Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن جَهالاتِ المُنافِقِينَ، وهو أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ: إنَّهُ أُذُنٌ، عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْمَشِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي عِكْرِمَةَ عَنْهُ ”أُذُنٌ خَيْرٌ“ مَرْفُوعَيْنِ

صفحة ٩٣

مُنَوَّنَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنْ كانَ كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ أُذُنٌ، فَأُذُنٌ خَيْرٌ لَكم، يَقْبَلُ مِنكم ويَصْدُقُكم خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يَكْذِبَكم، والباقُونَ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ، وقَرَأ نافِعٌ: ”أُذْنُ“ ساكِنَةَ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ عُنُقٍ وظُفُرٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ ما نَقُولُ، فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ أنّا ما قُلْنا، فَيَقْبَلُ قَوْلَنا، وإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: ما هَذا الرَّجُلُ إلّا أُذُنٌ، مَن شاءَ صَرَفَهُ حَيْثُ شاءَ، لا عَزِيمَةَ لَهُ. «ورَوى الأصَمُّ أنَّ رَجُلًا مِنهم قالَ لِقَوْمِهِ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَها ابْنُ امْرَأتِهِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّهُ لَحَقٌّ وإنَّكَ أشَرُّ مِن حِمارِكَ. ثُمَّ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، ولَوْ لَقِيتَهُ وحَلَفْتَ لَهُ لَيُصَدِّقَنَّكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، فَقالَ القائِلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أُسْلِمْ قَطُّ قَبْلَ اليَوْمِ، وإنَّ هَذا الغُلامَ لَعَظِيمُ الثَّمَنِ عَلَيَّ، واللَّهِ لَأشْكُرَنَّهُ» . ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ وُجُوهَ كُفْرِهِمُ الَّتِي كانُوا يُسِرُّونَها؛ لِتَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ ولِيَنْزَجِرُوا. فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يُؤْذِي النَّبِيَّ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِأنَّهم يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ: إنَّهُ أُذُنٌ، وغَرَضُهم مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَكاءٌ ولا بُعْدُ غَوْرٍ، بَلْ هو سَلِيمُ القَلْبِ سَرِيعُ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّوْهُ بِأنَّهُ أُذُنٌ، كَما أنَّ الجاسُوسَ يُسَمّى بِالعَيْنِ، يُقالُ: جَعَلَ فُلانٌ عَلَيْنا عَيْنًا، أيْ: جاسُوسًا مُتَفَحِّصًا عَنِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: هَبْ أنَّهُ أُذُنٌ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ لَكم، وقَوْلُهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مِثْلَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلُ صِدْقٍ وشاهِدُ عَدْلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ …

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وهو إقْدامُهم عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ. قِيلَ: هَذا بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ، يَعْنِي: يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويُسِيئُونَ القَوْلَ فِيهِ، ثُمَّ يَحْلِفُونَ لَكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتَوْهُ واعْتَذَرُوا وحَلَفُوا، فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قالُوا ما حُكِيَ عَنْهم، لِيُرْضُوا المُؤْمِنِينَ بِيَمِينِهِمْ، وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُرْضُوا اللَّهَ بِالإخْلاصِ والتَّوْبَةِ، لا بِإظْهارِ ما يَسْتَسِرُّونَ خِلافَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤ و٧٦ ] .

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُوهُ﴾ بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الرَّسُولِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لا يُذْكَرُ مَعَ غَيْرِهِ بِالذِّكْرِ المُجْمَلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالذِّكْرِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بِجَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ هو اللَّهُ، فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ. «ويُرْوى أنَّ واحِدًا مِنَ الكُفّارِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وقالَ: إنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ وقالَ: ”وضَعَ الحَقَّ في أهْلِهِ“» .

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُرْضُوهُما فاكْتَفى بِذِكْرِ الواحِدِ؛ كَقَوْلِهِ:

نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

والرّابِعُ: أنَّ العالِمَ بِالأسْرارِ والضَّمائِرِ هو اللَّهُ تَعالى، وإخْلاصُ القَلْبِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ تَعالى نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ. الخامِسُ: لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ رِضا الرَّسُولِ مُطابِقًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، وامْتَنَعَ حُصُولُ المُخالَفَةِ بَيْنَهُما وقَعَ الِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ أحَدِهِما، كَما يُقالُ: إحْسانُ زَيْدٍ وإجْمالُهُ نَعَشَنِي وجَبَرَنِي. السّادِسُ: التَّقْدِيرُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ عَلى ما ادَّعَوْا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ دِينِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ حَسَدًا وعِنادًا، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى رِضا اللَّهِ لا يَحْصُلُ بِإظْهارِ الإيمانِ، ما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، ويَبْطُلُ قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ إلّا القَوْلَ بِاللِّسانِ.

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا شَرْحُ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ: ”ألَمْ تَعْلَمْ“ خِطابٌ لِمَن حاوَلَ الإنْسانُ تَعْلِيمَهُ مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، فَيُقالُ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ هَذِهِ السّاعاتِ الطَّوِيلَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟

صفحة ٩٦

وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهم، وكَثُرَتْ نِهاياتُهُ لِلتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَّأْنِ، والمَعْنى: أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا. والفائِدَةُ في هَذا الضَّمِيرِ هو أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ كَلِمَةِ ”أنَّ“ ذَلِكَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرُ وقْعٍ. فَأمّا إذا قُلْتَ: الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا وكَذا أوْجَبَ مَزِيدَ تَعْظِيمٍ وتَهْوِيلٍ لِذَلِكَ الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: حادَدْتُهُ أيْ: خالَفْتُهُ، والمُحادَدَةُ كالمُجانَبَةِ والمُعاداةِ والمُخالَفَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ، ومَعْنى حادَّ فُلانٌ فُلانًا، أيْ: صارَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّهِ، كَقَوْلِهِ: شاقَّهُ أيْ: صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ، ومَعْنى: ﴿يُحادِدِ اللَّهَ﴾ أيْ: يَصِيرُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ؛ حَدِيدِ السِّلاحِ، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا عِباراتٌ: يُخالِفُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُحارِبُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعانِدُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعادِي اللَّهَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. الثّانِي: مَعْناهُ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وأنَّ تُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ.

الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: جَوابُ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلِكْ؛ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ كَسْرُ ”أنَّ“ عَلى الِاسْتِئْنافِ مِن بَعْدِ الفاءِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ. ونَقَلَ الكَعْبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أنَّ القِراءَةَ بِالكَسْرِ مَوْجُودَةٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَهَنَّمُ مِن أسْماءِ النّارِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَحْكُونَ عَنِ العَرَبِ: أنَّ البِئْرَ البَعِيدَةَ القَعْرِ تُسَمّى الجِهِنّامَ عِنْدَهم، فَجازَ في جَهَنَّمَ أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن هَذا اللَّفْظِ، ومَعْنى بُعْدِ قَعْرِها أنَّهُ لا آخِرَ لِعَذابِها، والخالِدُ: الدّائِمُ، والخِزْيُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّدَمِ وبِمَعْنى الِاسْتِحْياءِ، والنَّدَمُ هُنا أوْلى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٥٤] .

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ سُورَةَ بَراءَةَ ”الحافِرَةَ“؛ لِأنَّها حَفَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُنافِقِينَ. «قالَ الحَسَنُ: اجْتَمَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ عَلى أمْرٍ مِنَ النِّفاقِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأسْمائِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ أُناسًا اجْتَمَعُوا عَلى كَيْتَ وكَيْتَ، فَلْيَقُومُوا ولِيَعْتَرِفُوا ولِيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم؛ حَتّى أشْفَعَ لَهم“ . فَلَمْ يَقُومُوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ: ”قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ“ حَتّى أتى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: نَعْتَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ، فَقالَ: ”الآنَ، أنا كُنْتُ في أوَّلِ الأمْرِ أطْيَبَ نَفْسًا بِالشَّفاعَةِ، واللَّهُ كانَ أسْرَعَ في الإجابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي اخْرُجُوا عَنِّي“» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ حَتّى خَرَجُوا بِالكُلِّيَّةِ، وقالَ الأصَمُّ: إنَّ «عِنْدَ رُجُوعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَبُوكَ وقَفَ لَهُ عَلى العَقَبَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا لِيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ، وكانُوا مُتَلَثِّمِينَ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وأمَرَهُ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يَضْرِبُ وُجُوهَ رَواحِلِهِمْ، فَأمَرَ حُذَيْفَةَ بِذَلِكَ فَضَرَبَها حَتّى نَحّاهم، ثُمَّ قالَ: ”مَن عَرَفْتَ مِنَ القَوْمِ“ فَقالَ: لَمْ أعْرِفْ مِنهم أحَدًا، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أسْماءَهم وعَدَّهم لَهُ، وقالَ: ”إنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي بِذَلِكَ“، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ألا تَبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيُقْتَلُوا. فَقالَ: ”أكْرَهُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: قاتَلَ مُحَمَّدٌ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا ظَفِرَ صارَ يَقْتُلُهم بَلْ يَكْفِينا اللَّهُ ذَلِكَ“» .

