Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

صفحة ٢٤١

﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عَطْفٌ ذُكِرَ فِيهِ خُلُقٌ آخَرُ مِن أخْلاقِ المُنافِقِينَ: وهو تَعَلُّلُهم عَلى ما يُعامِلُهم بِهِ النَّبِيءُ والمُسْلِمُونَ مِنَ الحَذَرِ، وما يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِن فَلَتاتِ نِفاقِهِمْ، يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ إرْجافٌ مِنَ المُرْجِفِينَ بِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأنَّهُ يُصَدِّقُ القالَةَ فِيهِمْ، ويَتَّهِمُهم بِما يَبْلُغُهُ عَنْهم مِمّا هم مِنهُ بُرَآءُ يَعْتَذِرُونَ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفِيهِ زِيادَةٌ في الأذى لِلرَّسُولِ ﷺ وإلْقاءُ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في كَمالاتِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيءِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى إظْهارِ وصْفِ النَّبِيءِ لِلْإيذانِ بِشَناعَةِ قَوْلِهِمْ ولِزِيادَةِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ النُّبُوءَةِ بِحَيْثُ لا تُحْكى مَقالَتُهم فِيهِ إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يُشِيرُ إلى تَنْزِيهِهِ والتَّعْرِيضِ بِجُرْمِهِمْ فِيما قالُوهُ.

وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ كانُوا يَقُولُونَ في حَقِّ النَّبِيءِ ﷺ ما يُؤْذِيهِ إذا بَلَغَهُ. وقَدْ عُدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، القائِلِينَ ذَلِكَ: الجُلاسُ بْنُ سُوِيدٍ، قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَتّابُ بْنُ قُشَيْرٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. فَمِنهم مَن قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: نَقُولُ فِيهِ ما شِئْنا ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ لَهُ أنّا ما قُلْنا فَيَقْبَلُ قَوْلَنا.

والأذى الإضْرارُ الخَفِيفُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الضُّرِّ بِالقَوْلِ والدَّسائِسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ومَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو مِنَ الأذى.

صفحة ٢٤٢

والأُذُنُ الجارِحَةُ الَّتِي بِها حاسَّةُ السَّمْعِ. ومَعْنى ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ آلَةُ سَمْعٍ.

والإخْبارُ بِـ ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ مِن صِيغِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كالأُذُنِ في تَلَقِّي المَسْمُوعاتِ لا يَرُدُّ مِنها شَيْئًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ مِن دُونِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ المَقْبُولِ والمَرْدُودِ. رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا هو نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ أحَدُ المُنافِقِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ جُمْلَةُ قُلْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ والمُحاوَرَةِ، لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ بِقَلْبِ مَقْصِدِهِمْ إغاظَةً لَهم، وكَمْدًا لِمَقاصِدِهِمْ، وهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ المُخاطَبُ كَلامَ المُتَكَلِّمِ عَلى غَيْرِ ما يُرِيدُهُ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ الأوْلى بِأنْ يُرادَ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ومِنهُ ما جَرى بَيْنَ الحَجّاجِ والقَبَعْثَرِيِّ إذْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ مُتَوَعِّدًا إيّاهُ ”لَأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ (أرادَ لَألْزِمْنَكَ …

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾

عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْهم بِكَلِمَةِ ومِنهم؛ لِأنَّ ما حُكِيَ هُنا حالٌ مِن أحْوالِ جَمِيعِهِمْ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِإعْلامِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَلا تَغُرُّهم أيْمانُهم، فَضَمِيرُ يَحْلِفُونَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ.

والمُرادُ: الحَلِفُ الكاذِبُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، أيْ بِتَرْكِهِمُ الأُمُورَ الَّتِي حَلَفُوا لِأجْلِها، عَلى أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ أيْمانَهم كاذِبَةٌ مِمّا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]

صفحة ٢٤٥

فَكافُ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ عَلى التَّبَرُّؤِ، مِمّا يَبْلُغُ المُسْلِمِينَ مِن أقْوالِهِمُ المُؤْذِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُسْلِمِينَ ويُنْكِرُهم عَلَيْهِمْ والنَّبِيءُ ﷺ يُغْضِي عَنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ أحَقُّ مِنكم بِأنْ يُرْضُوهُما، وسَيَأْتِي تَعْلِيلُ أحَقِّيَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِأنْ يُرْضُوهُما في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها فَإرْضاءُ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وتَعْظِيمِ رَسُولِهِ، وإرْضاءُ الرَّسُولِ بِتَصْدِيقِهِ ومَحَبَّتِهِ وإكْرامِهِ.

وإنَّما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُرْضُوهُ﴾ مَعَ أنَّ المُعادَ اثْنانِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أوَّلِ الِاسْمَيْنِ، واعْتِبارُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ ثانِيَتُهُما كالِاحْتِراسِ وحَذْفُ الخَبَرِ إيجازٌ. ومِن نُكْتَةِ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإرْضاءَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ:

ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

التَّقْدِيرُ: فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ بِها غَرِيبٌ أيْضًا. لِأنَّ إحْدى الغُرْبَتَيْنِ مُخالِفَةٌ لِأُخْراهُما.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُرْضُوهُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّهُ الأهَمُّ في الخَبَرِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ، ألا تَرى أنَّ بَيْتَ ضابِئٍ قَدْ جاءَ في خَبَرِهِ المَذْكُورِ لامُ الِابْتِداءِ الَّذِي هو مِن عَلائِقِ إنَّ الكائِنَةِ في الجُمْلَةِ الأُولى، دُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو الغالِبُ.

وشَرْطُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، مُسْتَعْمَلٌ لِلْحَثِّ والتَّوَقُّعِ لِإيمانِهِمْ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأحْوالِ لا يَبْقى مَعَهُ احْتِمالٌ في إيمانِهِمْ، فاسْتُعْمِلَ الشَّرْطُ لِلتَّوَقُّعِ ولِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ. وفِيهِ أيْضًا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ، إنْ أعادُوا مِثْلَ صَنِيعِهِمْ، بِأنَّهم كافِرُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَحْذِيرٌ مِن غَضَبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

صفحة ٢٤٦

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ عَمَلًا يَئُولُ بِهِ إلى مِثْلِ هَذا العَذابِ، فَلا يُقْدِمُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن لا يَعْلَمُ أنَّ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَصِيرُ إلى هَذا المَصِيرِ السَّيِّئِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ؛ لِأنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مُحَقَّقٌ بِضَرُورَةِ أنَّهم كافِرُونَ بِالرَّسُولِ، وبِأنَّ رِضى اللَّهِ عِنْدَ رِضاهُ ولَكِنْ لَمّا كانَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ غَرِيبًا لِوُجُودِ الدَّلائِلِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ أنْ يَعْلَمُوهُ، كانَ حالُ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ حالًا مُنْكَرًا. وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا ونَحْوِهِ في الإعْلامِ بِأمْرٍ مُهِمٍّ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] وقَوْلِ مَوْيالِ بْنِ جَهْمٍ المَذْحِجِيِّ، أوْ مُبَشِّرِ بْنِ هُذَيْلٍ الفَزارِيِّ:

ألَمْ تَعْلَمِي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنَّنِي كَرِيمٌ عَلى حِينِ الكِرامُ قَلِيلُ

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ إلَخْ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ ”أنَّهُ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وفُسِّرَ الضَّمِيرُ بِجُمْلَةِ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِها.

والمَعْنى: ألَمْ يَعْلَمُوا شَأْنًا عَظِيمًا هو مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.

وفَكُّ الدّالانِ مِن (يُحادِدْ) ولَمْ يُدْغَما لِأنَّهُ وقَعَ مَجْزُومًا فَجازَ فِيهِ الفَكُّ والإدْغامُ، والفَكُّ أشْهَرُ وأكْثَرُ في القُرْآنِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ الإدْغامُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ [الحشر: ٤] في سُورَةِ الحَشْرِ في قِراءَةِ جَمِيعِ العَشَرَةِ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ.

و(المُحادَّةُ) المُعاداةُ والمُخالَفَةُ.

والفاءُ في ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ لِرَبْطِ جَوابِ شَرْطِ (مَن) .

