Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ المُنافِقِينَ بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعَ الوَعِيدِ في حَقِّهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ المُؤْمِنِينَ مَوْصُوفِينَ بِصِفاتِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ، عَلى ضِدِّ صِفاتِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الدّائِمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأمّا صِفاتُ المُؤْمِنِينَ فَهي قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وهَهُنا قالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، فَلِمَ ذَكَرَ في المُنافِقِينَ لَفْظَ ”مِن“ وفي المُؤْمِنِينَ لَفْظَ ”أوْلِياءُ“ ؟ .

قُلْنا: قَوْلُهُ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ كالأمْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى نِفاقِ الأسْلافِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وبِسَبَبِ مُقْتَضى الهَوى والطَّبِيعَةِ والعادَةِ، أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ لا بِسَبَبِ المَيْلِ

صفحة ١٠٥

والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وقالَ في المُؤْمِنِينَ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الوِلايَةَ ضِدُّ العَداوَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأصْلَ في لَفْظِ الوِلايَةِ القُرْبُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِأنَّ ضِدَّ الوِلايَةِ هو العَداوَةُ، ولَفْظَةُ العَداوَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن عَدا الشَّيْءَ إذا جاوَزَ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . فَذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الخَمْسَةَ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، فالمُنافِقُ عَلى ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ يَأْمُرُ بِالمُنْكَرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ لا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا مَعَ نَوْعٍ مِنَ الكَسَلِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ يَبْخَلُ بِالزَّكاةِ وسائِرِ الواجِباتِ كَما قالَ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] . والمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، والمُنافِقُ إذا أمَرَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ فَإنَّهُ يَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ ويُثَبِّطُ غَيْرَهُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، والمُؤْمِنُونَ بِالضِّدِّ مِنهم. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ:(﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ كَما وعَدَ المُنافِقِينَ نارَ جَهَنَّمَ فَقَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الرَّحْمَةَ المُسْتَقْبَلَةَ، وهي ثَوابُ الآخِرَةِ؛ …

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالرَّحْمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ، فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ . والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ بِها البَساتِينَ الَّتِي يَتَناوَلُها المَناظِرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ مَساكِنُهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، ومَناظِرُهُمُ الجَنّاتِ الَّتِي هي البَساتِينُ، فَتَكُونُ فائِدَةُ وصْفِها بِأنَّها عَدْنٌ، أنَّها تَجْرِي مَجْرى الدّارِ الَّتِي يَسْكُنُها الإنْسانُ. وأمّا الجَنّاتُ الآخِرَةُ فَهي جارِيَةٌ مَجْرى البَساتِينِ الَّتِي قَدْ يَذْهَبُ الإنْسانُ إلَيْها لِأجْلِ التَّنَزُّهِ ومُلاقاةِ الأحْبابِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قَدْ كَثُرَ كَلامُ أصْحابِ الآثارِ في صِفَةِ جَنّاتِ عَدْنٍ، قالَ الحَسَنُ: «سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِهِ:

صفحة ١٠٦

﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ ﷺ: ”هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا، عَلى كُلِّ فِراشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، عَلى كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، وفي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصِيفَةً، يُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في غَداةٍ واحِدَةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ“» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وأقُولُ: لَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها دارُ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يُثْبِتَ لَهُ دارًا، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الجَنَّةِ ما بِناؤُها ؟ فَقالَ: ”لَبِنَةٌ مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٌ مِن فِضَّةٍ، ومِلاطُها المِسْكُ الأذْفَرُ، وتُرابُها الزَّعْفَرانُ، وحَصاؤُها الدُّرُّ والياقُوتُ، فِيها النَّعِيمُ بِلا بُؤْسٍ، والخُلُودُ بِلا مَوْتٍ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يَفْنى شَبابُهُ“» .

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ بُطْنانُ الجَنَّةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: بُطْنانُها وسَطُها، وبُطْنانُ الأوْدِيَةِ المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَنْقِعُ فِيها ماءُ السَّيْلِ، واحِدُها بَطْنٌ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي قَصَبَةُ الجَنَّةِ، وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وهي المَدِينَةُ الَّتِي فِيها الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ الهُدى، وسائِرُ الجَنّاتِ حَوْلَها، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وفِيها قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتُدْخِلُ عَلَيْهِمْ كُثْبانَ المِسْكِ الأذْفَرِ.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: عَدْنٌ، حَوْلَهُ البُرُوجُ، ولَهُ خَمْسَةُ آلافِ …

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .

واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُنافِقِينَ بِالصِّفاتِ الخَبِيثَةِ وتَوَعَّدَهم بِأنْواعِ العِقابِ، وكانَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جارِيَةً بِذِكْرِ الوَعْدِ مَعَ الوَعِيدِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَ المُؤْمِنِينَ بِالصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ الطّاهِرَةِ الطَّيِّبَةِ، ووَعَدَهم بِالثَّوابِ الرَّفِيعِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، ثُمَّ عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وفي الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُجاهَدَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ فَإنَّ المُنافِقَ هو الَّذِي يَسْتُرُ كَفْرَهُ ويُنْكِرُهُ بِلِسانِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مُحارَبَتُهُ ومُجاهَدَتُهُ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا أقْوالًا بِسَبَبِ هَذا الإشْكالِ.