صفحة ٩٧

فَإنْ قِيلَ: المُنافِقُ كافِرٌ فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى الرَّسُولِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا حَذَرٌ أظْهَرَهُ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَدَّعِي أنَّهُ عَنِ الوَحْيِ، وكانَ المُنافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ دَلالَةٌ عَلى ما قُلْناهُ.

الثّانِي: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ إلّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخْبِرُهم بِما يُضْمِرُونَهُ ويَكْتُمُونَهُ؛ فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وعِنادًا. قالَ القاضِي: يَبْعُدُ في العالِمِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما. قالَ الدّاعِي إلى اللَّهِ: هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الحَسَدَ إذا قَوِيَ في القَلْبِ صارَ بِحَيْثُ يُنازِعُ في المَحْسُوساتِ.

الرّابِعُ: مَعْنى الحَذَرِ الأمْرُ بِالحَذَرِ، أيْ: لِيَحْذَرِ المُنافِقُونَ ذَلِكَ.

الخامِسُ: أنَّهم كانُوا شاكِّينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وما كانُوا قاطِعِينَ بِفَسادِها؛ والشّاكُّ خائِفٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ خافُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ في أمْرِهِمْ ما يَفْضَحُهم.

ثُمَّ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ …

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أُمُورًا: الأوَّلُ: «رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْعَبَ قُلُوبًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَذَبْتَ ولَأنْتَ مُنافِقٌ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وكانَ قَدْ رَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ. وكانَ يَقُولُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟“، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وما يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» . الثّانِي: «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا سارَ الرَّسُولُ إلى تَبُوكَ

صفحة ٩٨

قالَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم: أتُراهُ يَظْهَرُ عَلى الشَّأْمِ ويَأْخُذُ حُصُونَها وقُصُورَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ! فَعِنْدَ رُجُوعِهِ دَعاهم وقالَ: أنْتُمُ القائِلُونَ بِكَذا وكَذا ؟ فَقالُوا: ما كانَ ذَلِكَ بِالجِدِّ في قُلُوبِنا، وإنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ سُئِلُوا عَمّا كانُوا يَصْنَعُونَ وعَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.

الرّابِعُ: حُكِّينا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . أظْهَرُوا هَذا الحَذَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قالُوا: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ، بَلْ لِأجْلِ أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.

الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلى هَذِهِ الرِّواياتِ؛ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا كَلامًا فاسِدًا عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ خافُوا واعْتَذَرُوا عَنْهُ؛ بِأنّا إنَّما قُلْنا ذَلِكَ عَلى وجْهِ اللَّعِبِ، لا عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، أيْ: ما قُلْنا ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اللَّعِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِمْ لاعِبِينَ، أنْ لا يَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ هَذا العُذْرُ.

والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِنَ الماءِ والطِّينِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وأذًى، والمَعْنى: أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ في الباطِلِ مِنَ الكَلامِ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَأجابَهُمُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟!“ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: أتَسْتَهْزِئُ بِاللَّهِ ؟ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أبِاللَّهِ تَسْتَهْزِئُ ؟ فالأوَّلُ يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى عَمَلِ الِاسْتِهْزاءِ، والثّانِي: يَقْتَضِي …

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أُمُورًا: الأوَّلُ: «رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْعَبَ قُلُوبًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَذَبْتَ ولَأنْتَ مُنافِقٌ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وكانَ قَدْ رَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ. وكانَ يَقُولُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟“، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وما يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» . الثّانِي: «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا سارَ الرَّسُولُ إلى تَبُوكَ

صفحة ٩٨

قالَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم: أتُراهُ يَظْهَرُ عَلى الشَّأْمِ ويَأْخُذُ حُصُونَها وقُصُورَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ! فَعِنْدَ رُجُوعِهِ دَعاهم وقالَ: أنْتُمُ القائِلُونَ بِكَذا وكَذا ؟ فَقالُوا: ما كانَ ذَلِكَ بِالجِدِّ في قُلُوبِنا، وإنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ سُئِلُوا عَمّا كانُوا يَصْنَعُونَ وعَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.

الرّابِعُ: حُكِّينا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . أظْهَرُوا هَذا الحَذَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قالُوا: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ، بَلْ لِأجْلِ أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.

الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلى هَذِهِ الرِّواياتِ؛ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا كَلامًا فاسِدًا عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ خافُوا واعْتَذَرُوا عَنْهُ؛ بِأنّا إنَّما قُلْنا ذَلِكَ عَلى وجْهِ اللَّعِبِ، لا عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، أيْ: ما قُلْنا ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اللَّعِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِمْ لاعِبِينَ، أنْ لا يَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ هَذا العُذْرُ.

والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِنَ الماءِ والطِّينِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وأذًى، والمَعْنى: أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ في الباطِلِ مِنَ الكَلامِ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَأجابَهُمُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟!“ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: أتَسْتَهْزِئُ بِاللَّهِ ؟ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أبِاللَّهِ تَسْتَهْزِئُ ؟ فالأوَّلُ يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى عَمَلِ الِاسْتِهْزاءِ، والثّانِي: يَقْتَضِي …

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

صفحة ١٠١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ إناثَهم كَذُكُورِهِمْ في تِلْكَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَقالَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: في صِفَةِ النِّفاقِ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنْتَ مِنِّي وأنا مِنكَ، أيْ: أمْرُنا واحِدٌ لا مُبايَنَةَ فِيهِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ ذَكَرَ تَفْصِيلَهُ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ . ولَفْظُ المُنْكَرِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَبِيحٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا تَكْذِيبُ الرَّسُولِ.﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ . ولَفْظُ المَعْرُوفِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلَّ حَسَنٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ .﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ . قِيلَ: مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ واجِبٍ؛ مِن زَكاةٍ وصَدَقَةٍ وإنْفاقٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذُمُّهم إلّا بِتَرْكِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الإنْفاقِ في الجِهادِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ، والأصْلُ في هَذا أنَّ المُعْطِيَ يَمُدُّ يَدَهُ ويَبْسُطُها بِالعَطاءِ، فَقِيلَ لِمَن مَنَعَ وبَخِلَ: قَدْ قَبَضَ يَدَهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى النِّسْيانِ عَلى الحَقِيقَةِ لَما اسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَمًّا؛ لِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في وُسْعِ البَشَرِ، وأيْضًا فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهم تَرَكُوا أمْرَهُ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ، فَجازاهم بِأنْ صَيَّرَهم بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ مِن ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ، وجاءَ هَذا عَلى أوْجُهِ الكَلامِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .

الثّانِي: النِّسْيانُ ضِدُّ الذِّكْرِ، فَلَمّا تَرَكُوا ذِكْرَ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهم بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وإنَّما حَسُنَ جَعْلُ النِّسْيانِ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ مَن نَسِيَ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَجَعَلَ اسْمَ المَلْزُومِ كِنايَةً عَنِ اللّازِمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ في المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ أنَّهُ نَسِيَهم، أيْ جازاهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّمَسُّكَ بِطاعَةِ اللَّهِ أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، وضَمَّ المُنافِقِينَ إلى الكُفّارِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . ولا شَكَّ أنَّ النّارَ المُخَلَّدَةَ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ العُقُوبَةَ كافِيَةٌ لَهم ولا شَيْءَ أبْلَغُ مِنها، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: ألْحَقَ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الإهانَةَ والذَّمَّ واللَّعْنَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُقِيمًا وكَوْنِهِ خالِدًا واحِدٌ، فَكانَ هَذا تَكْرارًا ؟

والجَوابُ: لَيْسَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، وبَيانُ الفَرْقِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ لَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ الدّائِمِ سِوى العَذابِ بِالنّارِ والخُلُودِ المَذْكُورِ أوَّلًا، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ بِالنّارِ دائِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا التَّأْوِيلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في النّارِ المُخَلَّدَةِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وكَوْنُها حَسْبًا يَمْنَعُ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ.

وجَوابُهُ: أنَّها حَسْبُهم في الإيلامِ والإيجاعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُضَمُّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ العَذابُ العاجِلُ الَّذِي لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ والخَوْفِ مِنِ اطِّلاعِ الرَّسُولِ عَلى بَواطِنِهِمْ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِن أنْواعِ الفَضائِحِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وقَبْضِ الأيْدِي عَنِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا، ثُمَّ اسْتَمْتَعُوا مُدَّةً بِالدُّنْيا ثُمَّ هَلَكُوا وبادُوا وانْقَلَبُوا إلى العِقابِ الدّائِمِ، فَأنْتُمْ مَعَ ضَعْفِكم وقِلَّةِ خَيْراتِ الدُّنْيا عِنْدَكم أوْلى أنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ في عُدُولِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ طَلَبِ لَذّاتِ الدُّنْيا، بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وبِأنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، وهو ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، أيْ: قُدِّرَ لَهُ مِن خَيْرٍ، كَما قِيلَ لَهُ: قَسْمٌ …

