Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى ما حَصَلَ لِلْمُنافِقِينَ عِنْدَ الِاسْتِنْفارِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخَلَّفِينَ خُصُوصُ مَن تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ.

ومُناسَبَةُ وُقُوعِها في هَذا المَوْضِعِ أنَّ فَرَحَهم بِتَخَلُّفِهِمْ قَدْ قَوِيَ لَمّا اسْتَغْفَرَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وظَنُّوا أنَّهُمُ اسْتَغْفَلُوهُ فَقَضَوْا مَأْرَبَهم ثُمَّ حَصَّلُوا الِاسْتِغْفارَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ إيّاهم تَجْرِي عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ.

فالمُخَلَّفُونَ هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيءَ ﷺ فَأذِنَ لَهم وكانُوا مِنَ المُنافِقِينَ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ في الآيَةِ وصْفُ المُخَلَّفِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ لِأنَّ النَّبِيءَ خَلَّفَهم، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ إلّا لِعِلْمِهِ بِفَسادِ قُلُوبِهِمْ وأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنِ المُسْلِمِينَ شَيْئًا كَما قالَ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧]

وذِكْرُ فَرَحِهِمْ دَلالَةٌ عَلى نِفاقِهِمْ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَكانَ التَّخَلُّفُ نَكَدًا عَلَيْهِمْ ونَغْصًا كَما وقَعَ لِلثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والمَقْعَدُ هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْ بِقُعُودِهِمْ.

و(خِلافَ) لُغَةٌ في (خَلْفَ) . يُقالُ: أقامَ خِلافَ الحَيِّ بِمَعْنى بَعْدَهم، أيْ ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ. ومِن نُكْتَةِ اخْتِيارِ لَفْظِ خِلافٍ دُونَ خَلْفَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ قُعُودَهم كانَ

صفحة ٢٨١

مُخالَفَةً لِإرادَةِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ اسْتَنْفَرَ النّاسَ كُلَّهم لِلْغَزْوِ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ بِمَقْعَدِهِمْ لِمُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ.

وكَراهِيَتُهُمُ الجِهادَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ خَصْلَةٌ أُخْرى مِن خِصالِ النِّفاقِ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ، ولِكَوْنِها خَصْلَةً أُخْرى جُعِلَتْ جُمْلَتُها مَعْطُوفَةً ولَمْ تُجْعَلْ مُقْتَرِنَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ فَرَحَهم بِالقُعُودِ سَبَبُهُ هو الكَراهِيَةُ لِلْجِهادِ.

وقَوْلُهم ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وكانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ في وقْتِ الحَرِّ حِينَ طابَتِ الظِّلالُ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ قَرْعُ أسْماعِهِمْ بِهَذا الكَلامِ.

وكَوْنُ نارِ جَهَنَّمَ أشَدَّ حَرًّا مِن حَرِّ القَيْظِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِالإخْبارِ عَنْهُ. فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِما هو مَعْلُومٌ تَعْرِيضًا بِتَجْهِيلِهِمْ لِأنَّهم حَذِرُوا مِن حَرٍّ قَلِيلٍ، وأقْحَمُوا أنْفُسَهم فِيما يَصِيرُ بِهِمْ إلى حَرٍّ أشَدَّ. فَيَكُونُ هَذا التَّذْكِيرُ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ واقِعِينَ في نارِ جَهَنَّمَ لِأجْلِ قُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ في الحَرِّ، وفِيهِ كِنايَةٌ عُرْضِيَّةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ صائِرِينَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ تَتْمِيمٌ، لِلتَّجْهِيلِ والتَّذْكِيرِ، أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

تَفْرِيعُ كَلامٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ مِن ذِكْرِ فَرَحِهِمْ، ومِن إفادَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم أهْلُها وصائِرُونَ إلَيْها.

صفحة ٢٨٢

والضَّحِكُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الفَرَحِ أوْ أُرِيدَ ضَحِكُهم فَرَحًا لِاعْتِقادِهِمْ تَرْوِيجَ حِيلَتِهِمْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ إذْ أذِنَ لَهم بِالتَّخَلُّفِ.

