Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالإذْنِ لَهم في القُعُودِ عِنْدَ اسْتِئْذانِهِمْ، أوْ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ بِتَثْبِيطِهِ إيّاهم لِما عَلِمَ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ الخَفِيَّةِ، أوْ خَلَّفَهم كَسَلُهم أوْ نِفاقُهم ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفَرِحَ، أيْ: بِقُعُودِهِمْ وتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيْ: خَلْفَهُ وبَعْدَ خُرُوجِهِ، حَيْثُ خَرَجَ ولَمْ يَخْرُجُوا، يُقالُ: أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ: بَعْدَهُمْ، ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ(مَقْعَدِهِمْ) إذْ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى المُخالَفَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ خُلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، بِضَمِّ الخاءِ، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والعامِلُ إمّا فَرِحَ، أيْ: فَرِحُوا لِأجْلِ مُخالَفَتِهِ ﷺ بِالقُعُودِ، وإمّا (مَقْعَدِهِمْ) أيْ: فَرِحُوا بِقُعُودِهِمْ لِأجْلِ مُخالَفَتِهِ ﷺ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ والعامِلُ أحَدُ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: فَرِحُوا مُخالِفِينَ لَهُ ﷺ أوْ فَرِحُوا بِالقُعُودِ مُخالِفِينَ لَهُ ﷺ.

﴿وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا إيثارًا لِلدَّعَةِ والخَفْضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَقَطْ، بَلْ مَعَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، فَإنَّ إيثارَ أحَدِ الأمْرَيْنِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِأدْنى رُجْحانٍ مِنهُ مِن غَيْرِ أنْ يَبْلُغَ الآخَرُ مَرْتَبَةَ الكَراهِيَةِ، وإنَّما أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: وكَرِهُوا أنْ يَخْرُجُوا إلى الغَزْوِ إيذانًا بِأنَّ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ - مَعَ كَوْنِهِ مِن أجَلِّ الرَّغائِبِ وأشْرَفِ المَطالِبِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ - قَدْ كَرِهُوهُ، كَما فَرِحُوا بِأقْبَحِ القَبائِحِ الَّذِي هو القُعُودُ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿وَقالُوا﴾ أيْ: لِإخْوانِهِمْ تَثْبِيتًا لَهم عَلى التَّخَلُّفِ والقُعُودِ، وتَواصِيًا فِيما بَيْنَهم بِالشَّرِّ والفَسادِ، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا لَهم عَنِ الجِهادِ، ونَهْيًا عَنِ المَعْرُوفِ، وإظْهارًا لِبَعْضِ العِلَلِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى ما فَرِحُوا بِهِ مِنَ القُعُودِ، فَقَدْ جَمَعُوا ثَلاثَ خِلالٍ مِن خِصالِ الكُفْرِ والضَّلالِ: الفَرَحُ بِالقُعُودِ، وكَراهِيَةُ الجِهادِ، ونَهْيُ الغَيْرِ عَنْ ذَلِكَ.

﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ فَإنَّهُ لا يُسْتَطاعُ شِدَّتُهُ ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَجْهِيلًا لَهم ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي سَتَدْخُلُونَها بِما فَعَلْتُمْ ﴿أشَدُّ حَرًّا﴾ مِمّا تَحْذَرُونَ مِنَ الحَرِّ المَعْهُودِ وتُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنهُ، فَما لَكم لا تَحْذَرُونَها، وتُعَرِّضُونَ أنْفُسَكم لَها بِإيثارِ القُعُودِ عَلى النَّفِيرِ.

﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِهِ، وجَوابُ "لَوْ"، إمّا مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّها كَذَلِكَ، أوْ كَيْفَ هِيَ، أوْ أنَّ مَآلَهم إلَيْها لَمّا فَعَلُوا ما فَعَلُوا، أوْ لَتَأثَّرُوا بِهَذا الإلْزامِ، وإمّا غَيْرُ مَنوِيٍّ عَلى أنَّ لَوْ لِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي المُنْبِئِ عَنِ امْتِناعِ تَحَقُّقِ مَدْخُولِها، أيْ: لَوْ كانُوا مِن أهْلِ الفَطانَةِ والفِقْهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ إخْبارٌ عَنْ عاجِلِ أمْرِهِمْ وآجِلِهِ مِنَ الضَّحِكِ القَلِيلِ والبُكاءِ الطَّوِيلِ المُؤَدِّي إلَيْهِ أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الفَرَحِ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ ما سَبَقَ لِلْإخْبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّحِكِ والبُكاءِ لا لِنَفْسِهِما، إذْ لا يُتَصَوَّرُ السَّبَبِيَّةُ في الأوَّلِ أصْلًا، وقَلِيلًا وكَثِيرًا مَنصُوبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: ضَحِكًا قَلِيلًا وبُكاءً كَثِيرًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا وزَمانًا كَثِيرًا، وإخْراجُهُ في صُورَةِ الأمْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَتُّمِ وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ أمْرَ الآمِرِ المُطاعِ مِمّا لا يَكادُ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المَأْمُورُ بِهِ، خَلا أنَّ المَقْصُودَ إفادَتُهُ في الأوَّلِ هو وصْفُ القِلَّةِ فَقَطْ، وفي الثّانِي وصْفُ الكَثْرَةِ مَعَ المَوْصُوفِ.

يُرْوى أنَّ أهْلَ النِّفاقِ يَبْكُونَ في النّارِ عُمْرَ الدُّنْيا لا يَرْفَأُ لَهم دَمْعٌ، ولا يَكْتَحِلُونَ بِنَوْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّحِكُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، والبُكاءُ عَنِ الغَمِّ، وأنْ تَكُونَ القِلَّةُ عِبارَةً عَنِ العَدَمِ والكَثْرَةُ عَنِ الدَّوامِ.

﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن فُنُونِ المَعاصِي، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ ما دامُوا في الدُّنْيا و ﴿جَزاءً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِلْفِعْلِ الثّانِي، أيْ: لِيَبْكُوا جَزاءً، أوْ مَصْدَرٌ حُذِفَ ناصِبُهُ، أيْ: يُجْزَوْنَ بِما ذُكِرَ مِنَ البُكاءِ الكَثِيرِ جَزاءً بِما كَسَبُوا مِنَ المَعاصِي المَذْكُورَةِ.

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ الآتِي عَلى ما بُيِّنَ مِن أمْرِهِمْ، والفِعْلُ مِنَ الرَّجْعِ المُتَعَدِّي دُونَ الرُّجُوعِ اللّازِمِ، أيْ: فَإنْ رَدَّكَ اللَّهُ تَعالى ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى المُنافِقِينَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ في المَدِينَةِ، فَإنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِهِمْ إنَّما كانَ لِعُذْرٍ عائِقٍ مَعَ الإسْلامِ، أوْ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ بِأنْ ذَهَبَ بَعْضُهم بِالمَوْتِ، أوْ بِالغَيْبَةِ عَنِ البَلَدِ، أوْ بِأنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ البَعْضُ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قِيلَ فِيهِمْ ما قِيلَ.

﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ ﴿فَقُلْ﴾ إخْراجًا لَهم عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ، وإبْعادًا لِمَحَلِّهِمْ عَنْ مَحْفِلِ صُحْبَتِكَ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ مِنَ الأعْداءِ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ ﴿إنَّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَلَفَ، أيْ: لِأنَّكم ﴿رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ﴾ أيْ: عَنِ الغَزْوِ وفَرِحْتُمْ بِذَلِكَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ ﴿فاقْعُدُوا﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالقُعُودِ بِطَرِيقِ العُقُوبَةِ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الرِّضا بِالقُعُودِ، أيْ: إذْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مِن بَعْدُ ﴿مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفِينَ، الَّذِينَ دَيْدَنُهُمُ القُعُودُ والتَّخَلُّفُ دائِمًا، وقُرِئَ (الخَلِفِينَ) عَلى القَصْرِ، فَكانَ مَحْوُ أسامِيهِمْ مِن دَفْتَرِ المُجاهِدِينَ ولَزُّهم في قَرْنِ الخالِفِينَ عُقُوبَةً لَهم أيَّ عُقُوبَةٍ، وتَذْكِيرُ اسْمِ التَّفْضِيلِ المُضافِ إلى المُؤَنَّثِ هو الأكْثَرُ الدّائِرُ عَلى الألْسِنَةِ، فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ قائِلًا يَقُولُ: هي كُبْرى امْرَأةٍ، أوْ أُولى مَرَّةٍ.

