Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾، قال ابن عباس وغيره: (يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك) "تنوير المقباس" ص 200، وبنحوه قال قتادة والضحاك وابن الجوزي وغيرهم. انظر: "زاد المسير" 3/ 478، و"الدر المنثور" 3/ 474.، والمخلف: المتروك خلف في (ح): (وخلف). من مضى.

وقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: المدينة) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 149. فعلى هذا، المقعد: اسم المكان، وقال مقاتل: (بمقعدهم: بقعودهم) المصدر السابق، نفس الموضع، ولعل هذا القول لمقاتل بن حيان؛ لأن مقاتل بن سليمان لم يذكره في "تفسيره".، وعلى هذا هو اسم للمصدر، قال أبو علي: (المقعد هاهنا: مصدر في معنى القعود ولا يكون اسمًا للمكان؛ لأن أسماء الأماكن لا يتعلق بها شيء) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 114..

وقوله تعالى: ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال قطرب والمؤرج: (يعني مخالفة رسول الله -ﷺ- حين سار وأقاموا) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 135 أ، و"البحر المحيط" 5/ 79، و"الدر المصون" 6/ 91.، واختاره الزجاج، فقال: (معناه: مخالفة رسول الله -ﷺ-، قال: وهو منصوب؛ لأنه مفعول له، المعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله -ﷺ-) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463.، وعلى هذا القول: فالخلاف مصدر مضاف في (م): (يضاف). إلى المفعول به.

وزعم أبو عبيدة: أن معناه: بعد رسول الله -ﷺ- "مجاز القرآن" 1/ 264.، ونحو هذا قال الأخفش: إن (خلاف): في معنى في (ح): (بمعنى).: خلف، وأن يونس روى ذلك عن عيسى [[هو: عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري، العلامة، إمام النحو، وشيخ الخليل بن أحمد، كان مقرئًا نحويًّا عالمًا ثقة، وهو من أوائل من وضع النحو وصنف فيه، توفي سنة 149 هـ على قول القفطي، وقال الذهبي: لعله بقي إلى بعد سنة160 هـ.

انظر: "أخبار النحويين البصريين" ص 49، و"إنباه الرواة" 2/ 374، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 200.]] قال: ومعناه: بعد رسول الله -ﷺ-) ذكر قول الأخفش هذا وروايته الرازي في "تفسيره" 16/ 149، وأشار إليه أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 79، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 91، أما الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 362 فقد نسب هذا القول إلى غيره، ورجح هو أن (خلاف) بمعنى خالفة، وأنه مصدر (خالفوا).، ولقوي هذا الوجه قراءة من قرأ (خَلْفْ رَسُولِ اللهِ) هي قراءة شاذة قرأ بها ابن عباس وأبو حيوة وعمرو بن ميمون، انظر: "مختصر في شواذ القرآن" ص 54، و"البحر المحيط" 5/ 79. وعلى هذا القول، الخلاف ساقط من (ح).: اسم للجملة كالخلف، وهو على حذف المضاف كأنه خلاف خروج ساقط من (ح). رسول الله -ﷺ-، ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد بعد خروج رسول الله -ﷺ- إلى تبوك) ففسر الخلاف ببعد، وذكر المضاف المحذوف، و (خلاف) بمعنى (خلف) مستعمل، أنشد أبو عبيدة انظر: "مجاز القرآن" 1/ 264. للأحوص [[هو: عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الملقب بالأحوص لضيق مؤخر عينيه، كان شاعر هجاء وغزل، وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من الإسلاميين، وكان معاصرًا لجرير والفرزدق، وتوفي سنة 105 هـ.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 148، 655، و"الشعر والشعراء" ص 345، و"الأعلام" 4/ 116.]]: عَقَبَ الربيعُ خلافهم فكأنما ..... بَسَطَ الشواطبُ بينهن حصيرًا [[نسب المؤلف البيت للأحوص، والصحيح أنه للحارث بن خالد المخزومي كما في "ديوانه" ص 63، و"مجاز القرآن" 1/ 164، و"الأغاني" 15/ 128، و"لسان العرب" (خلف) 2/ 1237. ورواية "الديوان": عقب الرذاذ.

والشواطب: النساء اللواتي يشققن الخوص، ويقشرن العسب، ليتخذن منه الحصر. انظر: "اللسان" (شطب) 4/ 2261.]]

وقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ يعني مع محمد إلى تبوك: ﴿لْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، قال ابن عباس: …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، قال أبو رزين [[هو: مسعود بن مالك الأسدي مولاهم، أبو رزين الكوفي، تابعي ثقة، من رجال مسلم، توفي سنة 85 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 257، و"تهذيب التهذيب" 4/ 63، و"تقريب التهذيب" ص 528 (6612).]]: (يقول الله تعالى: مقامهم ساقط من (ح). في الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا في (ح): (يكون)، وهو خطأ. بكاء في (ح): (نكالًا)، وهو وهم من الناسخ. لا ينفعهم فذلك الكثير) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1855، وابن جرير10/ 202 وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" 3/ 474..

وقال الحسن: (قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ وعيد من الله لهم، يقول: فإن ذلك منهم قليل لأن الدنيا كلها قليل يفنى وينقطع، [فضحكهم قليل فيها، وسرورهم وفرحهم قليل لأنه ينقطع] ما بين المعقوفين ساقط من (ح).، وكل شيء ينقطع فهو قليل. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في النار لا انقطاع له رواه ابن جرير 10/ 202 مختصرًا، وذكر بعضه ابن أبي حاتم 6/ 1856 بغير سند، ورواه بمعناه مختصرًا عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 284.، قال ابن عباس: (إن أهل النفاق ليبكون في (ى): (ليبكوا). في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع) رواه الثعلبى 6/ 135 ب.، وقال أبو موسى: (حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت) رواه أحمد في كتاب: "الزهد" 2/ 152، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 261، ورواه الحاكم عنه مرفوعًا "المستدرك" 4/ 605، وقال: صحيح الإسناد، قلت: في سنده محمد بن الفضل عارم، قال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص502 (6226): ثقة ثبت تغير، في آخر عمره..

قال صاحب "النظم": (هذا فصل هكذا في النسخ ولعل الصواب: (فعل). جاء مجيء الأمر وتأويله الخبر، أي ساقط من (ى).: أنهم سيضحكون قليلا وسيبكون كثيراً، يدل في (م): (دل). على ذلك قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

وقال أبو إسحاق: (﴿جَزَاءً﴾ مفعول له، المعنى: وليبكوا لهذا الفعل) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، وعبارته: جزاء لهذا الفعل..

وقال ابن عباس: في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (أي: في الدنيا من النفاق والتكذيب) "تنوير المقباس" ص 200 بمعناه..

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن ردك الله إلى المدينة) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وبمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 200. ومعنى الرجع: تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعًا، كقولك: رددته ردًّا.

وقوله تعالى: ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد المنافقين خاصة) "تنوير المقباس" ص 200 بنحوه.، قال المفسرون: (إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان بعضهم مسلمين من (م). مخلصين معذورين، وبعضهم لا عذر له في (ح): (لهم)، وما أثبته موائم لما بعده. ثم عفى الله عنه) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وابن الجوزي 3/ 479، والقرطبي 8/ 217..

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾، قال القائل ابن عباس، وانظر: "الوسيط" 2/ 516، و"تنوير المقباس" ص 200.: (يريد للغزو معك).

وقوله من (م).: ﴿فَقُلْ [[في (ى) و (م): (قل).]] لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ إلى غزاة. قال ابن عباس: (وذلك أنه لم يكن يومئذ بقي أحد من المشركين إلا لحق بالشام، وصار في مملكة الروم، ودخل في الإسلام سائرهم) لم أقف عليه.، ﴿وَلَنْ [[في (ح): (ولم)، وهو خطأ.]] تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ قال: (يريد: من أهل الكتاب) "الوسيط" 2/ 516 ولا دليل على هذا التخصيص.، ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني لم في (ى): (لن)، وهو خطأ. تخرجوا إلى تبوك.

وقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ ذكروا في المخالفين قولين:

قال الأخفش وأبو عبيدة: (الخالف الذي خلفني فقعد بعدي) انظر: قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 265، وذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 151 عن الأخفش، ولم أجده في كتابه "معاني القرآن".، ومنه قولهم: (اللهم اخلفني في أهلي) روى الدارمي في "سننه" 2/ 373 حديث دعاء المسافر وفيه: (اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا بخير)..

وقال المؤرج: (الخالف من يخلف) لم أجد من ذكره..

وقال ابن قتيبة: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل ساقط من (ى). في قومه وماله) "تفسير غريب القرآن"، له ص 199..

وقال الفراء: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من الرجال) "معاني القرآن" 1/ 447.، يريد الذين يخلفون في البيت فلا يبرحون، وهذا القول هو معنى ما ذكره المفسرون.

