Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

هَذِهِ تُقابِلُ قَوْلَهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] لِبَيانِ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي يَنالُها العَفْوُ هي المُلْتَحِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وما بَيْنَهُما جُمَلٌ تَسَلْسَلَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ: في المُنافِقِينَ ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]

وعَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنَّهم أوْلِياءُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللُّحْمَةَ الجامِعَةَ بَيْنَهم هي ولايَةُ الإسْلامِ، فَهم فِيها عَلى السَّواءِ لَيْسَ واحِدٌ مِنهم مُقَلِّدًا لِلْآخَرِ ولا تابِعًا لَهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِما في مَعْنى الوَلايَةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإخْلاصِ والتَّناصُرِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ، فَكَأنَّ بَعْضَهم ناشِئٌ مِن بَعْضٍ في مَذامِّهِمْ.

صفحة ٢٦٣

وزِيدَ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ هُنا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ تَنْوِيهًا بِأنَّ الصَّلاةَ هي أعْظَمُ المَعْرُوفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]

وقَوْلُهُ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٦٧] لِأنَّ الطّاعَةَ تَقْتَضِي مُراقَبَةَ المُطاعِ فَهي ضِدُّ النِّسْيانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ فَنَسِيَهُمْ

والسِّينُ لِتَأْكِيدِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ في المُسْتَقْبَلِ، فَحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ يُفِيدُ مَعَ المُضارِعِ ما تُفِيدُ قَدْ مَعَ الماضِي كَقَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]

والإشارَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ صارُوا أحْرِياءَ بِهِ مِن أجْلِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أنَّهُ - تَعالى - لِعِزَّتِهِ يَنْفَعُ أوْلِياءَهُ وأنَّهُ لِحِكْمَتِهِ يَضَعُ الجَزاءَ لِمُسْتَحِقِّهِ.

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [التوبة: ٦٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] الآيَةَ. وهي أيْضًا كالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ النّاشِئِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] مِثْلُ قَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] الآيَةَ.

صفحة ٢٦٤

وفِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٦٨] إمّا لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ وعْدٍ تَقَدَّمَ في آيِ القُرْآنِ قُصِدَ مِنَ الإخْبارِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِهِ لِتَحْقِيقِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ صِيغَ هَذا الوَعْدُ بِلَفْظِ المُضِيِّ عَلى طَرِيقَةِ صِيَغِ العُقُودِ؛ مِثْلُ بِعْتُ وتَصَدَّقْتُ، لِكَوْنِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَعْهُودَةً في الِالتِزامِ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨]

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دُونَ أنْ يُقالَ: وعَدَهُمُ اللَّهُ: لِتَقْرِيرِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ لِيَتَمَكَّنَ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِهِمْ فَضْلَ تَمَكُّنٍ في ذِهْنِ السّامِعِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَطْفُ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عَلى جَنّاتٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهم في الجَنّاتِ قُصُورًا ومَساكِنَ طَيِّبَةً، أيْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن خُبْثِ المَساكِنِ مِنَ الأوْساخِ وآثارِ عِلاجِ الطَّبْخِ ونَحْوِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]

والعَدْنُ الخُلْدُ والِاسْتِقْرارُ المُسْتَمِرُّ، فَجَنّاتُ عَدْنٍ هي الجَنّاتُ المَذْكُورَةُ قَبْلُ، فَذَكَرَها بِهَذا اللَّفْظِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ والتَّنْوِيهِ بِالجَنّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ومَساكِنَ طَيِّبَةً فِيها.

وجُمْلَةُ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ﴾

والرِّضْوانُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - ويَجُوزُ ضَمُّها. وكَسْرُ الرّاءِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الرّاءِ.

ونَظِيرُهُ بِالكَسْرِ قَلِيلٌ في المَصادِرِ ذاتِ الألِفِ والنُّونِ. وهو مَصْدَرٌ كالرِّضى وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى قُوَّتِهِ، كالغُفْرانِ والشُّكْرانِ.

والتَّنْكِيرُ في رِضْوانٍ لِلتَّنْوِيعِ، يَدُلُّ عَلى جِنْسِ الرِّضْوانِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِيُتَوَسَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ فَإنَّ رِضْوانَ اللَّهِ - تَعالى - عَظِيمٌ.

