Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ خِذامَ بْنَ خالِدٍ، والجُلّاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وعُبَيْدَ بْنَ هِلالٍ في آَخَرِينَ، كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَفْعَلُوا، فَإنّا نَخافُ أنْ يُبَلِّغَهُ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، فَإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ «رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ؛ فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنُ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا، صَدَّقَهُ؛ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: «أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم جُلّاسُ بْنُ سُوِيدٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، اجْتَمَعُوا، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ ﷺ، وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرَ بْنَ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ، فَتَكَلَّمُوا وقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ، وقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وإنَّكم لَشَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَدَعاهم فَسَألَهم فَحَلَفُوا أنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ أنَّهم كَذَبُوا، وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقْ بَيْنَنا حَتّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصّادِقِ، وكَذِبَ الكاذِبِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الأذى، فَهو عَيْبُهُ ونَقْلُ حَدِيثِهِ. ومَعْنى (أُذُنٌ) يَقْبَلُ كُلَّ ما قِيلَ لَهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأصْلُ في هَذا أنَّ الأُذُنَ هي السّامِعَةُ، فَقِيلَ لَكُلِّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ خَبَرٍ يَسْمَعُهُ: أُذُنٌ. وجُمْهُورُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَ (هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ) بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ نافِعٌ "هُوَ أُذْنٌ قُلْ أذْنٌ خَيْرٌ" بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ" أيْ: أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ؛ يَسْمَعُ الخَيْرَ فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَعْمَلُ بِالشَّرِّ إذا سَمِعَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "أُذُنٌ" بِالتَّنْوِينِ "خَيْرٌ" بِالرَّفْعِ. والمَعْنى: إنْ كانَ كَما قُلْتُمْ، يَسْمَعُ مِنكم ويُصَدِّقُكم، خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يُكَذِّبَكم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تُطْلِقَ الأُذُنَ عَلى الجُمْلَةِ كَما قالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمِّيَتِ النّابُ مِنَ الإبِلِ، لِمَكانِ النّابِ البازِلِ، فَسُمِّيَتِ الجُمْلَةُ كُلُّها بِهِ، فَأجْرَوْا عَلى الجُمْلَةِ اسْمَ الجارِحَةِ لِإرادَتِهِمْ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِهِ لَها في الإصْغاءِ بِها.

ثُمَّ بَيَّنَ مِمَّنْ يَقْبَلُ، فَقالَ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الباءُ واللّامُ زائِدَتانِ؛ والمَعْنى: يُصْدِّقُ اللَّهَ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْمَعُ ما يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ. ورَحْمَةٌ أيْ وهو رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ. والمَعْنى: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ.

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. والثّانِي: بِتَرْكِ الطَّعْنِ والعَيْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "يُرْضُوهُ" ولَمْ يَقُلْ: يُرْضَوْهُما؟ فَقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٤] .

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ.

﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَن يُخالِفُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن يُعادِي، اللَّهَ، كَقَوْلِكَ: مَن يُجانِبُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، أيْ: يَكُونُ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها. فَمَن كَسَرَ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الفاءِ، كَما تَقُولُ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ. ودَخَلَتْ "إنَّ" مُؤَكِّدَةً. ومَن قالَ: "فَإنَّ لَهُ" فَإنَّما أعادَ "أنْ" الأُولى تَوْكِيدًا؛ لِأنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ، كانَ إعادَتُها أوْكَدُ.

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما بَيْنَهم، ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِي سِرَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ: لَوَدِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لَيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ حالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ القاسِمِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم بِالحَذَرِ، فَتَقْدِيرُهُ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ رُبَّما أخْرَجَتِ الأمْرَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، فَيَقُولُونَ: يَرْحَمُ اللَّهُ المُؤْمِنَ، ويُعَذِّبُ الكافِرَ؛ يُرِيدُونَ: لَيَرْحَمَ ولِيُعَذِّبَ، فَيُسْقِطُونَ اللّامَ، ويُجْرُونَهُ مَجْرى الخَبَرِ في الرَّفْعِ، وهم لا يَنْوُونَ إلّا الدُّعاءَ؛ والدُّعاءُ مُضارِعٌ لِلْأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ هَذا وعِيدٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ تَهْدِيدًا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: مُظْهِرٌ ما تُسِرُّونَ. والثّانِي: ناصِرٌ مَن تَخْذُلُونَ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" .

بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ …

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" .

بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ …

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.