Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حالًا ومَآلًا إثْرَ بَيانِ قُبْحِ حالِ أضْدادِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، والتَّعْبِيرُ عَنْ نِسْبَةِ هَؤُلاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ بِالوِلايَةِ وعَنْ نِسْبَةِ أُولَئِكَ بِـ"مِنَ" الِاتِّصالِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ نِسْبَةَ هَؤُلاءِ بِطَرِيقِ القَرابَةِ الدِّينِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى المُعاقَدَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْآثارِ مِنَ المَعُونَةِ والنُّصْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ونِسْبَةَ أُولَئِكَ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ والعادَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ: جِنْسِ المَعْرُوفِ والمُنْكِرِ المُنْتَظِمَيْنِ لِكُلِّ خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فَلا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَهو في مُقابَلَةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ بِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ" ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ، وهو بِمُقابَلَةِ وصْفِ المُنافِقِينَ بِكَمالِ الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما سَلَفَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُفِيضُ عَلَيْهِمْ آثارَ رَحْمَتِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والنُّصْرَةِ البَتَّةَ، فَإنَّ السِّينَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْوُقُوعِ كَما في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ.

﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ، أيْ: قَوِيٌّ قادِرٌّ عَلى إعْزازِ أوْلِيائِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَبْنِي أحْكامَهُ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى إيصالِ الحُقُوقِ مِنَ النِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ إلى مُسْتَحِقِّيها مِن أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَضَمِّنٌ لِوَعِيدِ المُنافِقِينَ، كَما أنَّ ما سَبَقَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ وعِيدٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ مَنعَ لُطْفِهِ تَعالى عَنْهم لُطْفٌ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ تَفْصِيلٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ ذِكْرِ رَحْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ وصْفِ الإيمانِ لِحُصُولِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الوَعْدُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، أيْ: وعَدَهم وعْدًا شامِلًا لِكُلِّ أحَدٍ مِنهم عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ في مَراتِبِ الفَضْلِ كَيْفًا وكَمًّا.

﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم فائِزٌ بِها لا مَحالَةَ ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ: وعَدَ بَعْضَ الخَواصِّ الكُمَّلِ مِنهم مَنازِلَ تَسْتَطِيبُها النُّفُوسُ، أوْ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ، في الخَبَرِ: أنَّها قُصُورٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، والزَّبَرْجَدِ، والياقُوتِ الأحْمَرِ ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ هي أبْهى أماكِنِ الجَنّاتِ وأسْناها.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿عَدْنٌ دارُ اللَّهِ لَمْ تَرَها عَيْنٌ، ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، لا يَسْكُنُها غَيْرُ ثَلاثَةٍ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: طُوبى لِمَن دَخَلَكِ﴾ .

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: عَدَنٌ، حَوْلَهُ البُرُوجُ والمُرُوجُ، ولَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ عَلى كُلِّ بابٍ خَمْسَةُ آلافِ حَوْراءَ، لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ، أوْ صِدِّيقٌ، أوْ شَهِيدٌ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هي بُطْنانُ الجَنَّةِ وسُرَّتُها، فَعَدَنٌ عَلى هَذا عَلَمٌ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أعْنِي الإقامَةَ والخُلُودَ، فَمَرْجِعُ العَطْفِ إلى اخْتِلافِ الوَصْفِ وتَغايُرِهِ، فَكَأنَّهُ وصَفَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ مِن جِنْسِ ما هو أشْرَفُ الأماكِنِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهم مِنَ الجَنّاتِ ذاتِ الأنْهارِ الجارِيَةِ لِيَمِيلَ إلَيْها طِباعُهم أوَّلَ ما يَقْرَعُ أسْماعَهُمْ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوفٌ بِطِيبِ العَيْشِ، مُعَرًّى عَنْ شَوائِبِ الكُدُوراتِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْلُو عَنْها أماكِنُ الدُّنْيا، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ دارُ إقامَةٍ وثَباتٍ في جِوارِ العِلِّيِّينَ، لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها فَناءٌ ولا تَغَيُّرٌ، ثُمَّ وعَدَهم بِما هو أعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَقالَ: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: وشَيْءٌ يَسِيرٌ مِن رِضْوانِهِ تَعالى ﴿أكْبَرُ﴾ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ فَوْزُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، وبِهِ يُناطُ نَيْلُ كُلِّ شَرَفٍ وسِيادَةٍ، ولَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِهِ في سِلْكِ الوَعْدِ - مَعَ عِزَّتِهِ في نَفْسِهِ - لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في ضِمْنِ كُلِّ مَوْعُودٍ؛ ولِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ.