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ﴾ صِفَةٌ لِـ"أحَدٍ"، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، أيْ: لا تَدْعُ ولا تَسْتَغْفِرْ لَهم أبَدًا ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أيْ: لا تَقِفْ عَلَيْهِ لِلدَّفْنِ، أوْ لِلزِّيارَةِ والدُّعاءِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُومُ عَلى قُبُورِ المُنافِقِينَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَمّا مَرِضَ رَأْسُ النِّفاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْتِيَهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ ﷺ: "أهْلَكَكَ حُبُّ اليَهُودِ"» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتُ إلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي لا لِتُؤَنِّبَنِي، وسَألَهُ أنْ يُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ، ويُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا ماتَ دَعاهُ ابْنُهُ، وكانَ مُؤْمِنًا صالِحًا، فَأجابَهُ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ ومُراعاةً لِجانِبِهِ، وأرْسَلَ إلَيْهِ قَمِيصَهُ فَكُفِّنَ فِيهِ، فَلَمّا هَمَّ بِالصَّلاةِ أوْ صَلّى نَزَلَتْ.

وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أنَّهُ قالَ: لَمّا هَلَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ووَضَعْناهُ لِيُصَلّى عَلَيْهِ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أتُصَلِّي عَلى عَدُوِّ اللَّهِ، القائِلِ يَوْمَ كَذا: كَذا وكَذا، والقائِلِ يَوْمَ كَذا: كَذا وكَذا، وعَدَدْتُ أيّامَهُ الخَبِيثَةَ، فَتَبَسَّمَ ﷺ وصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ مَشى مَعَهُ وقامَ عَلى حُفْرَتِهِ حَتّى دُفِنَ، فَواللَّهِ ما لَبِثَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَ (وَلا تُصَلِّ ...) إلَخْ، فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُنافِقٍ ولا قامَ عَلى قَبْرِهِ، وإنَّما لَمْ يُنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ بِقَمِيصِهِ ﷺ؛ لِأنَّ الضِّنَّةَ بِالقَمِيصِ كانَتْ مَظِنَّةَ الإخْلالِ بِالكَرَمِ، عَلى أنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِقَمِيصِهِ الَّذِي كانَ ألْبَسَهُ العَبّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والخَبَرُ مَشْهُورٌ.

﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى مَعْنى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمَيِّتِ والوُقُوفَ عَلى قَبْرِهِ إنَّما يَكُونُ لِاسْتِصْلاحِهِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ﴿وَماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ، كَما بُيِّنَ مِن مَعْنى الفِسْقِ.

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ بِالإخْبارِ بِوُقُوعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَقِّ فَرِيقٍ غَيْرِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عَلى الأوْلادِ - مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنها - إمّا لِعُمُومِ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْها بِحَسَبِ الذّاتِ وبِحَسِبِ الأفْرادِ والأوْقاتِ، فَإنَّها مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ والأوْلادِ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ، حَتّى إنَّ مَن لَهُ أوْلادٌ ولا مالَ لَهُ فَهو وأوْلادُهُ في ضِيقٍ ونَكالٍ، وأمّا الأوْلادُ فَإنَّما يَرْغَبُ فِيهِمْ مَن بَلَغَ مَبْلَغَ الأُبُوَّةِ، وإمّا لِأنَّ المالَ مَناطٌ لِبَقاءِ النَّفْسِ والأوْلادَ لِبَقاءِ النَّوْعِ، وإمّا لِأنَّها أقْدَمُ في الوُجُودِ مِنَ الأوْلادِ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ المَنَوِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الأغْذِيَةِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ.

﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بِما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا﴾ بِسَبَبِ مُعاناتِهِمُ المَشاقَّ ومُكابَدَتِهِمُ الشَّدائِدَ في شَأْنِها ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: فَيَمُوتُوا كافِرِينَ بِاشْتِغالِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ بِها والِالتِهاءِ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ.