قال ابن عباس: (﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [مع الرجال] ما بين المعقوفين ساقط من (ى). الذين تخلفوا بغير في (ى): (من غير)، وما أثبته موافق لرواية الثعلبي. عذر) رواه الثعلبي 6/ 135 ب، والبغوي 4/ 81، وبنحوه ابن المنذر كما في "الدر المنثور"، ورواه مختصرًا ابن جرير10/ 204، وابن أبي حاتم 6/ 1857.، يريد الذين خلفوا من سار فأقاموا بعدهم.

وقال الحسن ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 480، وذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 218 بلفظ: مع النساء والضعفاء من الرجال، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 158 بلفظ: مع النساء. والضحاك رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 135 ب. وقتادة ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 388، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 516، وقد رواه ابن جرير 10/ 204 بلفظ: مع النساء.: (يعني النساء والصبيان)، وهؤلاء هم الذين يخلفون الذاهبين إلى السفر والغزو فعلى هذا القول، الخالف: كل من تأخر عن الشاخص.

القول الثاني في المخالفين: أن معناه: المخالفين، قال الفراء: (يقال: عبد في (ى): (عبده)، وما أثبته موافق للمصدر التالي. خالف وصاحب خالف: إذا كان مخالفًا) "معاني القرآن" 1/ 447..

وقال الأخفش: (فلان خالفة أهل بيته: إذا كان فاسدًاً) لم أجده عن الأخفش، وانظر: المعنى في "لسان العرب" (خلف) 2/ 1240..

وقال أبو عبيدة: (فلان خالفة أهله أي: …

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، ﴿مَات﴾ ساقط من (ح). في موضع جر؛ لأنه صفة للنكرة كأنه قيل: على أحد منهم ميت، و ﴿أَبَدًا﴾ ظرف لـ ﴿تُصَلِّ﴾، كأنه قيل: ولا تصل أبدًا على أحد منهم.

قال عامة المفسرين: (لما مرض عبد الله بن أبي أرسل هذه رواية قتادة كما في "تفسير ابن جرير" 10/ 206ورواية "الصحيحين" عن ابن عمر أن السائل عبد الله بن عبد الله بن أبي، وجمع الثعلبي في "تفسيره" 6/ 13 أبين الأمرين بأن عبد الله بن أبي طلب ذلك من النبي -ﷺ-، فلما مات عبد الله انطلق ابنه إلى النبي -ﷺ- ودعاه إلى جنازة أبيه. اهـ. ويؤيد ذلك ما رواه ابن جرير وابن ماجه والبزار وأبو الشيخ وابن مردويه (كما في "الدر المنثور" 3/ 475). عن جابر قال: مات رأس المنافقين بالمدينة، فأوصى أن يصلي عليه النبي -ﷺ- وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى النبي -ﷺ- فقال: أبي أوصى أن يكفن في قميصك ..) إلخ، فتبين من مجموع الروايات أن ابن أبي طلب من النبي -ﷺ- ذلك، وحرص عليه، وأوصى به، وأن ابنه نفذ وصيته، وشفع له عند النبي -ﷺ- حتى تم الأمر. إلى رسول الله -ﷺ- يسأله أن يكفنه في قميصه الذي يلي بدنه ويصلي عليه، فلما مات فعل ذلك رسول الله -ﷺ-، وشهد دفنه، ودلاه في قبره، فما لبث إلا يسيرًا حتى نزلت هذه الآية، ثم كُلم رسول -ﷺ- فيما فعل بعبد الله بن أبي، فقال: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه" فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله -ﷺ- انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 463، و"تفسير ابن جرير" 10/ 204 - 206، والثعلبي 6/ 136 أ، والبغوي 4/ 81، و"الدر المنثور" 3/ 476، وأصل القصة في "صحيح البخاري" (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، و"صحيح مسلم" (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر..

قال أبو إسحاق: ويروى أنه -ﷺ- إنما أجاز الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام فأعلمه الله عز وجل أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464.، وقال أنس: (أراد النبي -ﷺ- أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه ساقط من (ح).، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ [[ساقط من (ى).]] مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية رواه ابن جرير 10/ 205، وأبو يعلى وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 476، وفي سند ابن جرير ضعيف بل متروك، وهو يزيد بن أبان الرقاشي كما في "تهذيب التهذيب" 4/ 403، ثم إن في الأثر علة قادحة لمخالفته رواية "الصحيحين" السابقة وفيها أن النبي -ﷺ- صلى عليه..

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، قال الزجاج: (كان رسول الله -ﷺ- إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 464، والحديث رواه أبو داود (3221)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عن القبر للميت، وهو حديث صحيح كما في "صحيح الجامع وزياداته"، رقم (4760) 2/ 865.، وقال الكلبي: (لا تدفنه ولا تله) ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 16/ 153.، وهذا من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه.