رُوِيَ «أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ ما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أنا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، قالُوا: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا.»

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في العِظَمِ والفَخامَةِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ دُونَ ما يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، فَإنَّها - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَنائِها وتَغَيُّرِها وتَنَغُّصِها وتَكَدُّرِها - لَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أدْنى شَيْءٍ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ بِمَثابَةِ جَناحِ البَعُوضِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: …

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ مِنهم بِالسَّيْفِ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذَلِكَ، ولا تَأْخُذْكَ بِهِمْ رَأْفَةٌ، قالَ عَطاءٌ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ.

﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ آجِلِ أمْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ عاجِلِهِ، وقِيلَ: حالِيَّةٌ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَرائِمِ المُوجِبَةِ لِما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِالجِهادِ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ ودُخُولِ جَهَنَّمَ، رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلِ عَلَيْهِ القرآن، ويَعِيبُ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ، فَيَسْمَعُهُ مَن كانَ مِنهم مَعَهُ ﷺ فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ مِنهُمْ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لِإخْوانِنا الَّذِينَ خَلَّفْناهم - وهم ساداتُنا وأشْرافُنا - فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ لِلْجُلاسِ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ – فاسْتُحْضِرَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ فَرَفَعَ عامِرٌ يَدَهُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الكاذِبِ وتَكْذِيبَ الصّادِقِ فَنَزَلَ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في (يَحْلِفُونَ) لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرِيرِ الحَلِفِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ في "قالُوا" مَعَ أنَّ القائِلَ هو الجُلاسُ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ بَقِيَّتَهم بِرِضاهم بِقَوْلِهِ صارُوا بِمَنزِلَةِ القائِلِ.

﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ هي ما حُكِيَ آنِفًا، والجُمْلَةُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها اعْتِراضٌ ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ: وأظْهَرُوا ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ إظْهارِهِمُ الإسْلامَ ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ هو الفَتْكُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ أنَّهُ تَوافَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم عَلى أنْ يَدْفَعُوهُ ﷺ عَنْ راحِلَتِهِ إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، وكانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ آخِذًا بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ خَلْفَها يَسُوقُها، فَبَيْنَما هُما كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ حُذَيْفَةُ بِوَقْعِ أخْفافِ الإبِلِ وبِقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، فالتَفَتَ فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ، فَهَرَبُوا، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، هَمُّوا بِقَتْلِ عامِرٍ لِرَدِّهِ عَلى الجُلاسِ، وقِيلَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، وإنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَما نَقَمُوا﴾ أيْ: وما أنْكَرُوا وما عابُوا، أوْ وما وجَدُوا ما يُورِثُ نِقْمَتَهم ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن ضَنْكِ العَيْشِ، لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، فَأُثِرُوا بِالغَنائِمِ، وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ فاسْتَغْنى، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أوْ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: وما أنْكَرُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا أغْناهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُمْ، أوْ وما أنْكَرُوا ما أنْكَرُوا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإغْناءِ اللَّهِ إيّاهم.

﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الدّارَيْنِ، قِيلَ: لَمّا تَلاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ الجُلاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ التَّوْبَةَ واللَّهِ لَقَدْ قُلْتُ وصَدَقَ عامِرٌ، فَتابَ الجُلاسُ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ، أوْ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَذا العَرْضِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

﴿وَمِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِقَبائِحِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهم ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مَن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لِنُؤْتِيَنَّ الزَّكاةَ وغَيْرَها مِنَ الصَّدَقاتِ ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: يُرِيدُ الحَجَّ، وقُرِئَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ فِيهِما، قِيلَ: «نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَقالَ ﷺ: "يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي حَقَّهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا وانْقَطَعَ عَنِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ، فَسَألَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعُهُ وادٍ، فَقالَ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ"، فَبَعَثَ مُصَدِّقَيْنِ لِأخْذِ الصَّدَقاتِ فاسْتَقْبَلَهُما النّاسُ بِصَدَقاتِهِمْ ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ وأقْرَآهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي فِيهِ الفَرائِضُ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، وقالَ: ارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:»

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ أيْ: مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ مِنهُ ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، «فَلَمّا رَجَعا قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُكَلِّماهُ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ" مَرَّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ.

فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَّدَقَةِ، فَقالَ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ" فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ ﷺ: "هَذا عَمَلُكَ قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي" فَقُبِضَ ﷺ فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -فَلَمْ يَقْبَلْها، وجاءَ بِها إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيهِ وفي سَهْلِ بْنِ الحارِثِ، وجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ،» والأوَّلُ هو الأشْهَرُ.

﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ، أوْ حالِيَّةٌ، أيْ: تَوَلَّوْا بِإجْرامِهِمْ وهم مُعْرِضُونَ بِقُلُوبِهِمْ.

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿نِفاقًا﴾ راسِخًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى يَوْمِ مَوْتِهِمُ الَّذِي يَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَهُ، أوْ يَلْقَوْنَ فِيهِ جَزاءَ عَمَلِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوهُ تَعالى مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ.

﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ: وبِكَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الكَذِبِ في جَمِيعِ المَقالاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وعْدُهُمُ المَذْكُورُ، وتَخْصِيصُ الكَذِبِ بِهِ يُؤَدِّي إلى تَخْلِيَةِ الجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ عَنِ المَزِيَّةِ، فَإنَّ تَسَبُّبَ الإعْقابِ المَذْكُورِ بِالإخْلافِ والكَذِبِ يَقْضِي بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِهِما سَبَبَيْنِ لِإعْقابِ البُخْلِ النِّفاقَ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَمّا كانَتِ الفاءُ الدّالَّةُ عَلى التَّرْتِيبِ والتَّفْرِيعِ مُنْبِئَةً عَنْ تَرَتُّبِ أعْقابِ النِّفاقِ المُخَلَّدِ عَلى أفْعالِهِمُ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ المُعاهَدَةِ بِالتَّصَدُّقِ، والصَّلاحِ، والبُخْلِ، والتَّوَلِّي، والإعْراضِ، وفِيها ما لا دَخَلَ لَهُ في التَّرَتُّبِ المَذْكُورِ كالمُعاهَدَةِ - أُزِيحَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإبْهامِ بِتَعْيِينِ ما هو المَدارُ في ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ.

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ، أوْ مَن عاهَدَ اللَّهَ، وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فالهَمْزَةُ عَلى الأوَّلِ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما أسَرُّوا بِهِ في أنْفُسِهِمْ، وما تَناجَوْا بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المَطاعِنِ، وتَسْمِيَةُ الصَّدَقَةِ جِزْيَةً وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وسِرُّ تَقْدِيمِ السِّرِّ عَلى النَّجْوى سَيَظْهَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .

﴿وَأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظائِمِ، وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في المَوْقِعَيْنِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وفي إيرادِ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِسِرِّهِمْ ونَجْواهم بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ - والعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالغُيُوبِ الكَثِيرَةِ الدّائِمَةِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ الدّالِّ عَلى الدَّوامِ والمُبالَغَةِ - مِنَ الفَخامَةِ والجَزالَةِ ما لا يَخْفى.

وَعَلى الثّانِي لِتَقْرِيرِ عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّهُ تَعالى مُؤاخِذُهم ومُجازِيهِمْ بِما عَلِمَ مِن أعْمالِهِمْ.

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ جَرُّهُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (سِرَّهم ونَجْواهُمْ) وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، وهي لُغَةٌ، أيْ: يَعِيبُونَ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ أيِ: المُتَطَوِّعِينَ المُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِنَ المُطَّوِّعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَلْمِزُونَ" رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَثَّ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ، فَأتى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافٍ فَأقْرَضْتُ رَبِّي أرْبَعَةً، وأمْسَكْتُ لِعِيالِي أرْبَعَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ"» فَبارَكَ لَهُ حَتّى صُولِحَتْ تُماضِرُ رابِعَةُ نِسائِهِ عَنْ رُبُعِ الثَّمَنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا، وتَصَدَّقَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ الأنْصارِيُّ بِصاعٍ مَن تَمْرٍ، فَقالَ: بِتُّ لَيْلَتِي أجُرُّ بِالجَرِيرِ عَلى صاعَيْنِ فَتَرَكْتُ صاعًا لِعِيالِي وجِئْتُ بِصاعٍ، فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْثُرَهُ عَلى الصَّدَقاتِ فَلَمَزَهُمُ المُنافِقُونَ، وقالُوا: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً، وإنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لِغَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ أبِي عَقِيلٍ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يُذْكَرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ، فَنَزَلَتْ.

﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُطَّوِّعِينَ أيْ: ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا طاقَتَهُمْ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الجِيمِ، وهو مَصْدَرُ جَهَدَ في الأمْرِ إذا بالَغَ فِيهِ، وقِيلَ: هو بِالضَّمِّ الطّاقَةُ وبِالفَتْحِ المَشَقَّةُ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَلْمِزُونَ" أيْ: يَهْزَءُونَ بِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الفَرِيقُ الأخِيرُ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ إخْبارٌ بِمُجازاتِهِ تَعالى إيّاهم عَلى ما فَعَلُوا مِنَ السُّخْرِيَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ ﴿وَلَهُمْ﴾ أيْ: ثابِتٌ لَهم ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إخْبارٌ بِاسْتِواءِ الأمْرَيْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وتَرْكِهِ في اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ، وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اسْتِوائِهِما، كَأنَّهُ ﷺ أُمِرَ بِامْتِحانِ الحالِ بِأنْ يَسْتَغْفِرَ تارَةً ويَتْرُكَ أُخْرى لِيَظْهَرَ لَهُ جَلِيَّةُ الأمْرِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كُرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ" .

﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بَعْدَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِغْفارِ إثْرَ بَيانِ الِاسْتِواءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدَمِهِ، رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وكانَ مِنَ المُخْلِصِينَ - سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضِ أبِيهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَفَعَلَ ﷺ، فَنَزَلَتْ، فَقالَ ﷺ مُحافَظَةً عَلى ما هو الأصْلُ مِن أنَّ مَراتِبَ الأعْدادِ حُدُودٌ مُعَيَّنَةٌ يُخالِفُ حُكْمُ كُلٍّ مِنها حُكْمَ ما فَوْقَها: "إنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ"» فَنَزَلَتْ: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ" وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعِمِائَةِ في مُطْلَقِ التَّكْثِيرِ لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ فَكَأنَّها العَدَدُ بِأسْرِهِ، وقِيلَ: هي أكْمَلُ الأعْدادِ لِجَمْعِها مَعانِيَها؛ ولِأنَّ السِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ لِتَعادُلِ أجْزائِها الصَّحِيحَةِ، إذْ نِصْفُها ثَلاثَةٌ، وثُلُثُها اثْنانِ، وسُدُسُها واحِدٌ، وجُمْلَتُها سِتَّةٌ، وهي مَعَ الواحِدِ سَبْعَةٌ فَكانَتْ كامِلَةً؛ إذْ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ التَّمامِ إلّا الكَمالُ، ثُمَّ السَّبْعُونَ غايَةُ الكَمالِ؛ إذِ الآحادُ غايَتُها العَشَراتُ، والسَّبْعُمِائَةُ غايَةُ الغاياتِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى امْتِناعِ المَغْفِرَةِ لَهم ولَوْ بَعْدَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِغْفارِ، أيْ: ذَلِكَ الِامْتِناعُ لَيْسَ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِاسْتِغْفارِكَ بَلْ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبٍ أنَّهم ﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ كُفْرًا مُتَجاوِزًا عَنِ الحَدِّ، كَما يَلُوحُ بِهِ وصْفُهم بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ في كُلِّ شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنِ التَّمَرُّدِ والتَّجاوُزِ عَنْ حُدُودِهِ، أيْ: لا يَهْدِيهِمْ هِدايَةً مُوصِلَةً إلى المَقْصِدِ البَتَّةَ لِمُخالَفَةِ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى الدِّلالَةِ عَلى ما يُوصَلُ إلَيْهِ، فَهي مُتَحَقِّقَةٌ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهم بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ لَمْ يَقْبَلُوها فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا، وهو تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمِ، فَإنَّ مَغْفِرَةَ الكافِرِ إنَّما هي بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ والإقْبالِ إلى الحَقِّ، والمُنْهَمِكُ فِيهِ المَطْبُوعُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عُذْرِ النَّبِيِّ ﷺ في اسْتِغْفارِهِ لَهُمْ، وهو عَدَمُ يَأْسِهِ مِن إيمانِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الغَيِّ والضَّلالِ إذِ المَمْنُوعُ هو الِاسْتِغْفارُ لَهم بَعْدَ تَبَيُّنِ حالِهِمْ كَما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ ... الآيَةَ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.