والبُكاءُ كِنايَةٌ عَنْ حُزْنِهِمْ في الآخِرَةِ فالأمْرُ بِالضَّحِكِ وبِالبُكاءِ مُسْتَعْمَلٌ في الإخْبارِ بِحُصُولِهِما قَطْعًا إذْ جُعِلا مِن أمْرِ اللَّهِ أوْ هو أمْرُ تَكْوِينٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] والمَعْنى أنَّ فَرَحَهم زائِلٌ وأنَّ بُكاءَهم دائِمٌ.

والضَّحِكُ كَيْفِيَّةٌ في الفَمِ تَتَمَدَّدَ مِنها الشَّفَتانِ ورُبَّما أسْفَرَتا عَنِ الأسْنانِ، وهي كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ السُّرُورِ والتَّعَجُّبِ مِنَ الحُسْنِ.

والبُكاءُ كَيْفِيَّةٌ في الوَجْهِ والعَيْنَيْنِ تَنْقَبِضُ بِها الوَجْنَتانِ والأسارِيرُ والأنْفُ ويَسِيلُ الدَّمْعُ مِنَ العَيْنَيْنِ، وذَلِكَ يَعْرِضُ عِنْدَ الحُزْنِ والعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَةِ الغَلَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، أيْ جَزاءً لَهم، والمَجْعُولُ جَزاءً هو البُكاءُ المُعاقِبُ لِلضَّحِكِ القَلِيلِ لِأنَّهُ سَلَبَ نِعْمَةً بِنِقْمَةٍ عَظِيمَةٍ.

وما كانُوا يَكْسِبُونَ هو أعْمالُ نِفاقِهِمْ، واخْتِيرَ المَوْصُولُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ لِأنَّهُ أشْمَلُ مَعَ الإيجازِ.

وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ وصِيغَةِ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] .

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] إذْ فُرِّعَ عَلى الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ عِقابٌ آخَرُ لَهم، بِإبْعادِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ المُسْلِمِينَ في غَزَواتِهِمْ.

وفِعْلُ رَجَعَ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا مُرادِفًا لِـ (أرْجَعَ) . وهو هُنا مُتَعَدٍّ، أيْ أرْجَعَكَ اللَّهُ.

صفحة ٢٨٣

وجُعِلَ الإرْجاعُ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ المُخَلَّفِينَ عَلى وجْهِ الإيجازِ لِأنَّ المَقْصُودَ الإرْجاعُ إلى الحَدِيثِ مَعَهم في مِثْلِ القِصَّةِ المُتَحَدَّثُ عَنْها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بَيانَ مُعامَلَتِهِ مَعَ طائِفَةٍ، اخْتُصِرَ الكَلامُ، فَقِيلَ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ الإرْجاعَ الحَقِيقِيَّ كَما جَرَتْ عَلَيْهِ عِباراتُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وجَعَلُوهُ الإرْجاعَ مِن سَفَرِ تَبُوكَ مَعَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ بَلِ المُرادُ المَجازِيُّ، أيْ تَكَرَّرَ الخَوْضُ مَعَهم مَرَّةً أُخْرى.

والطّائِفَةُ الجَماعَةُ وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. أوْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

والمُرادُ بِالطّائِفَةِ هُنا جَماعَةٌ مِنَ المُخَلَّفِينَ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ إلى طائِفَةٍ مِنهم يَبْتَغُونَ الخُرُوجَ لِلْغَزْوِ، فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ المُنافِقِينَ أرادُوا الخُرُوجَ لِلْغَزْوِ طَمَعًا في الغَنِيمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ المُخَلَّفِينَ تابُوا وأسْلَمُوا فاسْتَأْذَنُوا لِلْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ يُحْتَمَلُ أنَّ مَنعَهم مِنَ الخُرُوجِ لِلْخَوْفِ مِن غَدْرِهِمْ إنْ كانُوا مُنافِقِينَ أوْ لِمُجَرَّدِ التَّأْدِيبِ لَهم إنْ كانُوا قَدْ تابُوا وآمَنُوا.

وما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم صالِحٌ لِلْوَجْهَيْنِ.

والجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ بِـ (لَنْ) وبَيْنَ كَلِمَةِ أبَدًا تَأْكِيدٌ لِمَعْنى لَنْ لِانْتِفاءِ خُرُوجِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ إلى الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتِّعْدادِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ، أيْ إنَّكم تُحِبُّونَ القُعُودَ وتَرْضَوْنَ بِهِ فَقَدْ زِدْتُكم مِنهُ.

وفِعْلُ (رَضِيتُمْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ القُعُودِ عَمَلٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يَأْباهُ النّاسُ حَتّى أُطْلِقَ عَلى ارْتِكابِهِ فِعْلُ (رَضِيَ) المُشْعِرُ بِالمُحاوَلَةِ والمُراوَضَةِ. جُعِلُوا كالَّذِي يُحاوِلُ نَفْسَهُ عَلى عَمَلٍ وتَأْبى حَتّى يُرْضِيَها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

وانْتَصَبَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هُنا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المَرَّةَ هُنا لَمّا كانَتْ في زَمَنٍ مَعْرُوفٍ لَهم وهو زَمَنُ الخُرُوجِ إلى تَبُوكَ ضَمِنَتْ مَعْنى الزَّمانِ. وانْتِصابُ المَصْدَرِ بِالنِّيابَةِ عَنِ

صفحة ٢٨٤

اسْمِ الزَّمانِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، بِخِلافِ انْتِصابِها في قَوْلِهِ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] …

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾

لَمّا انْقَضى الكَلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِلْمُنافِقِينَ النّاشِئِ عَنِ الِاعْتِذارِ والحَلِفِ الكاذِبَيْنِ، وكانَ الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم مَشُوبًا بِصُورَةِ التَّخْيِيرِ في الِاسْتِغْفارِ لَهم، وكانَ ذَلِكَ يُبْقِي شَيْئًا مِن طَمَعِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم يَحْسَبُونَ المُعامَلَةَ الرَّبّانِيَّةَ تَجْرِي عَلى ظَواهِرِ الأعْمالِ والألْفاظِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، تَهَيَّأ الحالُ لِلتَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم والصَّلاةِ عَلى مَوْتاهم، فَإنَّ الصَّلاةَ عَلى المَيِّتِ اسْتِغْفارٌ.

فَجُمْلَةُ ولا تُصَلِّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] عَطْفُ كَلامٍ مُرادٍ إلْحاقُهُ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَنْزِلُ مُراعًى فِيهِ مَواقِعُ وضْعِ الآيِ.

وضَمِيرُ مِنهم عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِسِيماهم وأعْمالِهِمُ الماضِيَةِ الذِّكْرِ.

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ

صفحة ٢٨٥

لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ وثَبْتُ إلَيْهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُصَلِّي عَلى ابْنِ أُبَيٍّ وقَدْ قالَ يَوْمَ كَذا وكَذا: كَذا وكَذا ! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، فَلَمّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: إنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، لَوْ أعْلَمُ أنِّي لَوْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها. قالَ: فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتِ الآيَتانِ مِن ”بَراءَةٌ“ ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم فاسِقُونَ﴾ قالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ» اهـ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى «فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى قُبِضَ ﷺ وإنَّما صَلّى عَلَيْهِ وأعْطاهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ إكْرامًا لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وتَأْلِيفًا لِلْخَزْرَجِ» .

وقَوْلُهُ: (مِنهم) صِفَةُ (أحَدٍ) . وجُمْلَةُ ماتَ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أحَدٍ)

ومَعْنى ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ لا تَقِفْ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْنِهِ لِأنَّ المُشارَكَةَ في دَفْنِ المُسْلِمِ حَقٌّ عَلى المُسْلِمِ عَلى الكِفايَةِ كالصَّلاةِ عَلَيْهِ فَتَرْكُ النَّبِيءِ ﷺ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ وحُضُورَ دَفْنِهِمْ إعْلانٌ بِكُفْرِ مَن تُرِكَ ذَلِكَ لَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ وقَدْ أغْنى وُجُودُ (إنَّ) في أوَّلِها عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ.