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد تقدم تفسير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: 55].

قال أهل المعاني: (إنما كرر هذه الآية للبيان عن قوة هذا المعنى فيما ينبغي أن يحذر منه مع أنه للتذكير به في موطنين يبعد أحدهما عن الآخر فتجب العناية بأمره، قالوا: ويجوز أن يكون في فريقين من المنافقين، فيجري مجرى قول القائل: (لا تعجبك حال زيد، لا تعجبك حال عمرو) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 155 - 156، و"الخازن" 2/ 251، ولم أجده في كتب أهل المعاني..

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ موضع (أن) نصب بحذف حرف الجر على تقدير: بأن آمنوا، كأنه قيل بالإيمان.

قال أهل المعاني: (ومعنى الأمر للمؤمنين بالإيمان: الدوام عليه والتمسك به في مستقبل الأوقات) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 119، و"معاني القرآن الكريم" للنحاس 2/ 215.، مع أن هذا أمر عام يدخل فيه أمر المنافقين بالإيمان، ثم الجهاد؛ لأنه لا ينفعهم ذاك مع النفاق.

وقوله تعالى: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾، قال ابن عباس والحسن: (استأذنك أهل الغنى في التخلف) رواه عن ابن عباس بنحوه ابن جرير 10/ 207، وابن أبي حاتم 6/ 1858، وذكره عن الحسن بمعناه الرازي في "تفسيره" 16/ 156، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 82..

وقال مقاتل: (أهل السعة في المال) "تفسير مقاتل" 133 ب..

وقال ابن كيسان: (يعني الكبراء المنظور إليهم) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 156، و"البحر المحيط" 5/ 82.، وخص هؤلاء بالذكر لأن الذم لهم ألزم بكونهم قادرين على الجهاد والسفر، ومضى الكلام في الطول انظر: "تفسير البسيط" النساء: 25.، والصحيح أنه ذكر ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان في القعود؛ لأنه معذور، وهؤلاء لا عذر لهم في القعود، فيستأذنون ويقعدون، وقد فضح الله عز وجل المنافقين بهذه الصفات التي ذكرهم بها أشد الفضيحة.

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، قال المفسرون: (يعني النساء) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 208، وابن أبي حاتم 6/ 1859، و"الدر المنثور" 3/ 477.، قال الفراء: (النساء الخوالف: اللاتي يخلفن في البيت ولا يبرحن) "معاني القرآن" 1/ 447..

[وقال الزجاج] ما بين المعقوفين ساقط من (ى).: (أي رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء، قال: وقد ساقط من (ى). يجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال والخالفة: الذي هو غير نجيب في "معاني القرآن وإعرابه": منجب. وفي "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 34 مثل ما ذكره المؤلف. والنجيب: الكريم الفاضل. انظر: "لسان العرب" (نجب) 7/ 4342، ولم يأت (فاعل) صفة جمعه (فواعل) إلا حرفان، قالوا: فارس وفوارس، وهالك وهوالك زاد الأزهري في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، نقلاً عن بعض النحويين: خالف وخوالف. ويرى النحاس أن (خوالف) في الآية جمع (خالفة) ولا يجمع (فاعل) صفة على (فواعل) إلا في الشعر إلا في الحرفين المذكورين. انظر: "إعراب القرآن"، له 2/ 34. "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 465..

وذكرنا الكلام في الخالف مستقصى في قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: 83].

وقوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالنفاق) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 517.، ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، قال الضحاك: (لا يعلمون أمر الله) لم أعثر على من ذكره عنه..

وقال الحسن: (ليسوا بفقهاء ولا علماء، ولو كانوا فقهاء لما تخلفوا عن الجهاد معه) لم أجده.، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: 155]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7].

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ هذه الجملة بعض قول الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية، وإتيان المؤلف ببعض الآية لا ينسجم مع ما قبلها.، قال الأخفش كتاب: "معاني القرآن"، له 1/ 135. وأبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 267. والمبرد لم أقف على قوله.: (الخيرات جمع خيرة، وهن الجواري الفاضلات الحسان)، أبو زيد: يقال: (هي خيرة النساء، وشرة النساء) "تهذيب اللغة" (خار) 1/ 959.، وأنشد أبو عبيدة:

ربلات هند خيرة الملكات [[هذا عجز بيت، وصدره:

ولقد طعنت مجامع الربلات

ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 267، ونسبه لرجل جاهلي من بني عدي، عدي تميم، ومثله ابن منظور في "لسان العرب" (خير) 4/ 1298، ومعنى الربلات: جمع ربلة، بتسكين الباء وتحريكها وهي كل لحمة غليظة، وقيل: هي باطن الفخذ، وقيل: أصول الأفخاذ. انظر: "لسان العرب" (ربل) 3/ 1571.]]

