Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ نَزَلَتْ في فِرْقَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ، قالُوا في حَقِّهِ - ﷺ – ما لا يَنْبَغِي، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ فَيَقَعَ بِنا، فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنُنْكِرُ ما قُلْنا ونَحْلِفُ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ، إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ أيْ: يَسْمَعُ كُلَّ ما قِيلَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرَ فِيهِ ويُمَيِّزَ بَيْنَ ما يَلِيقُ بِالقَبُولِ - لِمُساعَدَةِ أماراتِ الصِّدْقِ لَهُ - وبَيْنَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وإنَّما قالُوهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ لا يُواجِهُهم بِسُوءِ ما صَنَعُوا، ويَصْفَحُ عَنْهُمْ؛ حِلْمًا وكَرَمًا، فَحَمَلُوهُ عَلى سَلامَةِ القَلْبِ، وقالُوا ما قالُوا.

﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ مِن قَبِيلِ: (رَجُلُ صِدْقٍ) في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ،كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أُذُنًا في الخَيْرِ والحَقِّ، وفِيما يَنْبَغِي سَماعُهُ وقَبُولُهُ لا في غَيْرِ ذَلِكَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ (رَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلَيْهِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ، وقُرِئَ (أُذْنٌ) بِسُكُونِ الذّالِ فِيهِما، وقُرِئَ: (أُذُنٌ خَيْرٌ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِ أُذُنَ خَيْرٍ لَهُمْ، أيْ: يُصَدِّقُ بِاللَّهِ تَعالى لِما قامَ عِنْدَهُ مِنَ الأدِلَّةِ المُوجِبَةِ لَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُخاطَبِينَ - كَما أنَّهُ خَيْرٌ لِلْعالَمِينَ - مِمّا لا يَخْفى.

﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُهم لِما عَلِمَ فِيهِمْ مِنَ الخُلُوصِ، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإيمانِ المَشْهُورِ وبَيْنَ الإيمانِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والتَّصْدِيقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ ... إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ ... إلَخْ.

﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (أُذُنُ خَيْرٍ) أيْ: وهو رَحْمَةٌ، بِطَرِيقِ إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: لِلَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ مِنكم حَيْثُ يَقْبَلُهُ مِنهُمْ، لَكِنْ لا تَصْدِيقًا لَهم في ذَلِكَ بَلْ رِفْقًا بِهِمْ وتَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ، ولا يَكْشِفُ أسْرارَهُمْ، ولا يَهْتِكُ أسْتارَهُمْ، وإسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها عِلَّةٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أُذُنُ خَيْرٍ) أيْ: يَأْذَنُ لَكم رَحْمَةً.

﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ بِما نُقِلَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (هُوَ أُذُنٌ) ونَحْوِهِ، وفي صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ المُشْعِرَةِ بِتَرَتُّبِ الوَعِيدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إشْعارٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى فِيما سَيَأْتِي ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾

﴿لَهُمْ﴾ بِما يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ مِن أذِيَّتِهِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهَذا اعْتِراضٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ بِإثْباتِ العَذابِ الألِيمِ لَهم ثُمَّ جَعْلِ الجُمْلَةِ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ ما لا …

