وقد ذم الله سبحانه من اتبع الظن وما تهوى الأنفس فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات وهما اللذان ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾.
فذكر الاستمتاع بالخلاق وهو التمتع بالشهوات وهو نصيبهم الذي آثروه في الدنيا على حظهم من الآخرة.
فالخوض الذي اتبعوا فيه الشبهات فاستمتعوا بالشهوات وخاضوا بالشبهات فنشأ عنهما التفرق المذموم الذي ذم الله أهله في كتابه ونهى عباده المؤمنين عن التشبه بهم فقال: ﴿ولا تَكونُوا كالّذينَ تَفَرّقوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥-١٠٦]
قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف.
وقد أخبر سُبْحانَهُ عَن حبوط أعمال أهل الشَّهَوات والشبهات فَقالَ تَعالى ﴿كالَّذِين من قبلكم كانُوا أشد مِنكُم قُوَّة وأكْثر أمْوالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَما استمتع الَّذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالَّذي خاضُوا﴾
فَهَذا الِاسْتِمْتاع بالخلاق هو استمتاعهم بنصيبهم من الشَّهَوات.
ثمَّ قالَ ﴿وخضتم كالَّذي خاضُوا﴾ وهَذا هو الخَوْض بِالباطِلِ في دين الله وهو خوض أهل الشُّبُهات.
ثمَّ قالَ ﴿أُولَئِكَ حبطت أعْمالهم في الدُّنْيا والآخِرَة وأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ فعلق سُبْحانَهُ حبوط الأعْمال والخسران بِاتِّباع الشَّهَوات الَّذِي هو الِاسْتِمْتاع بالخلاق، وباتباع الشُّبُهات الَّذِي هو الخَوْض بِالباطِلِ.
(فائدة)
والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعْوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾.
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال.
فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه".
(فصل)
وَقَدْ اخْتُلِفَ في مَحَلِّ هَذا الكافِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقِيلَ: هو رَفْعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنْتُمْ كاَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقِيلَ: نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، والتَّشْبِيهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في أعْمالِ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، وقِيلَ: إنّ التَّشْبِيهَ فِي
العَذابِ، ثُمَّ قِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَعَنَهم وعَذَّبَهم كَما لَعَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، وقِيلَ: بَلْ العامِلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ وعْدُ اللَّهِ المُنافِقِينَ كَوَعْدِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، ولَعْنُهم كَلَعْنِهِمْ، ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ كالعَذابِ الَّذِي لَهم والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْحَقَهم بِهِمْ في الوَعِيدِ، وسَوّى بَيْنَهم فِيهِ كَما تُساوَوْا في الأعْمالِ، وكَوْنُهم كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَعَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ الجامِعِ المُؤَثِّرِ، وألْغى الوَصْفَ الفارِقَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ …