذِيرًا إذا قَصَّرَ ولَمْ يُبالِغْ. يُقالُ: قامَ فُلانٌ قِيامَ تَعْذِيرٍ، إذا اسْتَكْفَيْتَهُ في أمْرٍ فَقَصَّرَ فِيهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، كانَ (المُعْذِرُونَ) كاذِبِينَ. وأمّا إنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ، وفَسَّرْناها بِالمُعْتَذِرِينَ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا صادِقِينَ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المُعَذِّرُونَ كانُوا صادِقِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَهم قالَ بَعْدَهم: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَلَمّا مَيَّزَهم عَنِ الكاذِبِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِكاذِبِينَ. ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ هَذا الكَلامُ قالَ: إنْ أقْوامًا تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِباطِلٍ، فَهُمُ الَّذِينَ عَناهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ وتَخَلَّفَ الآخَرُونَ لا لِعُذْرٍ ولا لِشُبْهَةِ عُذْرٍ جَراءَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ والَّذِي قالَهُ أبُو

صفحة ١٢٧

عَمْرٍو مُحْتَمَلٌ، إلّا أنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ ما جاءُوا وما اعْتَذَرُوا، وظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّهم كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.