صفحة ٢٦٥

و(أكْبَرُ) تَفْضِيلٌ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ أكْبَرُ مِنَ الجَنّاتِ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أصْلٌ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ …

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

لَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ - تَعالى - في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]، بِأنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا أُخْرَوِيًّا وهو نارُ جَهَنَّمَ، تَعَيَّنَ أنَّ العَذابَ الثّانِيَ عَذابٌ دُنْيَوِيٌّ وهو عَذابُ القَتْلِ، فَلَمّا أعْقَبَ ذَلِكَ بِشَنائِعِ المُنافِقِينَ وبِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِالأُمَمِ البائِدَةِ، أمَرَ نَبِيَّهُ بِجِهادِ المُنافِقِينَ وهَذا هو الجِهادُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في سُورَةِ الأحْزابِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَبَعْدَ أنْ أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ومَضى عَلَيْهِمْ مِنَ المُدَّةِ ما كُشِفَتْ فِيهِ دَخِيلَتُهم بِما تَكَرَّرَ مِنهم مِن بَوادِرِ الكُفْرِ والكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، أنْجَزَ اللَّهُ ما أنْذَرَهم بِهِ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِجِهادِهِمْ. والجِهادُ القِتالُ لِنَصْرِ الدِّينِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] في سُورَةِ العُقُودِ.

وقُرِنَ المُنافِقُونَ هُنا بِالكُفّارِ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَبَبَ الأمْرِ بِجِهادِ الكُفّارِ قَدْ تَحَقَّقَ في المُنافِقِينَ، فَجِهادُهم كَجِهادِ الكُفّارِ، ولِأنَّ اللَّهَ لَمّا قَرَنَهم في الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ إذْ قالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] وأوْمَأ قَوْلُهُ هُنالِكَ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ، لا جَرَمَ جَمْعَهم عِنْدَ شَرْعِ هَذا العَذابِ الآخَرِ لَهم.

صفحة ٢٦٦

فالجِهادُ المَأْمُورُ لِلْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفٌ، ولَفْظُ الجِهادِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وفائِدَةُ القَرْنِ بَيْنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في الجِهادِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَخْشى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهُ فَيُعامَلَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ المُحارِبِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ خاضِدًا شَوْكَتَهم.

وأمّا جِهادُهم بِالفِعْلِ فَمُتَعَذِّرٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُظْهِرِينَ الكُفْرَ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ الجِهادَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ بِالمُقاوَمَةِ بِالحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ عِنْدَ ظُهُورِ ما يَقْتَضِيها، وكانَ غالِبُ مَن أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في عَهْدِ النُّبُوءَةِ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جِهادُهم يَنْتَهِي إلى الكَشْرِ في وُجُوهِهِمْ. وحَمَلَها الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ بِالجِهادِ، ونَسَبَهُ الطَّبَرِيُّ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ولَكِنَّهُما لَمْ يَأْتِيا بِمَقْنَعٍ مِن تَحْقِيقِ المَعْنى.

وهَذِهِ الآيَةُ إيذانٌ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّ النِّفاقَ يُوجِبُ جِهادَهم قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ مِن بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهم ويُعَرِّفُهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ مِنهم مَن تَكَرَّرَتْ بَوادِرُ أحْوالِهِ، وفَلَتاتُ مَقالِهِ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ مُمْسِكًا عَنْ قَتْلِهِمْ سَدًّا لِذَرِيعَةِ دُخُولِ الشَّكِّ في الأمانِ عَلى الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما قالَ لِعُمَرَ «لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» لِأنَّ العامَّةَ والغائِبِينَ عَنِ المَدِينَةِ لا يَبْلُغُونَ بِعِلْمِهِمْ إلى مَعْرِفَةِ …