صفحة ٢٤٧

وأُعِيدَتْ (أنَّ) في الجَوابِ لِتَوْكِيدِ ”أنَّ“ المَذْكُورَةِ قَبْلَ الشَّرْطِ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا، فَإنَّها لَمّا دَخَلَتْ عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ وكانَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابُهُ تَفْسِيرًا لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، كانَ حُكْمُ (أنَّ) سارِيًا في الجُمْلَتَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ تُذْكَرْ في الجَوابِ لَعُلِمَ أنَّ فِيهِ مَعْناها، فَلَمّا ذُكِرَتْ كانَ ذِكْرُها تَوْكِيدًا لَها، ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، والفَصْلِ بَيْنَ فاءِ الجَوابِ ومَدْخُولِها بِحَرْفٍ، إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] وقَوْلُ الحَماسِيِّ، وهو أحَدُ الأعْرابِ:

وإنَّ امْرَءًا دامَتْ مَواثِيقُ عَهْدِهِ ∗∗∗ عَلى مِثْلِ هَذا إنَّهُ لَكَرِيمُ

وجَهَنَّمُ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ العَذابِ أوْ إلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِاعْتِبارِ تَفْسِيرِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ: تَمْيِيزُهُ لِيَتَقَرَّرَ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ.

والخِزْيُ …

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ حالٍ مِن أحْوالِ جَمِيعِ المُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] وهو إظْهارُهُمُ الإيمانَ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالمُغَيَّباتِ.

وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الحَذَرَ صادِرٌ مِنهم وهَذا الظّاهِرُ يُنافِي كَوْنَهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ وأنَّ خَبَرَهُ صِدْقٌ فَلِذَلِكَ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. وأحْسَنُ ما قِيلَ في ذَلِكَ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: (هو حَذَرٌ يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ عَلى

صفحة ٢٤٨

وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ. فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أيْ هم يُظْهِرُونَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ بِهِ إيهامَ المُسْلِمِينَ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ وما هم إلّا مُسْتَهْزِئُونَ بِالمُسْلِمِينَ فِيما بَيْنَهم، ولَيْسَ المُرادُ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ؛ لِأنَّهم لا يُظْهِرُونَ أنَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ فَفِعْلُ ( يَحْذَرُ) فَأُطْلِقَ عَلى التَّظاهُرِ بِالحَذَرِ، أيْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الصُّورَةِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ الحَذَرِ الحَقِّ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ لَوْلا ذَلِكَ، فَإنَّ المُنافِقِينَ لَمّا كانُوا مُبْطِنِينَ الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمُ الحَذَرُ مِن نُزُولِ القُرْآنِ بِكَشْفِ ما في ضَمائِرِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ فَتَعَيَّنَ صَرْفُ فِعْلِ (يَحْذَرُ) إلى مَعْنى: يَتَظاهَرُونَ بِالحَذَرِ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ إطْلاقُ الفِعْلِ عَلى التَّظاهُرِ بِمَدْلُولِهِ مِن غَرائِبِ المَجازِ. وتَأوَّلَ الزَّجّاجُ الآيَةَ بِأنَّ ”يَحْذَرُ“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ، أيْ لِيَحْذَرَ. وعَلى تَأْوِيلِهِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لا عَلاقَةَ لَها بِجُمْلَةِ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ . ولَهم وُجُوهٌ أُخْرى في تَفْسِيرِ الآيَةِ بَعِيدَةٌ عَنْ مَهْيَعِها، ذَكَرَها الفَخْرُ.

وضَمِيرا (عَلَيْهِمْ) و(تُنَبِّئُهم) يَجُوزُ أنْ يَعُودا إلى المُنافِقِينَ، وهو ظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ ومَعادِها. وتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ أيْ تَنْزِلُ لِأجْلِ أحْوالِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]

وهُوَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وتَكُونُ تَعْدِيَةُ تُنَبِّئُهم إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ: عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ تُنْبِئُ عَنْهم، أيْ تُنْبِئُ الرَّسُولَ بِما في قُلُوبِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تاءُ تُنَبِّئُهم تاءَ الخِطابِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ: تُنَبِّئُهم أنْتَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ (سُورَةٌ) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُنَبِّئُهم بِها، وهَذا وصْفٌ لِلسُّورَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، لا في اعْتِقادِ المُنافِقِينَ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ اسْتِطْرادٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا يَضُرُّ تَخالُفُ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ ضَمِيرِ قُلُوبِهِمِ الَّذِي هو لِلْمُنافِقِينَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى ما يَلِيقُ بِأنْ يَعُودَ إلَيْهِ.

صفحة ٢٤٩

واخْتِيرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في (يَحْذَرُ) لِما تُشْعِرُ بِهِ …

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾

الظّاهِرُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ﴾ [التوبة: ٦١] . فَيَكُونُ المُرادُ بِجُمْلَةِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أنَّهم يَحْلِفُونَ إنْ لَمْ تَسْألْهم. فالحَلِفُ الصّادِرُ مِنهم حَلِفٌ عَلى الأعَمِّ مِن بَراءَتِهِمْ مِنَ النِّفاقِ والطَّعْنِ، وجَوابُ السُّؤالِ عَنْ أُمُورٍ خاصَّةٍ يُتَّهَمُونَ بِها جَوابٌ يُرادُ مِنهُ أنَّ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ مِن جِنْسِ

صفحة ٢٥٠

ما يُتَّهَمُونَ بِهِ، فَإذا سُئِلُوا عَنْ حَدِيثٍ يَجْرِي بَيْنَهم يُسْتَرابُ مِنهم أجابُوا بِأنَّهُ خَوْضٌ ولَعِبٌ، يُرِيدُونَ أنَّهُ اسْتِجْمامٌ لِلرّاحَةِ بَيْنَ أتْعابِ السَّفَرِ لِما يَحْتاجُهُ الكادُّ عَمَلًا شاقًّا مِنَ الرّاحَةِ بِالمَزْحِ واللَّعِبِ. ورُوِيَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَكْبًا مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ نِفاقًا، مِنهم: ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ العَوْفِيُّ، ومَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ الأشْجَعِيُّ، حَلِيفُ بَنِيَ سَلَمَةَ، وقَفُوا عَلى عَقَبَةٍ في الطَّرِيقِ يَنْظُرُونَ جَيْشَ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ حُصُونَ الشّامِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ فَسَألَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُناجاتِهِمْ فَأجابُوا ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ»﴾ .

وعِنْدِي أنَّ هَذا لا يَتَّجِهُ لِأنَّ صِيغَةَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةٌ فالآيَةُ نَزَلَتْ فِيما هو أعَمُّ، مِمّا يُسْألُونَ عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، إخْبارًا بِما سَيُجِيبُونَ، فَهم يُسْألُونَ عَمّا يَتَحَدَّثُونَ في مَجالِسِهِمْ ونَوادِيهِمْ، الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِي الِانْفِرادِ عَنْ مَجالِسِ المُسْلِمِينَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ السُّؤالِ لِظُهُورِهِ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: ولَئِنْ سَألْتَهم عَنْ حَدِيثِهِمْ في خَلَواتِهِمْ، أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وفِيهِ شَيْءٌ مِن دَلائِلِ النُّبُوءَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُمُ الرَّسُولُ، وأنَّهُ لَمّا سَألَهم بَعْدَها أجابُوا بِما أخْبَرَتْ بِهِ الآيَةُ.

والقَصْرُ لِلتَّعْيِينِ: أيْ ما تَحَدَّثْنا إلّا في خَوْضٍ ولَعِبٍ دُونَ ما ظَنَنْتَهُ بِنا مِنَ الطَّعْنِ والأذى.

والخَوْضُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

واللَّعِبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في الأنْعامِ، ولَمّا كانَ اللَّعِبُ يَشْمَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِالغَيْرِ جاءَ الجَوابُ عَنِ اعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَلَمّا كانَ اعْتِذارُهم مُبْهَمًا رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إذْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَهم جَوابَ المُوقِنِ بِحالِهِمْ بَعْدَ أنْ أعْلَمَهُ بِما سَيَعْتَذِرُونَ بِهِ فَقالَ لَهم

صفحة ٢٥١

﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ. وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ وهو أبِاللَّهِ عَلى فِعْلِهِ العامِلِ فِيهِ لِقَصْدِ قَصْرِ …

