Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾

هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ:

؎ مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................

وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ:

؎ عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ

وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾

هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ:

؎ مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................

وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ:

؎ عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ

وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ …

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾

هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وصْفَ حالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم وفي ضِمْنِها وعِيدٌ، وقَوْلُهُ: "المُخَلَّفُونَ" لَفْظٌ يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم وأنَّهُمُ الَّذِينَ أبْعَدَهُمُ اللهُ مِن رِضاهُ، وهَذا أمْكَنُ فِي هَذا مِن أنْ يُقالَ: "المُتَخَلِّفُونَ"، ولَمْ يَفْرَحْ إلّا مُنافِقٌ، فَخَرَجَ مِن ذَلِكَ الثَلاثَةُ، وأصْحابُ العُذْرِ، ومَقْعَدٌ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُعُودِ، ومِثْلُهُ:

؎ مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗........................

وقَوْلُهُ: "خِلافَ" مَعْناهُ: بَعْدَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ:

؎ عَقَبَ الرَبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا

يُرِيدُ: بَعْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ ∗∗∗ تَأهَّبْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ

وقالَ الطَبَرِيُّ: هو مَصْدَرُ خالَفَ يُخالِفُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَعَلى هَذا هو مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ لِخِلافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أو مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ كَأنَّهُ عَلى الظَرْفِ، وكَراهِيَتُهم لِما ذُكِرَ هي شُحٌّ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِالثَوابِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهم يَظُنُّونَ بِالدُنْيا، وقَوْلُهُمْ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ كانَ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في وقْتِ شِدَّةِ الحَرِّ وطِيبِ الثِمارِ والظِلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، والناسُ، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِأنْ قِيلَ لَهُمْ: فَإذا كُنْتُمْ تَجْزَعُونَ مِن حَرِّ القَيْظِ، فَنارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ أحْرى أنْ تَجْزَعُوا مِنها لَوْ فَهِمْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "خَلْفَ"، وذَكَرَها يَعْقُوبُ ولَمْ يَنْسِبْها، وقُرِئَ: "خُلْفَ" بِضَمِّ الخاءِ، ويُقَوِّي قَوْلَ الطَبَرِيِّ "أنَّ لَفْظَةَ الخِلافِ هي مَصْدَرٌ مِن خالَفَ" ما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ مِن أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَهم بِالنَفْرِ فَعَصَوْا وخالَفُوا وقَعَدُوا مُسْتَأْذِنِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ: "لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ" رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، الحَرُّ الشَدِيدُ فَلا تُنْفِرْ في الحَرِّ، قالَ النَقّاشُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُونَ" بَدَلَ:يَفْقَهُونَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والرَبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ إشارَةٌ إلى مُدَّةِ العُمْرِ في الدُنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْبِيدِ الخُلُودِ في النارِ، فَجاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ ومَعْناهُ الخَبَرُ عن حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ حالِهِمْ، أيْ: هم لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الخَطَرِ مَعَ اللهِ، وسُوءِ الحالِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ضَحِكُهم قَلِيلًا وبُكاؤُهم مِن أجْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وقْتُ الضَحِكِ والبُكاءِ في الدُنْيا عَلى نَحْوِ …

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ. رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم. …

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ. رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم. …

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ. رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم. …

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأولادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وصَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ. رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَجَذَبَهُ بِثَوْبِهِ وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا الآيَةُ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ،» وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى عَلَيْهِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي كِتابِ الجَنائِزِ مِنَ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: « "أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَما أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووَضَعَهُ عَلى رُكْبَتِهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ، وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ"،» وَرُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ ورَغِبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» ورُوِيَ «أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ جاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ فَرَغِبَ في ذَلِكَ وفي أنْ يَكْسُوَهُ قَمِيصَهُ الَّذِي يَلِي بَدَنَهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ؟ وجَعَلَ يُعَدِّدُ أفْعالَ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَإنِّي خُيِّرْتَ، ولَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ"»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عنهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وإنِّي لِأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِفِعْلِي هَذا ألْفُ رَجُلٍ مِن قَوْمِي"»، كَذا في بَعْضِ الرِواياتِ، يُرِيدُ: مِن مُنافِقِي العَرَبِ، والصَحِيحُ أنَّهُ قالَ: "رِجالٌ مِن قَوْمِهِ"، فَسَكَتَ عُمَرُ، وصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَوْضِعِ إظْهارِ الإيمانِ، ومُحالٌ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وهو يَتَحَقَّقُ كُفْرَهُ، وبَعْدَ هَذا -واللهُ أعْلَمُ- عُيِّنَ لَهُ مَن لا يُصَلِّي عَلَيْهِ، ووَقَعَ في مَغازِي أبِي إسْحاقَ وفي بَعْضِ كُتُبِ التَفْسِيرِ: فَأسْلَمَ وتابَ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ والرَغْبَةِ مِن عَبْدِ اللهِ ألْفُ رَجُلٍ مِنَ الخَزْرَجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، قالَهُ مَن لَمْ يَعْرِفْ عِدَّةَ الأنْصارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] الآيَةُ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ إذْ هو بِإجْماعٍ- مِمَّنْ لا تَفْتِنُهُ زَخارِفُ الدُنْيا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: "وَلا تُعْجِبُكَ أيُّها الإنْسانُ"، والمُرادُ الجِنْسُ، ووَجْهُ تَكْرِيرِها تَأْكِيدُ هَذا المَعْنى وإيضاحُهُ، لِأنَّ الناسَ كانُوا يُفْتَنُونَ بِصَلاحِ حالِ المُنافِقِينَ في دُنْياهم. …