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

صفحة ٢٦٨

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ لَمّا كانَ مُعْظَمُ ما أُخِذَ عَلى المُنافِقِينَ هو كَلِماتٍ دالَّةً عَلى الطَّعْنِ في الرَّسُولِ ﷺ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ الكُفْرِ وكانُوا إذا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْهم تَنَصَّلُوا مِنهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، عُقِّبَتْ آيَةُ الأمْرِ بِجِهادِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَتَنَصَّلُونَ بِهِ تَنَصُّلٌ كاذِبٌ وأنْ لا ثِقَةَ بِحَلِفِهِمْ، وعَلى إثْباتِ أنَّهم قالُوا ما هو صَرِيحٌ في كُفْرِهِمْ. فَجُمْلَةُ يَحْلِفُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا يُثِيرُهُ الأمْرُ بِجِهادِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ التَّنَصُّلِ مِمّا نُقِلَ عَنْهم، إنِ اعْتُبِرَ المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ تَكْذِيبَهم في حَلْفِهِمْ.

وقَدْ تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالجِهادِ إنِ اعْتُبِرَ المَقْصُودُ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وما بَعْدَهُ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِتَكْذِيبِ أيْمانِهِمُ ابْتِداءً، وأُتِيَ بِالمَقْصُودِ في صُورَةِ جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ القَيْدَ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُقَيَّدِ. ويُرَجِّحُ هَذا أنَّ مُعْظَمَ ما في الجُمْلَةِ هو شَواهِدُ كُفْرِهِمْ ونَقْضِهِمْ عَهْدَ الإسْلامِ، إذْ لَوْ كانَ المَقْصُودُ خُصُوصَ تَكْذِيبِهِمْ فِيما حَلَفُوا لاقْتَصَرَ عَلى إثْباتِ مُقابِلِهِ وهو ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾، ولَمْ يَكُنْ لِما بَعْدَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِهِ.

وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَحِقَّةٌ الفَصْلَ دُونَ العَطْفِ.

ومَفْعُولُ (ما قالُوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾

وأكَّدَ صُدُورَ كَلِمَةِ الكُفْرِ مِنهم، في مُقابَلَةِ تَأْكِيدِهِمْ نَفْيَ صُدُورِها، بِصِيغَةِ القَسَمِ لِيَكُونَ تَكْذِيبُ قَوْلِهِمْ مُساوِيًا لِقَوْلِهِمْ في التَّأْكِيدِ.

و(كَلِمَةُ الكُفْرِ) الكَلامُ الدّالُّ عَلَيْهِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ اللَّفْظُ الواحِدُ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنهُ ومِن مِثْلِهِ الكَلامُ المُفِيدُ، وتُطْلَقُ الكَلِمَةُ عَلى الكَلامِ إذا كانَ كَلامًا جامِعًا مُوجَزًا كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وفي الحَدِيثِ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ:

صفحة ٢٦٩

ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»

فَكَلِمَةُ الكُفْرِ جِنْسٌ لِكُلِّ كَلامٍ فِيهِ تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ، كَما أُطْلِقَتْ كَلِمَةُ الإسْلامِ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فالكَلِماتُ الصّادِرَةُ عَنْهم عَلى اخْتِلافِها، ما هي إلّا أفْرادٌ مِن هَذا الجِنْسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ إسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُنافِقِينَ. فَعَنْ قَتادَةَ: لا عِلْمَ لَنا بِأنَّ ذَلِكَ مِن أيٍّ إذْ كانَ لا خَبَرَ يُوجِبُ الحُجَّةَ ونَتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ.

وقِيلَ: المُرادُ كَلِمَةٌ صَدَرَتْ مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ تَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ إسْحاقَ «أنَّ الجُلاسَ - بِضَمِّ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ - بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ قالَ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحَنُّ أشَرُّ مِن حَمِيرِنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها، فَأخْبَرَ عَنْهُ رَبِيبُهُ النَّبِيءَ فَدَعاهُ النَّبِيءُ وسَألَهُ عَنْ مَقالَتِهِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَبْدِ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