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِنَ القرآن، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ والوَحْيِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ لِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ: ذَوُو الفَضْلِ والسَّعَةِ والقُدْرَةِ عَلى الجِهادِ بَدَنًا ومالًا ﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِـ(اسْتَأْذَنَكَ) مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما اسْتَأْذَنُوا فِيهِ يَعْنِي القُعُودَ ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قَعَدُوا عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِن عُذْرٍ.

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿رَضُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وعَدَمِ امْتِثالِهِمْ لِكِلا الأمْرَيْنِ، وإنْ لَمْ يَرُدُّوا الأوَّلَ صَرِيحًا ﴿بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مَعَ النِّساءِ اللّاتِي شَأْنُهُنَّ القُعُودُ ولُزُومُ البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وقِيلَ: الخالِفَةُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الإيمان باللَّهِ وطاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ والجِهادِ مِنَ السَّعادَةِ، وما في أضْدادِ ذَلِكَ مِنَ الشَّقاوَةِ.

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ بِاللَّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمان باللَّهِ في شَيْءٍ، وإنْ لَمْ يُعْرِضُوا عَنْهُ صَرِيحًا إعْراضَهم عَنِ الجِهادِ بِاسْتِئْذانِهِمْ في القُعُودِ ﴿جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ عَنِ الغَزْوِ فَقَدْ نَهَدَ إلَيْهِ ونَهَضَ لَهُ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وأخْلَصُ نِيَّةً ومُعْتَقَدًا، وأقامُوا أمْرَ الجِهادِ بِكِلا نَوْعَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾

﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿لَهُمُ﴾ بِواسِطَةِ نُعُوتِهِمُ المَزْبُورَةِ ﴿الخَيْراتُ﴾ أيْ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا، والجَنَّةُ والكَرامَةُ في العُقْبى، وقِيلَ: الحُورُ كَقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفِ خَيِّرَةٍ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ لا مَن حازَ بَعْضًا مِنَ الحُظُوظِ الفانِيَةِ عَمّا قَلِيلٍ، وتَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ تَنْوِيهٌ لِشَأْنِهِمْ ورَبْءٌ لِمَكانِهِمْ.

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ مُفْلِحِينَ، أيْ: هَيَّأ لَهم في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ والعامِلِ أعَدَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُهِمَ مِن إعْدادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمُ الجَنّاتِ المَذْكُورَةَ مِن نَيْلِ الكَرامَةِ العُظْمى ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ.

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي الأعْرابِ إثْرَ بَيانِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ، والمُعَذِّرُونَ مِن عَذَّرَ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى ولَمْ يَجِدَّ، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُوهِمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا فِيما يَفْعَلُ ولا عُذْرَ لَهُ، أوِ المُعْتَذِرُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِالباطِلِ، وقُرِئَ (المُعْذِرُونَ) مِنَ الإعْذارِ وهو الِاجْتِهادُ في العُذْرِ والِاحْتِشادُ فِيهِ، قِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ، قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنَّ بِنا لَجُهْدًا فَأْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ، وقِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا: إنْ غَزَوْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلى أهالِينا ومَواشِينا، فَقالَ ﷺ: « "سَيُغْنِينِي اللَّهُ تَعالى عَنْكُمْ".»

وَعَنْ مُجاهِدٍ: نَفَرٌ مِن غِفارٍ اعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَذَرُوا بِالكَذِبِ، وقُرِئَ (المُعَّذِّرُونَ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ مِن تَعَّذَّرَ بِمَعْنى: اعْتَذَرَ وهو لَحْنٌ إذِ التّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ إدْغامَها في الطّاءِ والزّاءِ والصّادِ في المُطَّوِّعِينَ، وازَّكّى، واصَّدَّقَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمُ المُعْتَذِرُونَ بِالصِّحَّةِ، وبِهِ فُسِّرَ المُعَذِّرُونَ والمُعْذِرُونَ، أيِ: الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّطُوا في العُذْرِ.

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ لَمْ يَجِيئُوا ولَمْ يَعْتَذِرُوا، فَظَهَرَ أنَّهم كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعاءِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأعْرابِ، أوْ مِنَ المُعَذِّرِينَ فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكُفْرِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا، والنّارِ في الآخِرَةِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.