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ:

ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ

و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ... فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ

وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ... والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ

أيْ لا بَقاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.

و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ. ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ .................... ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: …

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ:

ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ

و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ... فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ

وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ... والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ

أيْ لا بَقاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.

و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ. ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ .................... ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: …

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

الأكْثَرُ في "لَكِنْ" أنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ، وهو هُنا في المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السالِفَةَ مَعْناها أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يُجاهِدُوا فَحَسُنَ بَعْدَها: ( لَكِنَّ الرَسُولَ والمُؤْمِنُونَ جاهَدُوا )، والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ، وهو المُسْتَحْسَنُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في النِساءِ، فَمِن ذَلِكَ قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ، أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ:

ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خِيرَةِ المَلِكاتِ

و"المُفْلِحُونَ": الَّذِينَ أدْرَكُوا بُغْيَتَهم مِنَ الجَنَّةِ، والفَلاحُ يَأْتِي بِمَعْنى إدْراكِ البُغْيَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْـ... فِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ

وقَدْ يَأْتِي بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِ الشاعِرِ:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ... والمُسْىُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ

أيْ لا بَقاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبُلُوغُ البُغْيَةِ يَعُمُّ لَفْظَةَ الفَلاحِ حَيْثُ وقَعَتْ فَتَأمَّلْهُ.

و"أعَدَّ" مَعْناهُ: يَسَّرَ وهَيَّأ، وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ: مِن تَحْتِ مَبانِيها وأعالِيها، و"الفَوْزُ" حُصُولُ الإنْسانِ عَلى أمَلِهِ وظَفَرُهُ بِبُغْيَتِهِ، ومِن ذَلِكَ فَوْزُ سِهامِ الأيْسارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في هَؤُلاءِ الَّذِي جاءُوا هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أو كافِرِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ مَعَهُ مِنهم مُجاهِدٌ: كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانَتْ أعْذارُهم صادِقَةً، وقَرَأ: "وَجاءَ المُعْذِرُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وهي قِراءَةُ الضَحّاكِ، وحَمِيدُ الأعْرَجِ، وأبِي صالِحٍ، وعِيسى بْنِ هِلالٍ، وقَرَأ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةَ "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، قالُوا: وأصْلُهُ "المُتَعَذَّرُونَ" فَقُلِبَتِ التاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ. ويَحْتَمِلُ "المُعْتَذِرُونَ" في هَذا القَوْلِ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: المُتَعَذَّرُونَ بِأعْذارٍ حَقٍّ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا عُذْرَهم مِنَ الِاجْتِهادِ في طَلَبِ الغَزْوِ مَعَكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ لَبِيدٍ:

؎ .................... ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

وقالَ قَتادَةُ وفِرْقَةٌ مَعَهُ: بَلِ الَّذِينَ جاءُوا كَفَرَةٌ، وقَوْلُهم وعُذْرُهم كَذِبٌ، وكُلُّ هَذِهِ الفِرْقَةِ قَرَأ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ الذالِ، فَمِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ المُتَعَذَّرُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى العَيْنِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الذالِ، والمَعْنى: مُعْتَذِرُونَ بِكَذِبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هو مِنَ التَعْذِيرِ، أيِ الَّذِينَ يَعْذُرُونَ الغَزْوَ ويَدْفَعُونَ في وجْهِ الشَرْعِ، فالآيَةُ إلى آخِرِها -فِي هَذا القَوْلِ- إنَّما وصَفَتْ صِنْفًا واحِدًا في الكُفْرِ يَنْقَسِمُ إلى أعْرابِيٍّ وحَضَرِيٍّ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ وصَفَتْ صِنْفَيْنِ مُؤْمِنًا وكافِرًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: سَألْتُ مَسْلَمَةَ فَقالَ: "المُعَذِّرُونَ" بِشَدِّ العَيْنِ والذالِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أرادَ: …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.