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾

لَمّا كانَ قَوْلُهم ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] اعْتِذارًا عَنْ مُناجاتِهِمْ، أيْ إظْهارًا لِلْعُذْرِ الَّذِي تَناجَوْا مِن أجْلِهِ، وأنَّهُ ما يَحْتاجُهُ المُتْعَبُ: مِنَ الِارْتِياحِ إلى المَزْحِ والحَدِيثِ في غَيْرِ الجِدِّ، فَلَمّا كَشَفَ اللَّهُ أمْرَ اسْتِهْزائِهِمْ، أرْدَفَهُ بِإظْهارِ قِلَّةِ جَدْوى اعْتِذارِهِمْ إذْ قَدْ تَلَبَّسُوا بِما هو أشْنَعُ وأكْبَرُ مِمّا اعْتَذَرُوا عَنْهُ، وهو التِباسُهم بِالكُفْرِ بَعْدَ إظْهارِ الإيمانِ. فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أظْهَرَ نِفاقَهم كانَ ما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ أهْوَنَ فَجُمْلَةُ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَقُولَهُ، وهي ارْتِقاءٌ في تَوْبِيخِهِمْ، فَهي مُتَضَمِّنَةٌ تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، مَعَ زِيادَةِ ارْتِقاءٍ في التَّوْبِيخِ وارْتِقاءٍ في مَثالِبِهِمْ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِما هو أشَدُّ وهو الكُفْرُ، فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، عَلى أنَّ شَأْنَ الجُمَلِ الواقِعَةِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ أنْ

صفحة ٢٥٢

تُقْطَعَ ولا تُعْطَفَ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يَقْتَضِي التَّعْدادَ، فَتَقَعُ الجُمَلُ المُوَبَّخُ بِها مَوْقِعَ الأعْدادِ المَحْسُوبَةِ نَحْوَ واحِدٌ، اثْنانِ، فالمَعْنى لا حاجَةَ بِكم لِلِاعْتِذارِ عَنِ التَّناجِي فَإنَّكم قَدْ عُرِفْتُمْ بِما هو أعْظَمُ وأشْنَعُ.

والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ وعَدَمِ الجَدْوى.

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ مِن جُمْلَةِ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ وعَدَمِ الجَدْوى.

وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الكُفْرِ في الماضِي، أيْ قَبْلَ الِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ عُرِفَ كُفْرُهم مِن قَبْلُ. والمُرادُ بِإسْنادِ الإيمانِ إلَيْهِمْ: إظْهارُ الإيمانِ، وإلّا فَهم لَمْ يُؤْمِنُوا إيمانًا صادِقًا. والمُرادُ بِإيمانِهِمْ: إظْهارُهُمُ الإيمانَ، لا وُقُوعُ حَقِيقَتِهِ. وقَدْ أنْبَأ عَنْ ذَلِكَ إضافَةُ الإيمانِ إلى ضَمِيرِهِمْ دُونَ تَعْرِيفِ الإيمانِ بِاللّامِ المُفِيدَةِ لِلْحَقِيقَةِ، أيْ بَعْدَ إيمانٍ هو مِن شَأْنِكم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ الإيمانُ الصُّورِيُّ غَيْرُ الحَقِّ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] وهَذا مِن لَطائِفِ القُرْآنِ.

* * *

﴿إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم تُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾

جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالتَّبْشِيرِ لِلرّاغِبِ في التَّوْبَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِإمْكانِ تَدارُكِ حالِهِ.

ولَمّا كانَ حالُ المُنافِقِينَ عَجِيبًا كانَتِ البِشارَةُ لَهم مَخْلُوطَةً بِبَقِيَّةِ النِّذارَةِ، فَأنْبَأهم أنَّ طائِفَةً مِنهم قَدْ يُعْفى عَنْها إذا طَلَبَتْ سَبَبَ العَفْوِ: بِإخْلاصِ الإيمانِ، وأنَّ طائِفَةً تَبْقى في حالَةِ العَذابِ، والمَقامُ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَبَثًا ولا تَرْجِيحًا بِدُونِ مُرَجِّحٍ، فَما هو إلّا أنَّ طائِفَةً مَرْجُوَّةُ الإيمانِ، فَيُغْفَرُ عَمّا قَدَّمَتْهُ مِنَ النِّفاقِ، وأُخْرى تُصِرُّ عَلى النِّفاقِ حَتّى المَوْتِ، فَتَصِيرُ إلى العَذابِ. والآياتُ الوارِدَةُ بَعْدَ هَذِهِ تَزِيدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وُضُوحًا مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] . وقَوْلُهُ