والفِسْقُ مُرادٌ بِهِ الكُفْرُ، فالتَّعْبِيرُ بِـ (فاسِقُونَ) عِوَضَ (كافِرُونَ) مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ. والأحْسَنُ أنْ يُفَسَّرَ الفِسْقُ هُنا بِالخُرُوجِ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، أيْ بِصُورَةِ الإيمانِ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِسْقِ مَعْنًى أشْنَعَ مِنَ الكُفْرِ.

وضَمائِرُ إنَّهم كَفَرُوا - وماتُوا - وهم فاسِقُونَ عائِدَةٌ إلى (أحَدٍ) لِأنَّهُ عامٌّ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّهْيِ والنَّهْيُ كالنَّفْيِ. وأمّا وصْفُهُ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ: ماتَ …

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

صفحة ٢٨٦

﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾

الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ بِهِ المُسْلِمُونَ، أيْ لا تُعْجِبْكم. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذا الكَلامِ هُنا أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما يَدُلُّ عَلى شَقاوَتِهِمْ في الحَياةِ الآخِرَةِ كانَ ذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ في نُفُوسِ النّاسِ أنَّ المُنافِقِينَ حَصَّلُوا سَعادَةَ الحَياةِ الدُّنْيا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وخَسِرُوا الآخِرَةَ. ورُبَّما كانَ في ذَلِكَ حَيْرَةٌ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ وهم أعْداؤُهُ وبُغَضاءُ نَبِيِّهِ. ورُبَّما كانَ في ذَلِكَ أيْضًا مَسْلاةٌ لَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ والأوْلادَ وإنْ كانَتْ في صُورَةِ النِّعْمَةِ فَهي لَهم نِقْمَةٌ وعَذابٌ، وأنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم بِها في الدُّنْيا بِأنْ سَلَبَهم طُمَأْنِينَةَ البالِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم لَمّا اكْتَسَبُوا عَداوَةَ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ أنْ يُغْرِيَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهِمْ فَيَسْتَأْصِلَهم، كَما قالَ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا إلى مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَصِيرُونَ بِهِ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ ذِكْرِ شُحِّهِمْ بِالنَّفَقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] الآيَتَيْنِ، فَأُفِيدَ هُنالِكَ عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأنَّها عَذابٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، ثُمَّ أُعِيدَتِ الآيَةُ بِغالِبِ ألْفاظِها هُنا تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إبْلاغًا في نَفْيِ الفِتْنَةِ والحَيْرَةِ عَنِ النّاسِ.

ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ خالَفَتِ السّابِقَةَ بِأُمُورٍ: أحَدُها أنَّ هَذِهِ جاءَ العَطْفُ في أوَّلِها بِالواوِ والأُخْرى عُطِفَتْ بِالفاءِ. ومُناسَبَةُ التَّفْرِيعِ هُنالِكَ تَقَدَّمَ بَيانُها، ومُناسَبَةُ عَدَمِ التَّفْرِيعِ هُنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ لَيْسَ مُفَرَّعًا عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها ولَكِنْ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ فَقَطْ.

صفحة ٢٨٧

ثانِيها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عُطِفَ فِيها الأوْلادُ عَلى الأمْوالِ بِدُونِ إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، وفي الآيَةِ السّالِفَةِ أُعِيدَتْ لا النّافِيَةُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ الأوْلادِ في الآيَةِ السّالِفَةِ لِمُجَرَّدِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ إذِ المَقامُ مَقامُ ذَمِّ أمْوالِهِمْ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَلَمّا كانَ ذِكْرُ الأوْلادِ تَكْمِلَةً كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ فَأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ في عَطْفِهِ، بِخِلافِ مَقامِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم مَعًا مَقْصُودٌ تَحْقِيرُهُما في نَظَرِ المُسْلِمِينَ.

ثالِثُها أنَّهُ جاءَ هُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بِإظْهارِ (أنْ) دُونَ لامٍ، وفي الآيَةِ السّالِفَةِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] بِذِكْرِ لامِ التَّعْلِيلِ وحَذْفِ (أنْ) بَعْدَها وقَدِ اجْتَمَعَ الِاسْتِعْمالانِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] إلى …

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾

هَذا عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ قُصِدَ بِهِ الِانْتِقالُ إلى تَقْسِيمِ فِرَقِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ وأنْواعِ مَعاذِيرِهِمْ ومَراتِبِها في القَبُولِ. دَعا إلَيْهِ الإغْلاظُ

صفحة ٢٨٨

فِي تَقْرِيعِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ نِفاقًا وتَخْذِيلًا لِلْمُسْلِمِينَ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: ٤٢] وكُلُّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ المُنافِقُونَ.

ولِأجْلِ كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ غَرَضًا جَدِيدًا ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ نُزُولِ سُورَةٍ داعِيَةٍ إلى الإيمانِ والجِهادِ. والمُرادُ بِها هَذِهِ السُّورَةُ، أيْ سُورَةُ (بَراءَةٌ)، وإطْلاقُ اسْمِ السُّورَةِ عَلَيْها في أثْنائِها قَبْلَ إكْمالِها مَجازٌ مُتَّسَعٌ فِيهِ كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ في أثْناءِ نُزُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] فَهَذا الوَصْفُ وصْفٌ مُقَدَّرٌ شَبِيهٌ بِالحالِ المُقَدَّرَةِ.

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّولِ مِنهُمْ﴾

والسُّورَةُ طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ لَها مَبْدَأٌ ونِهايَةٌ وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها آنِفًا وقُبَيْلَ هَذا.

ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ ألْفاظًا وأقْوالًا صَحَّ بَيانُها بِبَعْضِ ما حَوَتْهُ وهو الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلسُّورَةِ و(أنْ) فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ويَجُوزُ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِبَعْضِهِ شَبَهُ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

ولَيْسَ المُرادُ لَفْظُ آمَنُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَلْ ما يُرادُ، فَهُما مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٤٤]

و(الطَّولِ) السِّعَةُ في المالِ قالَ - تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَدْ تَقَدَّمَ. والِاقْتِصارُ عَلى الطَّوْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولِي الطَّوْلِ مُرادٌ بِهِمْ مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الجِهادِ بِصِحَّةِ البَدَنِ. فَبِوُجُودِ الطَّوْلِ انْتَفى عُذْرُهم إذْ مَن لَمْ يَكُنْ قادِرًا بِبَدَنِهِ لا يَنْظُرُ إلى كَوْنِهِ ذا طَوْلٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]

صفحة ٢٨٩

والمُرادُ بِأُولِي الطَّولِ أمْثالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

وعَطْفُ ﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى (اسْتَأْذَنَكَ) لِما بَيْنَهُما مِنَ المُغايَرَةِ في الجُمْلَةِ بِزِيادَةٍ في المَعْطُوفِ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ مُجْمَلٌ، وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ فِيهِ بَيانُ ما اسْتَأْذَنُوا فِيهِ وهو القُعُودُ. وفي نَظْمِهِ إيذانٌ بِتَلْفِيقِ مَعْذِرَتِهِمْ وأنَّ الحَقِيقَةَ هي رَغْبَتُهم في القُعُودِ …

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ التَّعْجِيبُ مِن دَناءَةِ نُفُوسِهِمْ وقِلَّةِ رُجْلَتِهِمْ بِأنَّهم رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلنِّساءِ. وفي اخْتِيارِ فِعْلِ (رَضُوا) إشْعارٌ بِأنَّ ما تَلَبَّسُوا بِهِ مِنَ الحالِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَدَّدَ العاقِلُ في قَبُولِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]

والخَوالِفُ جَمْعُ خالِفَةٍ وهي المَرْأةُ الَّتِي تَتَخَلَّفُ في البَيْتِ بَعْدَ سَفَرِ زَوْجِها فَإنْ سافَرَتْ مَعَهُ فَهي الظَّعِينَةُ، أيْ رَضُوا بِالبَقاءِ مَعَ النِّساءِ.