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ في المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ أنَّهُ نَسِيَهم، أيْ جازاهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّمَسُّكَ بِطاعَةِ اللَّهِ أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، وضَمَّ المُنافِقِينَ إلى الكُفّارِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . ولا شَكَّ أنَّ النّارَ المُخَلَّدَةَ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ العُقُوبَةَ كافِيَةٌ لَهم ولا شَيْءَ أبْلَغُ مِنها، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: ألْحَقَ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الإهانَةَ والذَّمَّ واللَّعْنَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُقِيمًا وكَوْنِهِ خالِدًا واحِدٌ، فَكانَ هَذا تَكْرارًا ؟

والجَوابُ: لَيْسَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، وبَيانُ الفَرْقِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ لَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ الدّائِمِ سِوى العَذابِ بِالنّارِ والخُلُودِ المَذْكُورِ أوَّلًا، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ بِالنّارِ دائِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا التَّأْوِيلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في النّارِ المُخَلَّدَةِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وكَوْنُها حَسْبًا يَمْنَعُ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ.

وجَوابُهُ: أنَّها حَسْبُهم في الإيلامِ والإيجاعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُضَمُّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ العَذابُ العاجِلُ الَّذِي لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ والخَوْفِ مِنِ اطِّلاعِ الرَّسُولِ عَلى بَواطِنِهِمْ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِن أنْواعِ الفَضائِحِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وقَبْضِ الأيْدِي عَنِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا، ثُمَّ اسْتَمْتَعُوا مُدَّةً بِالدُّنْيا ثُمَّ هَلَكُوا وبادُوا وانْقَلَبُوا إلى العِقابِ الدّائِمِ، فَأنْتُمْ مَعَ ضَعْفِكم وقِلَّةِ خَيْراتِ الدُّنْيا عِنْدَكم أوْلى أنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ في عُدُولِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ طَلَبِ لَذّاتِ الدُّنْيا، بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وبِأنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، وهو ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، أيْ: قُدِّرَ لَهُ مِن خَيْرٍ، كَما قِيلَ لَهُ: قَسْمٌ …

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، وفي تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والمُبالَغَةِ في إيذائِهِمْ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُتَقَدِّمِينَ مِنهم، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ، فَأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ واللَّهُ أهْلَكَهم بِالإغْراقِ. وثانِيهِمْ: عادٌ واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِإرْسالِ الرِّيحِ العَقِيمِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُهم: ثَمُودُ واللَّهُ أهْلَكَهم بِإرْسالِ الصَّيْحَةِ والصّاعِقَةِ. ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، وبِما رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ البَعُوضَةَ عَلى دِماغِ نُمْرُوذَ. وخامِسُهم: قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم أصْحابُ مَدْيَنَ، ويُقالُ: إنَّهم مِن ولَدِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ: قَوْمُ لُوطٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَ عالِيَ أرْضِهِمْ سافِلَها، وأمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقالَ الواحِدِيُّ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ومَعْنى الِائْتِفاكِ في اللُّغَةِ: الِانْقِلابُ، وتِلْكَ القُرى ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ فَصارَ أعْلاها أسْفَلَها، يُقالُ: أفَكَهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبَهُ فانْقَلَبَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُؤْتَفِكاتُ صِفَةُ القُرى، وقِيلَ: ائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ.

صفحة ١٠٤

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ؛ وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ تارَةً بِأنْ سَمِعُوا هَذِهِ الأخْبارَ مِنَ الخَلْقِ، وتارَةً لِأجْلِ أنَّ بِلادَ هَذِهِ الطَّوائِفِ، وهي بِلادُ الشّامِ، قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، وقَدْ بَقِيَتْ آثارُهم مُشاهَدَةً. وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ وإنْ كانَ في صِفَةِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّ المُرادَ هو التَّقْرِيرُ، أيْ: أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ الأقْوامِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ وهو راجِعٌ إلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَكَذَّبُوا فَعَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَذابَ الَّذِي أوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ما كانَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ، بَلْ كانُوا ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الظُّلْمِ، وإلّا لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِهِ، وذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَظْلِمُ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ فاعِلَ الظُّلْمِ هو العَبْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، وهَذا الكَلامُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا خارِجَةً عَنِ الإحْصاءِ.

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.