صفحة ٢٥٣

بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ …

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾

يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ احْتِراسًا عَنْ أنْ يَظُنَّ المُنافِقُونَ أنَّ العَفْوَ المَفْرُوضَ لِطائِفَةٍ مِنهم هو عَفْوٌ يَنالُ فَرِيقًا مِنهم باقِينَ عَلى نِفاقِهِمْ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ النِّفاقَ حالَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ أصْحابَهُ سَواءٌ، لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّ افْتِراقَ أحْوالِهِمْ بَيْنَ عَفْوٍ وعَذابٍ لا يَكُونُ إلّا إذا اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم بِالإيمانِ والبَقاءِ عَلى النِّفاقِ، إلى ما أفادَتْهُ الآيَةُ أيْضًا مِن إيضاحِ بَعْضِ

صفحة ٢٥٤

أحْوالِ النِّفاقِ وآثارِهِ الدّالَّةِ عَلى اسْتِحْقاقِ العَذابِ، فَفَصَلَ هاتِهِ الجُمْلَةَ عَنِ الَّتِي قَبْلَها: إمّا لِأنَّها كالبَيانِ لِلطّائِفَةِ المُسْتَحِقَّةِ العَذابَ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا في حُكْمِ الِاعْتِراضِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] وإمّا أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا هي والَّتِي بَعْدَها بَيْنَ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

وزِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُنافِقاتِ تَنْصِيصًا عَلى تَسْوِيَةِ الأحْكامِ لِجَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالنِّفاقِ: ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، كَيْلا يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ العَفْوَ يُصادِفُ نِساءَهم، والمُؤاخَذَةَ خاصَّةٌ بِذُكْرانِهِمْ، لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ لِنِساءِ المُنافِقِينَ حَظًّا مِن مُشارَكَةِ رِجالِهِنَّ في النِّفاقِ فَيَحْذَرُوهُنَّ.

و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ اتِّصالِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى مَعْنى اتِّصالِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وهو تَبْعِيضٌ مَجازَيٌّ مَعْناهُ الوَصْلَةُ والوِلايَةُ، ولَمْ يُطْلَقْ عَلى ذَلِكَ اسْمُ الوِلايَةِ كَما أُطْلِقَ عَلى اتِّصالِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] لِما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

وقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ جَمِيعَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ هو بَعْضٌ مِنَ الجَمِيعِ، فَإذا كانَ كُلُّ بَعْضٍ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ آخَرَ، عُلِمَ أنَّهم سَواءٌ في الأحْوالِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى الِاتِّصالِ والِاسْتِواءِ في الأحْوالِ.

والمُنْكِرُ المَعاصِي لِأنَّها يُنْكِرُها الإسْلامُ.

والمَعْرُوفُ ضِدُّها؛ لِأنَّ الدِّينَ يَعْرِفُهُ، أيْ يَرْضاهُ، وقَدْ تَقَدَّما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَبْضُ الأيْدِي: كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، وهو وصْفُ ذَمٍّ لِدَلالَتِهِ عَلى القَسْوَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ الشُّحُّ عَلى الفُقَراءِ.

صفحة ٢٥٥

والنِّسْيانُ مِنهم مُسْتَعارٌ لِلْإشْراكِ بِاللَّهِ، أوْ لِلْإعْراضِ عَنِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ وامْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ؛ لِأنَّ الإهْمالَ والإعْراضَ يُشْبِهُ نِسْيانَ المُعْرَضِ عَنْهُ.

ونِسْيانُ اللَّهِ إيّاهم مُشاكَلَةٌ أيْ حِرْمانُهُ إيّاهم مِمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ النِّسْيانَ عِنْدَ قِسْمَةِ الحُظُوظِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّها كالبَيانِ الجامِعِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ في ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قَصْرٌ …

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وإمّا مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ فَنَسِيَهم لِأنَّ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ واللَّعْنَ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن نِسْيانِ اللَّهِ إيّاهم.

والوَعْدُ أعَمُّ مِنَ الوَعِيدِ، فَهو يُطْلَقُ عَلى الإخْبارِ بِالتِزامِ المُخْبِرِ لِلْمُخْبَرِ بِشَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ نافِعٍ أوْ ضارٍّ أوْ لا نَفْعَ فِيهِ ولا ضُرَّ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] . والوَعِيدُ خاصٌّ بِالضّارِّ.

