وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ
And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.
صفحة ٢٤١
﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عَطْفٌ ذُكِرَ فِيهِ خُلُقٌ آخَرُ مِن أخْلاقِ المُنافِقِينَ: وهو تَعَلُّلُهم عَلى ما يُعامِلُهم بِهِ النَّبِيءُ والمُسْلِمُونَ مِنَ الحَذَرِ، وما يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِن فَلَتاتِ نِفاقِهِمْ، يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ إرْجافٌ مِنَ المُرْجِفِينَ بِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأنَّهُ يُصَدِّقُ القالَةَ فِيهِمْ، ويَتَّهِمُهم بِما يَبْلُغُهُ عَنْهم مِمّا هم مِنهُ بُرَآءُ يَعْتَذِرُونَ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفِيهِ زِيادَةٌ في الأذى لِلرَّسُولِ ﷺ وإلْقاءُ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في كَمالاتِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيءِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى إظْهارِ وصْفِ النَّبِيءِ لِلْإيذانِ بِشَناعَةِ قَوْلِهِمْ ولِزِيادَةِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ النُّبُوءَةِ بِحَيْثُ لا تُحْكى مَقالَتُهم فِيهِ إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يُشِيرُ إلى تَنْزِيهِهِ والتَّعْرِيضِ بِجُرْمِهِمْ فِيما قالُوهُ.
وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ كانُوا يَقُولُونَ في حَقِّ النَّبِيءِ ﷺ ما يُؤْذِيهِ إذا بَلَغَهُ. وقَدْ عُدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، القائِلِينَ ذَلِكَ: الجُلاسُ بْنُ سُوِيدٍ، قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَتّابُ بْنُ قُشَيْرٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. فَمِنهم مَن قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: نَقُولُ فِيهِ ما شِئْنا ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ لَهُ أنّا ما قُلْنا فَيَقْبَلُ قَوْلَنا.
والأذى الإضْرارُ الخَفِيفُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الضُّرِّ بِالقَوْلِ والدَّسائِسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ومَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو مِنَ الأذى.
صفحة ٢٤٢
والأُذُنُ الجارِحَةُ الَّتِي بِها حاسَّةُ السَّمْعِ. ومَعْنى ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ آلَةُ سَمْعٍ.
والإخْبارُ بِـ ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ مِن صِيغِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كالأُذُنِ في تَلَقِّي المَسْمُوعاتِ لا يَرُدُّ مِنها شَيْئًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ مِن دُونِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ المَقْبُولِ والمَرْدُودِ. رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا هو نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ أحَدُ المُنافِقِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ جُمْلَةُ قُلْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ والمُحاوَرَةِ، لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ بِقَلْبِ مَقْصِدِهِمْ إغاظَةً لَهم، وكَمْدًا لِمَقاصِدِهِمْ، وهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ المُخاطَبُ كَلامَ المُتَكَلِّمِ عَلى غَيْرِ ما يُرِيدُهُ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ الأوْلى بِأنْ يُرادَ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ومِنهُ ما جَرى بَيْنَ الحَجّاجِ والقَبَعْثَرِيِّ إذْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ مُتَوَعِّدًا إيّاهُ ”لَأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ (أرادَ لَألْزِمْنَكَ …