وتأمل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ كيف جاء بالرضوان مبتدأ منكرا مخبرا عنه بأنه أكبر من كل ما وعدوا به فأيسر شيء من رضوانه أكبر من الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته، ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عدن ويمنيهم أي شيء يريدون فيقولون ربنا وأي شيء نريد أفضل مما أعطيتنا؟ فيقول تبارك وتعالى: "إن لكم عندي أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
(فائدة)
إنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أكْبَرُ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها. لِأنَّ الرِّضا صِفَةُ اللَّهِ والجَنَّةَ خَلْقُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾.
وَهَذا الرِّضا جَزاءٌ عَلى رِضاهم عَنْهُ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ أفْضَلَ الجَزاءِ، كانَ سَبَبُهُ أفْضَلَ الأعْمالِ.
إنَّ العَبْدَ إذا رَضِيَ بِهِ وعَنْهُ في جَمِيعِ الحالاتِ: لَمْ يَتَخَيَّرْ عَلَيْهِ المَسائِلَ. وأغْناهُ رِضاهُ بِما يَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ ويَفْعَلُهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ. وجَعَلَ ذِكْرَهُ في مَحَلِّ سُؤالِهِ. بَلْ يَكُونُ مِن سُؤالِهِ لَهُ الإعانَةُ عَلى ذِكْرِهِ، وبُلُوغُ رِضاهُ. فَهَذا يُعْطى أفْضَلَ ما يُعْطاهُ سائِلٌ. كَما جاءَ في الحَدِيثِ «مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ».
فَإنَّ السّائِلِينَ سَألُوهُ. فَأعْطاهُمُ الفَضْلَ الَّذِي سَألُوهُ. والرّاضُونَ رَضُوا عَنْهُ فَأعْطاهم رِضاهُ عَنْهُمْ، ولا يَمْنَعُ الرِّضا سُؤالُهُ أسْبابَ الرِّضا، بَلْ أصْحابُهُ مُلِحُّونَ في سُؤالِهِ ذَلِكَ.
(فائدة أخرى)
يَسِيرٌ مِن رِضْوانِهِ - ولا يُقالُ لَهُ يَسِيرٌ - أكْبَرُ مِنَ الجَنّاتِ وما فِيها.
وَفِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ «فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّهم إذا رَأوْهُ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى شَيْءٍ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، حَتّى يَتَوارى عَنْهُمْ».
[فصل: دَرَجاتُ حُرُماتِ اللَّهِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى تَعْظِيمُ الأمْرِ والنَّهْيِ]
قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: تَعْظِيمُ الأمْرِ والنَّهْيِ، لا خَوْفًا مِنَ العُقُوبَةِ، فَتَكُونُ خُصُومَةً لِلنَّفْسِ، ولا طَلَبًا لِلْمَثُوبَةِ. فَيَكُونُ مُسْتَشْرِفًا لِلْأُجْرَةِ، ولا مُشاهِدًا لِأحَدٍ. فَيَكُونُ مُتَزَيِّنًا بِالمُراءاةِ. فَإنَّ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها مِن شُعَبِ عِبادَةِ النَّفْسِ.
هَذا المَوْضِعُ يَكْثُرُ في كَلامِ القَوْمِ. والنّاسُ بَيْنَ مُعَظِّمٍ لَهُ ولِأصْحابِهِ، مُعْتَقِدٍ أنَّ هَذا أرْفَعُ دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ: أنْ لا يَعْبُدَ اللَّهَ ويَقُومَ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ولا طَمَعًا في ثَوابِهِ. فَإنَّ هَذا واقِفٌ مَعَ غَرَضِهِ وحَظِّ نَفْسِهِ. وأنَّ المَحَبَّةَ تَأْبى ذَلِكَ. فَإنَّ المُحِبَّ لا حَظَّ لَهُ مَعَ مَحْبُوبِهِ. فَوُقُوفُهُ مَعَ حَظِّهِ عِلَّةٌ في مَحَبَّتِهِ، وأنَّ طَمَعَهُ في الثَّوابِ تَطَلُّعٌ إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أُجْرَةً. فَفي هَذا آفَتانِ: تَطَلُّعُهُ إلى الأُجْرَةِ، وإحْسانُ ظَنِّهِ بِعَمَلِهِ؛ إذْ تَطَلُّعُهُ إلى اسْتِحْقاقِهِ الأجْرَ، وخَوْفُهُ مِنَ العِقابِ: خُصُومَةٌ لِلنَّفْسِ، فَإنَّهُ لا …