وفَعَلُ المُضِيِّ هُنا: إمّا لِلْإخْبارِ عَنْ وعِيدٍ تَقَدَّمَ وعَدَهُ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ تَذْكِيرًا بِهِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِهِ وإمّا لِصَوْغِ الوَعِيدِ في الصِّيغَةِ الَّتِي تَنْشَأُ بِها العُقُودُ مِثْلَ بِعْتُ ووَهَبْتُ إشْعارًا بِأنَّهُ وعِيدٌ لا يَتَخَلَّفُ مِثْلَ العَقْدِ والِالتِزامِ.

صفحة ٢٥٦

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقْرِيرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ في ذِهْنِ السّامِعِ حَتّى يَتَمَكَّنَ اتِّصافُهم بِالحُكْمِ.

وزِيادَةُ ذِكْرِ الكُفّارِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لَيْسُوا بِأهْوَنَ حالًا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ قَدْ جَمَعَ الكُفْرُ الفَرِيقَيْنِ.

ومَعْنى هي حَسْبُهم أنَّها مُلازِمَةٌ لَهم. وأصْلُ ”حَسْبُ“ أنَّهُ بِمَعْنى الكافِي، ولَمّا كانَ الكافِي يُلازِمُهُ المُكَفِّي كُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ المُلازَمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حَسْبُ) عَلى أصْلِهِ ويَكُونُ ذِكْرُهُ في هَذا المَقامِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، كَأنَّهم طَلَبُوا النَّعِيمَ، فَقِيلَ: حَسْبُهم نارُ جَهَنَّمَ.

واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ والتَّحْقِيرُ والغَضَبُ.

والعَذابُ المُقِيمُ: إنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَذابَ جَهَنَّمَ فَهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ﴾ لِدَفْعِ احْتِمالِ إطْلاقِ الخُلُودِ عَلى طُولِ المُدَّةِ، وتَأْكِيدٌ لِلْكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَذابًا آخَرَ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا وهو عَذابُ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بَيْنَ النّاسِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِاسْتِحْقاقِ المُنافِقِينَ العَذابَ، وأنَّهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تُعَذَّبُ إذا بَقُوا عَلى نِفاقِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الطّائِفَةَ المَعْفُوَّ عَنْها هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مِنهم.

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْكَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

قِيلَ هَذا الخِطابُ التِفاتٌ، عَنْ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الرّاجِعَةِ إلى المُنافِقِينَ، إلى خِطابِهِمْ لِقَصْدِ التَّفْرِيعِ والتَّهْدِيدِ بِالمَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ عَنِ الغُرُورِ بِما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ بِأنَّ آخِرَ ذَلِكَ حَبْطُ الأعْمالِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الخُسْرانُ.

صفحة ٢٥٧

فَكافُ التَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الخِطابِ، تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوِ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الدّالِّ عَلى فِعْلِهِ، ومِثْلُهُ في حَذْفِ الفِعْلِ والإتْيانِ بِما هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:

حَتّى إذا الكَلّابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طالِبا

أرادَ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ، إلّا أنَّ عامِلَ النَّصْبِ مُخْتَلِفٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ.

وقِيلَ هَذا مِن بَقِيَّةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِأنْ يُبَلِّغَهُ النَّبِيءُ ﷺ إيّاهم مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] الآيَةَ. فَيَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا بِقَوْلِهِ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَخْ فَضَمِيرُ الخِطابِ لَهم جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ بِدُونِ التِفاتِ والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَشْبِيهِ حالِهِمْ في مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِأنَّهُ أشْمَلُ وأجْمَعُ لِلْأُمَمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ مِمَّنْ ضَرَبَ العَرَبُ بِهِمُ المَثَلَ في القُوَّةِ.

و”أشَدَّ“ مَعْناهُ أقْوى، والقُوَّةُ هُنا القُدْرَةُ عَلى الأعْمالِ الصَّعْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أوْ يُرادُ بِها العِزَّةُ وعُدَّةُ الغَلَبِ بِاسْتِكْمالِ العَدَدِ والعُدَدِ، وبِهَذا المَعْنى أُوقِعَتِ القُوَّةُ تَمْيِيزَ الـ (أشَدَّ) كَما أُوقِعَتْ مُضافًا إلَيْهِ (شَدِيدُ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]

وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ: مِنها طِيبُ الأرْضِ لِلزَّرْعِ والغَرْسِ ورَعْيُ الأنْعامِ والنَّحْلِ، ومِنها وفْرَةُ التِّجارَةِ بِحُسْنِ مَوْقِعِ المَوْطِنِ بَيْنَ مَواطِنِ الأُمَمِ، ومِنها الِاقْتِرابُ مِنَ البِحارِ لِلسَّفَرِ إلى الأقْطارِ وصَيْدِ البَحْرِ، ومِنها اشْتِمالُ الأرْضِ عَلى المَعادِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والمَوادِّ الصِّناعِيَّةِ والغِذائِيَّةِ مِنَ النَّباتِ، كَأشْجارِ التَّوابِلِ ولِحاءِ الدَّبْغِ والصَّبْغِ والأدْوِيَةِ والزَّرارِيعِ والزُّيُوتِ.

وكَثْرَةُ الأوْلادِ تَأْتِي مِنَ الأمْنِ بِسَبَبِ بَقاءِ الأنْفُسِ، ومِنَ الخِصْبِ المُؤَثِّرِ قُوَّةُ الأبْدانِ والسَّلامَةُ مِنَ المَجاعاتِ المُعَقِّبَةِ لَلْمُوتانِ، ومِن حُسْنِ المُناخِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الأوْبِئَةِ المُهْلِكَةِ، ومِنَ الثَّرْوَةِ بِكَثْرَةِ الأزْواجِ والسَّرارِي والمَراضِعِ.

صفحة ٢٥٨

والِاسْتِمْتاعُ: التَّمَتُّعُ، وهو نَوالُ أحَدِ المَتاعِ الَّذِي بِهِ التِذاذُ الإنْسانِ ومُلائِمُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ …

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ عادَ الكَلامُ عَلى المُنافِقِينَ: فَضَمِيرُ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) و(مِن قَبْلِهِمْ) عائِدانِ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، أوِ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]

والِاسْتِفْهامُ مُوَجَّهٌ لِلْمُخاطَبِ تَقْرِيرًا عَنْهم، بِحَيْثُ يَكُونُ كالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أتاهم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

والإتْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في بُلُوغِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ، شُبِّهَ حُصُولُ الخَبَرِ عِنْدَ المُخْبَرِ بِإتْيانِ الشَّخْصِ، بِجامِعِ الحُصُولِ بَعْدَ عَدَمِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: بَلَغَهُ الخَبَرُ، قالَ - تَعالى: ﴿لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٦١

والنَّبَأُ الخَبَرُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْمُ نُوحٍ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

ونُوحٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وعادٌ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وكَذَلِكَ ثَمُودُ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانِيُّونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْراهِيمَ وعَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ (أصْحابِ) إلى مَدْيَنَ بِاعْتِبارِ إطْلاقِ اسْمِ مَدْيَنَ عَلى الأرْضِ الَّتِي كانَ يَقْطُنُها بَنُو مَدْيَنَ، فَكَما أنَّ مَدْيَنَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] كَذَلِكَ هو اسْمٌ لِمَوْطِنِ تِلْكَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَدْيَنَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في الأعْرافِ.

والمُؤْتَفِكاتُ عُطِفَ عَلى أصْحابِ مَدْيَنَ، أيْ نَبَأِ المُؤْتَفِكاتِ، وهو جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الِائْتِفاكِ وهو الِانْقِلابُ. أيِ القُرى الَّتِي انْقَلَبَتْ والمُرادُ بِها: قُرًى صَغِيرَةٌ كانَتْ مَساكِنَ قَوْمِ لُوطٍ وهي: سَدُومُ، وعَمُورَةُ، وأدَمَةُ، وصِبْوِيمُ، وكانَتْ قُرًى مُتَجاوِرَةً فَخُسِفَ بِها وصارَ عالِيها سافِلَها. وكانَتْ في جِهاتِ الأُرْدُنِّ حَوْلَ البَحْرِ المَيِّتِ، ونَبَأُ هَؤُلاءِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، وهو خَبَرُ هَلاكِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ بِحَوادِثَ مَهُولَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ أتَتْهم رُسُلُهم بِدَلائِلَ الصِّدْقِ والحَقِّ.

وجُمْلَةُ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾، والمُفَرَّعُ هو مَجْمُوعُ الجُمْلَةِ إلى قَوْلِهِ: (يَظْلِمُونَ) لِأنَّ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلى إتْيانِ الرُّسُلِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالعِنادِ، والمُكابَرَةِ، والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ، …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.