صفحة ٢٧٢

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

قِيلَ: نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ مِنَ المُنافِقِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِسَعَةِ الرِّزْقِ فَدَعا لَهُ فَأثْرى إثْراءً كَثِيرًا فَلَمّا جاءَهُ المُصَّدِّقُونَ لِيُعْطِيَ زَكاةَ أنْعامِهِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ ثُمَّ نَدِمَ فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقْبَلَها مِنهُ. وذَكَرُوا مِن قِصَّتِهِ أنَّهُ تابَ ولَكِنْ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ في زَمَنِ النَّبِيءِ ولا في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ حَتّى ماتَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَلى هَذا فَضَمائِرُ الجَمْعِ في لَنَصَدَّقَنَّ وما بَعْدَهُ مُرادٌ بِها واحِدٌ، وإنَّما نُسِبَ الفِعْلُ إلى جَماعَةِ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في إلْصاقِ فِعْلِ الواحِدِ بِقَبِيلَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ثَعْلَبَةَ سَألَ ذَلِكَ فَتَبِعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ مِثْلُ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَأُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ ثَعْلَبَةُ وبَخِلَ مِثْلَ ما بَخِلَ وإنْ لَمْ تَجِئْ فِيهِ قِصَّةٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ لَنَصَّدَّقَنَّ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿عاهَدَ اللَّهَ﴾ وفِعْلُ لَنَصَّدَّقَنَّ أصْلُهُ لَنَتَصَدَّقَنَّ فَأُدْغِمَ لِلتَّخْفِيفِ.

و(الإعْراضُ) إعْراضُهم عَنْ عَهْدِهِمْ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ رَبِّهِمْ.

و﴿أعْقَبَهم نِفاقًا﴾ جَعَلَ نِفاقًا عَقِبَ ذَلِكَ أيْ إثْرَهُ ولَمّا ضَمِنَ أعْقَبَ مَعْنى أعْطى نَصْبَ مَفْعُولَيْنِ والأصْلُ أعْقَبَهم بِنِفاقٍ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (أعْقَبَهم) لِلْمَذْكُورِ مِن أحْوالِهِمْ، أوْ لِلْبُخْلِ المَأْخُوذِ مِن بَخِلُوا، فَإسْنادُ الإعْقابِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوْ يَعُودُ إلى اسْمِ اللَّهِ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ جَعَلَ فِعْلَهم ذَلِكَ سَبَبًا في بَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ إلى مَوْتِهِمْ،

صفحة ٢٧٣

وذَلِكَ جَزاءُ تَمَرُّدِهِمْ عَلى النِّفاقِ. وهَذا يَقْتَضِي إلى أنَّ ثَعْلَبَةَ أوْ مُعَتِّبًا ماتَ عَلى الكُفْرِ وأنَّ حِرْصَهُ عَلى دَفْعِ صَدَقَتِهِ رِياءٌ وتَقِيَّةٌ، وكَيْفَ وقَدْ عُدَّ كِلاهُما في الصَّحابَةِ وأوَّلُهُما فِيمَن شَهِدَ بَدْرًا، وقِيلَ: هُما آخَرانِ غَيْرُهُما وافَقا في الِاسْمِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النِّفاقُ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي في حالَةِ الإسْلامِ وهو إطْلاقٌ مَوْجُودٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ ”نافَقَ حَنْظَلَةُ“ . وذَكَرَ ارْتِكابَهُ في خاصَّتِهِ ما ظَنَّهُ مَعْصِيَةً ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ ولَكِنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّ ما تَوَهَّمَهُ لَيْسَ كَما تَوَهَّمَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم أسْلَمُوا وبَقُوا يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ خِلافَ حالِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ يُومِئُ إلى هَذا تَنْكِيرُ ”نِفاقًا“ المُفِيدُ أنَّهُ نِفاقٌ جَدِيدٌ، وإلّا فَقَدَ ذُكِرُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ النِّفاقُ حاصِلًا لَهم عَقِبَ فِعْلِهِمْ هَذا.

واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّيْءِ شَيْئًا في مَكانٍ واحِدٍ. فَمَعْنى إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ إلى يَوْمِ الحَشْرِ لِأنَّهُ يَوْمُ لِقاءِ اللَّهِ لِلْحِسابِ، أوْ إلى يَوْمِ المَوْتِ لِأنَّ المَوْتَ لِقاءُ اللَّهِ كَما في الحَدِيثِ «مَن أحَبَّ …

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

صفحة ٢٧٢

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

قِيلَ: نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ مِنَ المُنافِقِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِسَعَةِ الرِّزْقِ فَدَعا لَهُ فَأثْرى إثْراءً كَثِيرًا فَلَمّا جاءَهُ المُصَّدِّقُونَ لِيُعْطِيَ زَكاةَ أنْعامِهِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ ثُمَّ نَدِمَ فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقْبَلَها مِنهُ. وذَكَرُوا مِن قِصَّتِهِ أنَّهُ تابَ ولَكِنْ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ في زَمَنِ النَّبِيءِ ولا في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ حَتّى ماتَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَلى هَذا فَضَمائِرُ الجَمْعِ في لَنَصَدَّقَنَّ وما بَعْدَهُ مُرادٌ بِها واحِدٌ، وإنَّما نُسِبَ الفِعْلُ إلى جَماعَةِ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في إلْصاقِ فِعْلِ الواحِدِ بِقَبِيلَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ثَعْلَبَةَ سَألَ ذَلِكَ فَتَبِعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ مِثْلُ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَأُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ ثَعْلَبَةُ وبَخِلَ مِثْلَ ما بَخِلَ وإنْ لَمْ تَجِئْ فِيهِ قِصَّةٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ لَنَصَّدَّقَنَّ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿عاهَدَ اللَّهَ﴾ وفِعْلُ لَنَصَّدَّقَنَّ أصْلُهُ لَنَتَصَدَّقَنَّ فَأُدْغِمَ لِلتَّخْفِيفِ.

و(الإعْراضُ) إعْراضُهم عَنْ عَهْدِهِمْ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ رَبِّهِمْ.

و﴿أعْقَبَهم نِفاقًا﴾ جَعَلَ نِفاقًا عَقِبَ ذَلِكَ أيْ إثْرَهُ ولَمّا ضَمِنَ أعْقَبَ مَعْنى أعْطى نَصْبَ مَفْعُولَيْنِ والأصْلُ أعْقَبَهم بِنِفاقٍ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (أعْقَبَهم) لِلْمَذْكُورِ مِن أحْوالِهِمْ، أوْ لِلْبُخْلِ المَأْخُوذِ مِن بَخِلُوا، فَإسْنادُ الإعْقابِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوْ يَعُودُ إلى اسْمِ اللَّهِ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ جَعَلَ فِعْلَهم ذَلِكَ سَبَبًا في بَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ إلى مَوْتِهِمْ،

صفحة ٢٧٣

وذَلِكَ جَزاءُ تَمَرُّدِهِمْ عَلى النِّفاقِ. وهَذا يَقْتَضِي إلى أنَّ ثَعْلَبَةَ أوْ مُعَتِّبًا ماتَ عَلى الكُفْرِ وأنَّ حِرْصَهُ عَلى دَفْعِ صَدَقَتِهِ رِياءٌ وتَقِيَّةٌ، وكَيْفَ وقَدْ عُدَّ كِلاهُما في الصَّحابَةِ وأوَّلُهُما فِيمَن شَهِدَ بَدْرًا، وقِيلَ: هُما آخَرانِ غَيْرُهُما وافَقا في الِاسْمِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النِّفاقُ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي في حالَةِ الإسْلامِ وهو إطْلاقٌ مَوْجُودٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ ”نافَقَ حَنْظَلَةُ“ . وذَكَرَ ارْتِكابَهُ في خاصَّتِهِ ما ظَنَّهُ مَعْصِيَةً ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ ولَكِنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّ ما تَوَهَّمَهُ لَيْسَ كَما تَوَهَّمَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم أسْلَمُوا وبَقُوا يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ خِلافَ حالِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ يُومِئُ إلى هَذا تَنْكِيرُ ”نِفاقًا“ المُفِيدُ أنَّهُ نِفاقٌ جَدِيدٌ، وإلّا فَقَدَ ذُكِرُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ النِّفاقُ حاصِلًا لَهم عَقِبَ فِعْلِهِمْ هَذا.

واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّيْءِ شَيْئًا في مَكانٍ واحِدٍ. فَمَعْنى إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ إلى يَوْمِ الحَشْرِ لِأنَّهُ يَوْمُ لِقاءِ اللَّهِ لِلْحِسابِ، أوْ إلى يَوْمِ المَوْتِ لِأنَّ المَوْتَ لِقاءُ اللَّهِ كَما في الحَدِيثِ «مَن أحَبَّ …

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

صفحة ٢٧٢

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

قِيلَ: نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ مِنَ المُنافِقِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِسَعَةِ الرِّزْقِ فَدَعا لَهُ فَأثْرى إثْراءً كَثِيرًا فَلَمّا جاءَهُ المُصَّدِّقُونَ لِيُعْطِيَ زَكاةَ أنْعامِهِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ ثُمَّ نَدِمَ فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقْبَلَها مِنهُ. وذَكَرُوا مِن قِصَّتِهِ أنَّهُ تابَ ولَكِنْ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ في زَمَنِ النَّبِيءِ ولا في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ حَتّى ماتَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَلى هَذا فَضَمائِرُ الجَمْعِ في لَنَصَدَّقَنَّ وما بَعْدَهُ مُرادٌ بِها واحِدٌ، وإنَّما نُسِبَ الفِعْلُ إلى جَماعَةِ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في إلْصاقِ فِعْلِ الواحِدِ بِقَبِيلَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ثَعْلَبَةَ سَألَ ذَلِكَ فَتَبِعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ مِثْلُ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَأُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ ثَعْلَبَةُ وبَخِلَ مِثْلَ ما بَخِلَ وإنْ لَمْ تَجِئْ فِيهِ قِصَّةٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وجُمْلَةُ لَنَصَّدَّقَنَّ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿عاهَدَ اللَّهَ﴾ وفِعْلُ لَنَصَّدَّقَنَّ أصْلُهُ لَنَتَصَدَّقَنَّ فَأُدْغِمَ لِلتَّخْفِيفِ.

و(الإعْراضُ) إعْراضُهم عَنْ عَهْدِهِمْ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ رَبِّهِمْ.

و﴿أعْقَبَهم نِفاقًا﴾ جَعَلَ نِفاقًا عَقِبَ ذَلِكَ أيْ إثْرَهُ ولَمّا ضَمِنَ أعْقَبَ مَعْنى أعْطى نَصْبَ مَفْعُولَيْنِ والأصْلُ أعْقَبَهم بِنِفاقٍ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (أعْقَبَهم) لِلْمَذْكُورِ مِن أحْوالِهِمْ، أوْ لِلْبُخْلِ المَأْخُوذِ مِن بَخِلُوا، فَإسْنادُ الإعْقابِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوْ يَعُودُ إلى اسْمِ اللَّهِ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ جَعَلَ فِعْلَهم ذَلِكَ سَبَبًا في بَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ إلى مَوْتِهِمْ،

صفحة ٢٧٣

وذَلِكَ جَزاءُ تَمَرُّدِهِمْ عَلى النِّفاقِ. وهَذا يَقْتَضِي إلى أنَّ ثَعْلَبَةَ أوْ مُعَتِّبًا ماتَ عَلى الكُفْرِ وأنَّ حِرْصَهُ عَلى دَفْعِ صَدَقَتِهِ رِياءٌ وتَقِيَّةٌ، وكَيْفَ وقَدْ عُدَّ كِلاهُما في الصَّحابَةِ وأوَّلُهُما فِيمَن شَهِدَ بَدْرًا، وقِيلَ: هُما آخَرانِ غَيْرُهُما وافَقا في الِاسْمِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النِّفاقُ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي في حالَةِ الإسْلامِ وهو إطْلاقٌ مَوْجُودٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ ”نافَقَ حَنْظَلَةُ“ . وذَكَرَ ارْتِكابَهُ في خاصَّتِهِ ما ظَنَّهُ مَعْصِيَةً ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ ولَكِنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّ ما تَوَهَّمَهُ لَيْسَ كَما تَوَهَّمَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم أسْلَمُوا وبَقُوا يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ خِلافَ حالِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ يُومِئُ إلى هَذا تَنْكِيرُ ”نِفاقًا“ المُفِيدُ أنَّهُ نِفاقٌ جَدِيدٌ، وإلّا فَقَدَ ذُكِرُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ النِّفاقُ حاصِلًا لَهم عَقِبَ فِعْلِهِمْ هَذا.

واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّيْءِ شَيْئًا في مَكانٍ واحِدٍ. فَمَعْنى إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ إلى يَوْمِ الحَشْرِ لِأنَّهُ يَوْمُ لِقاءِ اللَّهِ لِلْحِسابِ، أوْ إلى يَوْمِ المَوْتِ لِأنَّ المَوْتَ لِقاءُ اللَّهِ كَما في الحَدِيثِ «مَن أحَبَّ …

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

صفحة ٢٧٤

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾

اسْتِئْنافٌ لِأجْلِ التَّقْرِيرِ. والكَلامُ تَقْرِيرٌ لِلْمُخاطَبِ عَنْهم لِأنَّ كَوْنَهم عالِمِينَ بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ لَدى كُلِّ سامِعٍ. والسِّرُّ ما يُخْفِيهِ المَرْءُ مِن كَلامٍ وما يُضْمِرُ في نَفْسِهِ فَلا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والنَّجْوى المُحادَثَةُ بِخَفاءٍ أيْ يَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ وما يَتَحادَثُونَ بِهِ حَدِيثَ سِرٍّ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهم.

وإنَّما عُطِفَتِ النَّجْوى عَلى السِّرِّ مَعَ أنَّهُ أعَمُّ مِنها لِيُنْبِئَهم بِاطِّلاعِهِ عَلى ما يَتَناجَوْنَ بِهِ مِنَ الكَيْدِ والطَّعْنِ.

ثُمَّ عَمَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ قَوِيٌّ عِلْمُهُ لِجَمِيعِ الغُيُوبِ.

والغُيُوبُ جَمْعُ غَيْبٍ وهو ما خَفِيَ وغابَ عَنِ العِيانِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثٍ حَدَثَ في مُدَّةِ نُزُولِ السُّورَةِ، ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَثَّ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِأوْسُقٍ كَثِيرَةٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً، وأحَبَّ أبُو عَقِيلٍ أنْ يُذَكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

صفحة ٢٧٥

فالَّذِينَ يَلْمِزُونَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾

و(اللَّمْزُ) الطَّعْنُ. وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] . وقَرَأهُ يَعْقُوبُ - بِضَمِّ المِيمِ - كَما قَرَأ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]

و(المُطَّوِّعِينَ) أصْلُهُ المُتَطَوِّعِينَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِجَعْلِ سَبَبِ اللَّمْزِ كالظَّرْفِ لِلْمُسَبَّبِ.

وعُطِفَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم عَلى المُطَّوِّعِينَ وهم مِنهُمُ، اهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ. و(الجُهْدُ) - بِضَمِّ الجِيمِ - الطّاقَةُ. وأُطْلِقَتِ الطّاقَةُ عَلى مُسَبَّبِها النّاشِئِ عَنْها.

وحُذِفَ مَفْعُولُ يَجِدُونَ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: الصَّدَقاتُ أيْ لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا جُهْدَهم.

والمُرادُ لا يَجِدُونَ سَبِيلًا إلى إيجادِ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا طاقَتَهم، أيْ جُهْدَ أبْدانِهِمْ. أوْ يَكُونُ (وجَدَ) هُنا هو الَّذِي بِمَعْنى كانَ ذا جِدَّةٍ، أيْ غِنًى فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيِ الَّذِينَ لا مالَ لَهم إلّا جُهْدَهم وهَذا أحْسَنُ.

وفِيهِ ثَناءٌ عَلى قُوَّةِ البَدَنِ والعَمَلِ وأنَّها تَقُومُ مَقامَ المالِ.

وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في اعْتِبارِ أُصُولِ الثَّرْوَةِ العامَّةِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ العامِلِ.

و(السُّخْرِيَةُ) الِاسْتِهْزاءُ. يُقالُ: سَخِرَ مِنهُ، أيْ حَصَلَتِ السُّخْرِيَةُ لَهُ مِن كَذا، فَـ (مِن) اتِّصالِيَّةٌ.