والطَّبْعُ تَمْثِيلٌ لِحالِ قُلُوبِهِمْ في عَدَمِ قَبُولِ الهُدى بِالإناءِ أوِ الكِتابِ المَخْتُومِ. والطَّبْعُ مُرادِفُ الخَتْمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُسْنِدَ الطَّبْعُ إلى المَجْهُولِ إمّا لِلْعِلْمِ بِفاعِلِهِ وهو اللَّهُ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم خُلِقُوا كَذَلِكَ وجُبِلُوا عَلَيْهِ وفُرِّعَ عَلى الطَّبْعِ انْعِدامُ عِلْمِهِمْ بِالأُمُورِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِعِلْمِها أهْلُ

صفحة ٢٩٠

الأفْهامِ، وهو العِلْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِقْهِ، أيْ إدْراكِ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ، أيْ فَآثَرُوا نِعْمَةَ الدَّعَةِ عَلى سُمْعَةِ الشُّجاعَةِ وعَلى ثَوابِ الجِهادِ إذْ لَمْ يُدْرِكُوا إلّا المَحْسُوساتِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا فاقِهِينَ وذَلِكَ أصْلُ جَمِيعِ المَضارِّ في الدّارَيْنِ.

وجِيءَ في إسْنادِ نَفْيِ الفَقاهَةِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَوِّي الخَبَرِ وتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ إلى المُخْبَرِ عَنْهم وتَمَكُّنِهِ مِنهم.

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .

افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ يُؤْذِنُ بِأنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ نَقِيضُ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلًا وتَفْرِيعًا. فَلَمّا كانَ قُعُودُ المُنافِقِينَ عَنِ الجِهادِ مُسَبَّبًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ، كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ. وابْتُدِئَ وصْفُ أحْوالِهِمْ بِوَصْفِ حالِ الرَّسُولِ لِأنَّ تَعَلُّقَهم بِهِ واتِّباعَهم إيّاهُ هو أصْلُ كَمالِهِمْ وخَيْرِهِمْ، فَقِيلَ ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا﴾

وقَوْلُهُ: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٨١] مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]

وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] كَما تَقَدَّمَ.

وفِي حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ نُصْرَةِ المُنافِقِينَ بِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]

وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى الجِهادِ بِالأمْوالِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]

وفِي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يُجاهِدُوا دُونَ عُذْرٍ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.

صفحة ٢٩١

و(مَعَهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الَّذِينَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم أتْباعٌ لَهُ في كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ أمْرٍ، فَإيمانُهم مَعَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِهِ عِنْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وجِهادِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ مَعَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْراتِ المَبْثُوثَةَ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ تابِعَةٌ لِخَيْراتِهِ ومَقاماتِهِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ عَلى جُمْلَةِ (جاهَدُوا) ولَمْ تُفْصَلْ مَعَ جَوازِ الفَصْلِ لِيَدُلَّ بِالعَطْفِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ عَلى أنَّها مِن أوْصافِهِمْ وأحْوالِهِمْ لِأنَّ تِلْكَ أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ مَضْمُونِها فِيهِمْ مِن أنْ يُؤْتى بِها مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّها إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الخَيْراتِ والفَلاحَ كانَ لِأجْلِ جِهادِهِمْ.

والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. فَهو مِمّا جاءَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ التَّأْنِيثِ مَعَ عَدَمِ التَّأْنِيثِ ولا عَلامَتِهِ مِثْلَ سُرادِقاتِ وحَمّاماتِ.

وجَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ جَمْعَ (خَيْرَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ مُخَفَّفِ (خَيِّرَةَ) المُشَدَّدِ الياءِ الَّتِي هي أُنْثى (خَيِّرٍ)، أوْ هي مُؤَنَّثُ (خَيْرٍ) المُخَفَّفِ الياءِ الَّذِي هو بِمَعْنى أخْيَرَ. وإنَّما أنَّثُوا وصْفَ المَرْأةِ مِنهُ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ التَّفْضِيلَ، وعَلى هَذا كُلِّهِ يَكُونُ خَيْراتٌ هُنا مُؤَوَّلًا بِالخِصالِ الخَيِّرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ مَعَ اسْتِقامَةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ. والمُرادُ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فاللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ. والقَوْلُ في ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجَوابِ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنِ الإخْبارِ بِـ ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨]

والإعْدادُ التَّهْيِئَةُ. وفِيهِ إشْعارٌ بِالعِنايَةِ والتَّهَمُّمِ بِشَأْنِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ قَبْلُ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة: ٧٢] الآيَةَ.