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجِهادُ مَعَ الكُفّارِ وتَغْلِيظُ القَوْلِ مَعَ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ يَقْتَضِي الأمْرَ بِجِهادِهِما مَعًا، وكَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَحْكُمَ بِالظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ»، والقَوْمُ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ مَعَهم غَيْرَ جائِزَةٍ.

والقَوْلُ الثّالِثُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ بَذْلِ الجُهْدِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ بِالسَّيْفِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ مَعَ الفَرِيقَيْنِ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ

صفحة ١٠٨

تِلْكَ المُجاهَدَةِ فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْها، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ المُنْفَصِلَةُ عَلى أنَّ المُجاهَدَةَ مَعَ الكُفّارِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ، ومَعَ المُنافِقِينَ بِإظْهارِ الحُجَّةِ تارَةً، وبِتَرْكِ الرِّفْقِ ثانِيًا، وبِالِانْتِهارِ ثالِثًا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: تارَةً بِاليَدِ، وتارَةً بِاللِّسانِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُكَشِّرْ في وجْهِهِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ. وحَمَلَ الحَسَنُ جِهادَ المُنافِقِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. قالَ القاضِي: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ واجِبَةٌ عَلى مَن لَيْسَ بِمُنافِقٍ، فَلا يَكُونُ لِهَذا تَعَلُّقٌ بِالنِّفاقِ.

ثُمَّ قالَ: وإنَّما قالَ الحَسَنُ ذَلِكَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِأنَّ كُلَّ فاسِقٍ مُنافِقٌ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ الغالِبَ مِمَّنْ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا مُنافِقِينَ.

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أقْوامًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا كَلِماتٍ فاسِدَةً، ثُمَّ لَمّا قِيلَ لَهم: إنَّكم ذَكَرْتُمْ هَذِهِ الكَلِماتِ خافُوا، وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ويَعِيبُ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ. فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ في إخْوانِنا الَّذِينَ خَلَّفْناهم في المَدِينَةِ حَقًّا مَعَ أنَّهم أشْرافُنا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ لِلْجُلاسِ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. وبَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَحْضَرَ الجُلاسَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ أنَّهُ ما قالَ، فَرَفَعَ عامِرٌ يَدَهُ وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ وتَكْذِيبَ الكاذِبِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَقالَ الجُلاسُ: لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ التَّوْبَةَ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَقَدْ قُلْتُ هَذا الكَلامَ وصَدَقَ عامِرٌ، فَتابَ الجُلاسُ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ» . الثّانِي: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لَمّا قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وأرادَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ . فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ ذَلِكَ وبَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ، فَهَمَّ عُمَرُ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ وحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ: رَوى قَتادَةُ «أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ، والآخَرُ مِن غِفارٍ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ، فَنادى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ، انْصُرُوا أخاكم، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. فَذَكَرُوهُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ، وجَعَلَ يَحْلِفُ» . قالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذِهِ الوَقائِعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ كُلُّها صِيَغُ الجُمُوعِ، وحَمْلُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ خِلافُ الأصْلِ.

صفحة ١٠٩

فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ قالَ في مَحْفِلٍ ورَضِيَ بِهِ الباقُونَ.

قُلْنا: هَذا أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى مَن سَمِعَهُ ورَضِيَ بِهِ خِلافُ الأصْلِ. ثُمَّ قالَ: بَلى الأوْلى أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ: «أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ وهم خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعاهَدُوا أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، وكانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ آخِذًا بِالخِطامِ عَلى راحِلَتِهِ وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ، فالتَفَتَ، فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَهَرَبُوا» . والظّاهِرُ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .

فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟

قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ

صفحة ١١١

لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ …

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .

فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟

قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ

صفحة ١١١

لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ …

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .

فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟

قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ

صفحة ١١١

لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ …

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .

فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟

قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ

صفحة ١١١

لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ …

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ، وهو لَمْزُهم مَن يَأْتِي بِالصَّدَقاتِ طَوْعًا وطَبْعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَهم ذاتَ يَوْمٍ، وحَثَّ عَلى أنْ يَجْمَعُوا الصَّدَقاتِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأمْسَكْتُ لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةً وهَذِهِ الأرْبَعَةُ أقْرَضْتُها رَبِّي. فَقالَ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. قِيلَ: قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ الرَّسُولِ فِيهِ حَتّى صالَحَتِ امْرَأتُهُ تُماضِرُ عَنْ رُبُعِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا. وجاءَ عُمَرُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ بِسَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، وجاءَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ بِصَدَقَةٍ عَظِيمَةٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وقالَ: آجَرْتُ اللَّيْلَةَ الماضِيَةَ نَفْسِي مِن رَجُلٍ لِإرْسالِ الماءِ إلى نَخِيلِهِ، فَأخَذْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَأمْسَكْتُ أحَدَهُما لِعِيالِي وأقْرَضْتُ الآخَرَ رَبِّي، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضْعِهِ في الصَّدَقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الطَّعْنِ: ما جاءُوا بِصَدَقاتِهِمْ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، وأمّا أبُو عَقِيلٍ فَإنَّما جاءَ بِصاعِهِ لِيُذْكَرَ مَعَ سائِرِ الأكابِرِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صاعِهِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والكَلامُ في تَفْسِيرِ اللَّمْزِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ . والمُطَّوِّعُونَ: المُتَطَوِّعُونَ، والتَّطَوُّعُ: التَّنَفُّلُ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى بِما لَيْسَ بِواجِبٍ، وسَبَبُ إدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ قُرْبُ المَخْرَجِ. قالَ اللَّيْثُ: الجُهْدُ شَيْءٌ قَلِيلٌ يَعِيشُ بِهِ المُقِلُّ، قالَ الزَّجّاجُ: ”إلّا

صفحة ١١٦

جُهْدَهم“ وجُهْدُهم بِالضَّمِّ والفَتْحِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والفَتْحُ لِغَيْرِهِمْ، وحَكى ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ الفَرْقَ بَيْنَهُما فَقالَ: الجُهْدُ الطّاقَةُ، تَقُولُ: هَذا جُهْدِي أيْ طاقَتِي.

إذا عَرَفْتَ هَذا فالمُرادُ بِالمُطَّوِّعِينَ في الصَّدَقاتِ أُولَئِكَ الأغْنِياءُ الَّذِينَ أتَوْا بِالصَّدَقاتِ الكَثِيرَةِ، وبِقَوْلِهِ:(﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ أبُو عَقِيلٍ حَيْثُ جاءَ بِالصّاعِ مِنَ التَّمْرِ. ثُمَّ حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَخِرَ مِنهم.

واعْلَمْ أنَّ إخْراجَ المالِ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ واجِبًا كَما في الزَّكَواتِ وسائِرِ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ، وقَدْ يَكُونُ نافِلَةً، وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ الآتِي بِالصَّدَقَةِ النّافِلَةِ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا فَيَأْتِي بِالكَثِيرِ، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقَدْ يَكُونُ فَقِيرًا فَيَأْتِي بِالقَلِيلِ وهو جُهْدُ المُقِلِّ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ البابَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ واعْتِبارُ حالِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَقَدْ يَكُونُ القَلِيلُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الفَقِيرُ أكْثَرَ مَوْقِعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكَثِيرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الغَنِيُّ.

ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانَ يَتَجاوَزُ …

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى في المُنافِقِينَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لَنا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأسْتَغْفِرُ لَكم. واشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ» . وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ، فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَقُولُونَ: إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى وما أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى الأصَمُّ أنَّهُ «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إذا خَطَبَ

صفحة ١١٧

الرَّسُولُ قامَ وقالَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وأعَزَّهُ ونَصَرَهُ، فَلَمّا قامَ ذَلِكَ المَقامَ بَعْدَ أُحُدٍ قالَ لَهُ عُمَرُ: اجْلِسْ يا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَدْ ظَهَرَ كُفْرُكَ. وجَبَهَهُ النّاسُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ ولَمْ يُصَلِّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: ما صَرَفَكَ ؟ فَحَكى القِصَّةَ. فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ. فَقالَ: ما أُبالِي أسْتَغْفَرَ لِي أوْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَنَزَلَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] . وجاءَ المُنافِقُونَ بَعْدَ أُحُدٍ يَعْتَذِرُونَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالباطِلِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . رَوى الشَّعْبِيُّ قالَ: «دَعا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى جِنازَةِ أبِيهِ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا الحُبابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ: بَلْ أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ الحُبابَ هو الشَّيْطانُ»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ القاضِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى طَلَبِ القَوْمِ مِنهُ الِاسْتِغْفارَ، وقَدْ حَكَيْتُ ما رُوِيَ فِيهِ مِنَ الأخْبارِ، والأقْرَبُ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَلْمِزُونَ هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الِاسْتِغْفارَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ التَّخْصِيصَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ فِيما وراءَ ذَلِكَ العَدَدِ بِخِلافِهِ، وهو مَذْهَبُ القائِلِينَ بِدَلِيلِ الخِطابِ. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ“ ولَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] . الآيَةَ، فَكَفَّ عَنْهم» .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالعَكْسِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمُ البَتَّةَ، ثَبَتَ أنَّ الحالَ فِيما وراءَ العَدَدِ المَذْكُورِ مُساوٍ لِلْحالِ في العَدَدِ المَذْكُورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِالعَدَدِ لا …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.