واخْتِيرَ المُضارِعُ في يَلْمِزُونَ ويَسْخَرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ.

وإسْنادُ سَخِرَ إلى اللَّهِ - تَعالى - عَلى سَبِيلِ المَجازِ الَّذِي حَسَّنَتْهُ المُشاكَلَةُ لِفِعْلِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ سُخْرِيَةَ السّاخِرِ، عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وذَلِكَ في أنْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلى ظاهِرِهِمْ زَمَنًا ثُمَّ أمْرِهِ بِفَضْحِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، أيِ احْتَقَرَهم ولَعَنَهم ولَمّا كانَ كُلُّ ذَلِكَ حاصِلًا مِن قَبْلُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي في ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾

صفحة ٢٧٦

وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، أيْ سَخِرَ مِنهم وقَضى عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ.

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ السّابِقِ، وإنَّما كانَ نُزُولُهُ لِسَبَبٍ حَدَثَ في أحْوالِ المُنافِقِينَ المَحْكِيَّةِ بِالآياتِ السّالِفَةِ، فَكانَ مِن جُمْلَةِ شَرْحِ أحْوالِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم.

رَوى المُفَسِّرُونَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ بَعْضُ الآياتِ السّابِقَةِ في أحْوالِهِمْ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] . قالَ فَرِيقٌ مِنهم: اسْتَغْفِرْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ مِمَّنْ صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ وُبِّخُوا عَلَيْهِ في القُرْآنِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِأنَّ فاعِلَهُ مُنافِقٌ فَوَعَدَهُمُ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَسْتَغْفِرَ لِلَّذِينَ سَألُوهُ» . وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى. وذَلِكَ في مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، أيْ طَلَبِ مَحْوِ ما عُدَّ عَلَيْهِمْ أنَّهُ ذَنْبٌ، يُرِيدُونَ أنَّهُ اسْتِغْفارٌ مِن ظاهِرِ إيهامِ أفْعالِهِمْ. وعَنِ الأصَمِّ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ لَمّا ظَهَرَ ما ظَهَرَ مِن نِفاقِهِ وتَنَكَّرَ النّاسُ لَهُ مِن كُلِّ جِهَةٍ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَقالَ: ما أُبالِي اسْتَغْفَرَ لِي أمْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ المُنافِقِينَ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] يَعْنِي فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِآيَةِ سُورَةِ المُنافِقِينَ عِنْدَ حُدُوثِ مِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ آيَةُ سُورَةِ المُنافِقِينَ جَمْعًا بَيْنَ الرِّواياتِ.

صفحة ٢٧٧

وعَنِ الشَّعْبِيِّ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ مَرِضَ فَسَألَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَفَعَلَ. فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَسَأزِيدُ عَلى السَبْعِينَ» فَنَزَلَتْ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أسْتَغْفَرَتْ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ بِآيَةِ سُورَةِ المُنافِقِينَ، وفِيها أنَّ اسْتِغْفارَهُ وعَدَمَهُ سَواءٌ في حَقِّهِمْ. تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِغْفارِ غَيْرِ المُؤَكَّدِ، وبَعَثَتْهُ رَحْمَتُهُ بِالنّاسِ وحِرْصُهُ عَلى هُداهم وتَكَدُّرُهُ مِنَ اعْتِراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُنافِقِينَ اسْتِغْفارًا مُكَرَّرًا مُؤَكَّدًا عَسى أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ويَزُولَ عَنْهم غَضَبُهُ - تَعالى - فَيَهْدِيَهم إلى الإيمانِ الحَقِّ. بِما أنَّ مُخالَطَتَهم لِأحْوالِ الإيمانِ ولَوْ في ظاهِرِ الحالِ قَدْ يَجُرُّ إلى تَعَلُّقِ هَدْيِهِ بِقُلُوبِهِمْ بِأقَلِّ سَبَبٍ، فَيَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْيِيسًا مِن رِضى اللَّهِ عَنْهم، أيْ عَنِ البَقِيَّةِ الباقِيَةِ مِنهم تَأْيِيسًا لَهم ولِمَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِمَّنِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.