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

صفحة ٢٩٢

﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، فالمُرادُ بِالمُعَذِّرِينَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ مِنَ الأعْرابِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ. وجَعَلُوا مِن هَؤُلاءِ غِفارًا، وخالَفَهم قَتادَةُ فَجَعَلَهُمُ المُعْتَذِرِينَ كَذِبًا وهم بَنُو عامِرٍ رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ إنْ خَرَجْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلى بُيُوتِنا. ومِنَ المُعَذِّرِينَ الكاذِبِينَ أسَدٌ، وغَطَفانُ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ في التَّفْسِيرِ يَخْتَلِفُ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: (المُعَذِّرُونَ) فَإنْ كانُوا المُحِقِّينَ في العُذْرِ فَتَقْدِيرُ المُعَذِّرُونَ أنَّ أصْلَهُ المُعْتَذِرُونَ، مِنِ (اعْتَذَرَ) أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِتَقارُبِ المَخْرَجَيْنِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ، كَما أُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، أيْ يَخْتَصِمُونَ.

وإنْ كانُوا الكاذِبِينَ في عُذْرِهِمْ فَتَقْدِيرُ المُعَذِّرُونَ: أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن (عَذَّرَ) بِمَعْنى تَكَلَّفَ العُذْرَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ“ . قالَ الأزْهَرِيُّ: ذَهَبَ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ بِلا عُذْرٍ فَكَأنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ أنَّ المُعَذِّرَ بِالتَّشْدِيدِ هو المَظْهِرُ لِلْعُذْرِ اعْتِلالًا وهو لا عُذْرَ لَهُ اهـ. وقالَ شارِحُ دِيوانِ النّابِغَةِ عِنْدَ قَوْلِ النّابِغَةِ:

ودِّعْ أُمامَةَ والتَّوْدِيعُ تَعْذِيرُ

أيْ لا يَجِدُ عُذْرًا غَيْرَ التَّوْدِيعِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارُ صِيغَةِ المُعَذِّرِينَ مِن لَطائِفَ القُرْآنِ لِتَشْمَلَ الَّذِينَ صَدَقُوا في العُذْرِ والَّذِينَ كَذَبُوا فِيهِ.

والِاعْتِذارُ افْتِعالٌ مِن بابِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مادَّةُ الِافْتِعالِ لِلتَّكَلُّفِ في الفِعْلِ والتَّصَرُّفِ مِثْلُ الِاكْتِسابِ والِاخْتِلاقِ. ولَيْسَ لِهَذا المَزِيدِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بِمَعْناهُ وإنَّما المُجَرَّدُ هو (عَذَرَ)

صفحة ٢٩٣

بِمَعْنى قَبِلَ العُذْرَ. والعُذْرُ البَيِّنَةُ والحالَةُ الَّتِي يَتَنَصَّلُ المُحْتَجُّ بِها مِن تَبِعَةٍ أوْ مَلامٍ عِنْدَ مَن يَعْتَذِرُ إلَيْهِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ (المُعْذِرُونَ) - بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ -، مِن (أعْذَرَ) إذا بالَغَ في الِاعْتِذارِ.

والأعْرابُ اسْمُ جَمْعٍ يُقالُ في الواحِدِ: أعْرابِيٌّ - بِياءِ النَّسَبِ - نِسْبَةً إلى اسْمِ الجَمْعِ كَما يُقالُ مَجُوسِيٌّ لِواحِدِ المَجُوسِ. وصِيغَةُ الأعْرابِ مِن صِيَغِ الجُمُوعِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا لِأنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِ جَمْعِهِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ اسْمَ جَمْعٍ. وهم سُكّانُ البادِيَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ أعْلَنُوا بِالعِصْيانِ في أمْرِ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ مِنَ الأعْرابِ أيْضًا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ، أيْ قَعَدُوا دُونَ اعْتِذارٍ. فالقُعُودُ هو عَدَمُ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ. وعُلِمَ أنَّ المُرادَ القُعُودُ دُونَ اعْتِذارٍ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ وهَذا فَرِيقٌ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.