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

Explained together with ayah 88

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الآية، ذكرنا معنى العذر والاعتذار وأصله في اللغة عند قوله: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: 66]، وتقول: أعذر في (ح): (عذر). وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366. فلان أي كان منه ما يُعذر به، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، واعتذر اعتذارًا: إذا أتى بعذر صدق فيه أو كذب، وعذر تعذيرًا: أي قصر ولم يبالغ. يقال: قام فلان قيام في (ح): (مقام). وأثبت ما في (م) و (ى) لموافقته لما في "تهذيب اللغة" (عذر) 3/ 2366 إذ النص منقول منه. تعذير فيما استكفتيه: إذا لم يبالغ، وقصر فيما اعتمد عليه، فمن قرأ (المُعَذِرُون) بالتخفيف وهو قراءة جماعة من الصحابة والتابعين روى هذه القراءة ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد، وهي أيضًا قراءة زيد بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال، ومن العشرة يعقوب والكسائي في رواية، وقرأ الباقون بالتشديد. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 209 - 211، و"الغاية في القراءات العشر" 166، و"تقريب النشر" ص 121، و"البحر المحيط" 5/ 83 - 84.، فمعناه المجتهدون المبالغون في العذر، روى الضحاك عن ابن عباس أنه قرأ: (وجاء المعذرون) "تفسير ابن جرير" 10/ 210، وابن أبي حاتم 46/ 1860، وفي سنده بشر بن عمارة، قال البخاري: يُعرف وينكر، وقال الدارقطني: متروك. انظر: "كتاب الضعفاء الصغير" ص46، و"الضعفاء والمتروكون" ص 160، و"تهذيب التهذيب" 1/ 230، ثم إن في الأثر علة أخرى حيث إن الضحاك لم يلق ابن عباس على القول الصحيح، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 226.، وقال (لعن الله المعذرين) رواه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 448 وعنه ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" ص 321 بإسنادين شديدي الضعف، إذ في أحدهما الكلبي وهو متهم بالكذب كما في "التقريب" ص479 (5901)، وفي الثاني جويبر البلخي، وهو ضعيف جدًّا كما في "المصدر السابق" ص 143 (987). ذهب إلى أن المعذرين هم الذين لا عذر لهم في (م): (الذين لهم عذر)، وهو خطأ..

و ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ في (ى): (والمعذر). بالتشديد: الذين يعتذرون بلا عذر، كأنهم المقصرون الذين لا عذر لهم، وعلى هذه القراءة، معنى الآية: إن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين، قال ابن عباس: (هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله -ﷺ-) رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 137 أ، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1860، وابن جرير 10/ 210..

وقال عطاء عنه: (يريد الأعراب [الذين يعتذرون] ما بين المعقوفين ساقط من (ى). إلى النبي -ﷺ- في تخلفهم ليؤذن لهم في التخلف) "تنوير المقباس" ص 201 بنحوه من رواية الكلبىِ..

وقال الضحاك: (هم وهي عامر بن الطفيل هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري سيد بني عامر بن صعصعة، كان من فرسان العرب وفتاكها وشعرائها، وهو الذي فتك بأصحاب رسول الله -ﷺ- في بئر معونة، ثم حال الغدر بالنبي -ﷺ- وظل جادًا في سعيه لإطفاء نور الله، حتى هلك سنة 11هـ. انظر: "السيرة النبوية" 3/ 185، 4/ 233، و"الشعر والشعراء" ص 207، و"الإصابة" 3/ 125. جاؤا في (ح): (جاء). إلى رسول الله -ﷺ-، وقالوا: إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيء على حلائلنا الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. انظر: "الصحاح" (حلل) 4/ 1673. وأولادنا ومواشينا فعذرهم رسول الله -ﷺ-) رواه الثعلبي 6/ 137 أ، والبغوي 4/ 83..

ونحو هذا قال مجاهد: (هم أهل العذر) رواه ابن جرير 10/ 210.، ومن قرأ: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتشديد وهو قراءة العامة هي قراءة العشرة عدا يعقوب، وقتيبة عن الكسائي. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 166، و"تقريب النشر" ص 121. فله وجهان من العربية والتأويل:

أحدهما: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: (وهو أن الأصل في هذا اللفظ عند النحويين: المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين …

Commentary: Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.