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِالمَطاعِنِ، ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالأيْمانِ لِيَعْذُرُوهم ويَرْضَوْا عَنْهُمْ، أيْ: يَحْلِفُونَ لَكم أنَّهم ما قالُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِمّا يُورِثُ أذاةَ النَّبِيِّ ﷺ وأمّا التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ فَلَيْسَ بِداخِلٍ في هَذا الِاعْتِذارِ ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ بِذَلِكَ، وإفْرادُ إرْضائِهِمْ بِالتَّعْلِيلِ - مَعَ أنَّ عُمْدَةَ أغْراضِهِمْ إرْضاءُ الرَّسُولِ، ﷺ، وقَدْ قَبِلَ، ﷺ، ذَلِكَ مِنهم ولَمْ يُكَذِّبْهم - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلى إرْضائِهِ ﷺ وأنَّهُ ﷺ إنَّما لَمْ يُكَذِّبْهم رِفْقًا بِهِمْ وسَتْرًا لِعُيُوبِهِمْ لا عَنِ الرِّضا بِما فَعَلُوا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ: أحَقُّ بِالإرْضاءِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا بِالطّاعَةِ والمُتابَعَةِ، وإيفاءِ حُقُوقِهِ ﷺ في بابِ الإجْلالِ والإعْظامِ مَشْهَدًا ومَغِيبًا، وأمّا ما أتَوْا بِهِ مِنَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ فَإنَّما يَرْضى بِهِ مَنِ انْحَصَرَ طَرِيقُ عِلْمِهِ في الأخْبارِ إلى أنْ يَجِيءَ الحَقُّ ويَزْهَقَ الباطِلُ، والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ يَحْلِفُونَ، أيْ: يَحْلِفُونَ لَكم لِإرْضائِكُمْ، والحالُ أنَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أحَقُّ بِالإرْضاءِ مِنكُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ عَمّا يُهِمُّهم ويُجْدِيهِمْ ويَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعْنِيهِمْ.

وَإفْرادُ الضَّمِيرِ في (يُرْضُوهُ) إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ رِضاهُ ﷺ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ رِضاهُ سُبْحانَهُ، وإرْضاؤُهُ ﷺ إرْضاءٌ لَهُ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وإمّا لِأنَّهُ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:

؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

أيْ: كَأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ، أيُّ حاجَةٍ إلى الِاسْتِعارَةِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، لِأنّا نَقُولُ: لَوْلا الِاسْتِعارَةُ لَمْ يَتَسَنَّ التَّأْوِيلُ؛ لِما أنَّ الضَّمِيرَ لا يَتَعَرَّضُ إلّا لِذاتِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَصْفٍ مِن أوْصافِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَذْكُورِيَّةُ، وإنَّما المُتَعَرِّضُ لَها اسْمُ الإشارَةِ، وإمّا لِأنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ، والكَلامُ جُمْلَتانِ، حُذِفَ خَبَرُ الأُولى لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ مَن قالَ:

؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

أوْ إلى اللَّهِ عَلى أنَّ المَذْكُورَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الأُولى، وخَبَرُ الثّانِيَةِ مَحْذُوفٌ، كَما هو رَأْيُ المُبَرِّدِ.

﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ؛ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَلْيُرْضُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ بِما ذُكِرَ فَإنَّهُما أحَقُّ بِالإرْضاءِ.

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَتِها، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا بِما سَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن فُنُونِ القَوارِعِ والإنْذاراتِ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنُ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ المُحادَّةُ مِنَ الحَدِّ كالمُشاقَّةِ مِنَ الشَّقِّ، والمُعاداةُ مِنَ العُدْوَةِ بِمَعْنى الجانِبِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مُباشِرِي كُلٍّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في مَحَلٍّ غَيْرِ مَحَلِّ صاحِبِهِ، ومَن شَرْطِيَّةٌ جَوابُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ خَبَرَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهْنَمَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِـ"أنَّ"، وهي مَعَ خَبَرِها سادَةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ يَعْلَمُوا، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَهُ، و(أنَّ) تَكْرِيرٌ لِلْأُولى تَأْكِيدًا لِطُولِ العَهْدِ لا مِن بابِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ المانِعِ لِلْأُولى مِنَ العَمَلِ، ودُخُولُ الفاءِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فَأنَّ لَهُ) مَعْطُوفًا عَلى (أنَّهُ) وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلَكْ فَإنَّ لَهُ... إلَخْ، ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ عِنْدَ كَوْنِ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا أوْ مُضارِعًا مَجْزُومًا بِلَمْ.

﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إنِ اعْتُبِرَ في الظَّرْفِ ابْتِداءُ الِاسْتِقْرارِ وحُدُوثُهُ، وإنِ اعْتُبِرَ مُطْلَقُ الِاسْتِقْرارِ فالأمْرُ ظاهِرٌ ﴿ذَلِكَ﴾ أُشِيرَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ الخالِدِ بِذَلِكَ؛ إيذانًا بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ﴿الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ الخِزْيُ الذُّلُّ والهَوانُ المُقارِنُ لِلْفَضِيحَةِ والنَّدامَةِ، وهي ثَمَراتُ نِفاقِهِمْ، حَيْثُ يَفْتَضِحُونَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِظُهُورِها ولُحُوقِ العَذابِ الخالِدِ بِهِمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ.

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ ما نَزَلَ في حَقِّهِمْ نازِلٌ عَلَيْهِمْ ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن أقاوِيلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ومَعْنى تَنْبِئَتِها إيّاهم بِما في قُلُوبِهِمْ - مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُمْ، وأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُمُ اطِّلاعُ المُؤْمِنِينَ عَلى أسْرارِهِمْ لا اطِّلاعُ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها - أنَّها تُذِيعُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن أسْرارِهِمْ، فَتَنْتَشِرُ فِيما بَيْنَ النّاسِ فَيَسْمَعُونَها مِن أفْواهِ الرِّجالِ مُذاعَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها، أوِ المُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ: المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أسْرارِهِمْ، كَأنَّها تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ، فَتُنْبِئُهم بِها وتَنْعى عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم.

وَقِيلَ: مَعْنى (يَحْذَرُ) لِيَحْذَرْ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، ولا يُبالى بِالتَّفْكِيكِ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ بِعَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ، أيْ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، وتَهْتِكُ عَلَيْهِمْ أسْتارَهم.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَ إظْهارُ الحَذَرِ مِنهم بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَقُولُ: "إنَّهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ" يُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أيِ: افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ أيْ: مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، أوْ مِنَ الكُمُونِ إلى البُرُوزِ ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ أيْ: ما تَحْذَرُونَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، ومِن مَخازِيكم ومَثالِبِكُمُ المُسْتَكِنَّةِ في قُلُوبِكُمُ الفاضِحَةِ لَكم عَلى مَلَأِ النّاسِ، والتَّأْكِيدُ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ بِذَلِكَ لا لِدَفْعِ تَرَدُّدِهِمْ في وُقُوعِ المَحْذُورِ؛ إذْ لَيْسَ حَذَرُهم بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ.

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ عَمّا قالُوا ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَسِيرُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْبٌ مِنَ المُنافِقِينَ، يَسْتَهْزِئُونَ بِالقرآن وبِالرَّسُولِ ﷺ ويَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ حُصُونَ الشّامِ وقُصُورَها، هَيْهاتَ هَيْهاتَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: «احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ، فَأتاهُمْ، فَقالَ: قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ: لا واللَّهِ ما كُنّا في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ ولا مِن أمْرِ أصْحابِكَ، ولَكِنْ كُنّا في شَيْءٍ مِمّا يَخُوضُ فِيهِ الرَّكْبُ لِيُقَصِّرَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ السَّفَرَ».»

﴿قُلْ﴾ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اعْتِذارِهِمْ، ناعِيًا عَلَيْهِمْ جِناياتِهِمْ، مُنَزِّلًا لَهم مَنزِلَةَ المُعْتَرِفِ بِوُقُوعِ الِاسْتِهْزاءِ، مُوَبِّخًا لَهم عَلى أخْطائِهِمْ مَوْقِعَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ حَيْثُ عَقَّبَ حَرْفَ التَّقْرِيرِ بِالمُسْتَهْزَأِ بِهِ، ولا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الِاسْتِهْزاءِ وثُبُوتِهِ.

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تَشْتَغِلُوا بِالِاعْتِذارِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ أثَرِ الذَّنْبِ، فَإنَّهُ مَعْلُومُ الكَذِبِ بَيِّنُ البُطْلانِ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ والطَّعْنِ فِيهِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِكم لَهُ.

﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، أوْ تَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ، وقُرِئَ (إنْ يَعْفُ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الظَّرْفِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وبِتَأْنِيثِهِ أيْضًا ذَهابًا إلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تُرْحَمْ طائِفَةٌ ﴿نُعَذِّبْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وبِالتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى ما بَعْدَهُ ﴿طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى الإجْرامِ، وهم غَيْرُ التّائِبِينَ، أوْ مُباشِرِينَ لَهُ وهم غَيْرُ المُجْتَنِبِينَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ رَجُلٌ واحِدٌ، وهو يَحْيى بْنُ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيُّ، لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ عَنْ نِفاقِهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ، وتُجَبُّ مِنها القُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ، لا يَقُولُ أحَدٌ: أنّا غَسَّلْتُ، أنا كَفَّنْتُ، أنا دَفَنْتُ، فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ، فَما أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا عُرِفَ مَصْرَعُهُ غَيْرُهُ.

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ التَّعَرُّضُ لِأحْوالِ الإناثِ لِلْإيذانِ بِكَمال عَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَشابِهُونَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ كَأبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ بِالشَّخْصِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَكْذِيبُهم في حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ (إنَّهم لَمِنكُمْ) وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَما هم مِنكُمْ".﴾

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ، ومُفْصِحٌ عَنْ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ.

﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: عَنِ المَبَرّاتِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ قَبَضَ اليَدَ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أغْفَلُوا ذِكْرَهُ ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وخَذَلَهُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنِّسْيانِ لِلْمُشاكَلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفِسْقِ الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ، والِانْسِلاخُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

﴿وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ ﴿نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ فِيها ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ عِقابًا وجَزاءً، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ عِقابِها وعَذابِها ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وأهانَهُمْ، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ الإيذانِ بِشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: نَوْعٌ مِنَ العَذابِ غَيْرُ عَذابِ النّارِ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، أوْ لَهم عَذابٌ مُقِيمٌ مَعَهم في الدُّنْيا لا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، وهو ما يُقاسُونَهُ مَن تَعَبِ النِّفاقِ الَّذِي هم مِنهُ في بَلِيَّةٍ دائِمَةٍ، لا يَأْمَنُونَ ساعَةً مِن خَوْفِ الفَضِيحَةِ ونُزُولِ العَذابِ إنِ اطُّلِعَ عَنْ أسْرارِهِمْ.

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِلتَّشْدِيدِ، والكافُ في مَحْلِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَعَلْتُمْ مِثْلَ فِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.

﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا﴾ تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِشَبَهِهِمْ بِهِمْ وتَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِهِمْ ﴿فاسْتَمْتَعُوا﴾ تَمَتَّعُوا، وفي صِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الِاسْتِزادَةِ والِاسْتِدامَةِ في التَّمَتُّعِ ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ بِنَصِيبِهِمْ مِن مَلاذِّ الدُّنْيا، واشْتِقاقُهُ مِنَ الخَلْقِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وهو ما قُدِّرَ لِصاحِبِهِ ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: اسْتِمْتاعًا كاسْتِمْتاعِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ ذَمَّ الأوَّلِينَ بِاسْتِمْتاعِهِمْ بِحُظُوظِهِمُ الخَسِيسَةِ مِنَ الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والتِهائِهِمْ بِها عَنِ النَّظَرِ في العَواقِبِ الحَقَّةِ، واللَّذائِذِ الحَقِيقِيَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِذَمِّ المُخاطَبِينَ بِمُشابِهَتِهِمْ إيّاهم واقْتِفائِهِمْ أثَرَهم ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: دَخَلْتُمْ في الباطِلِ ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: كالَّذِينَ بِإسْقاطِ النُّونِ، أوْ كالفَوْجِ الَّذِي، أوْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِينَ بِالأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِنَ المُشَبَّهِينَ والمُشَبَّهِ بِهِمْ لا إلى الفَرِيقِ الأخِيرِ فَقَطْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُبُوطُ أعْمالِ المُشَبَّهِينَ وخُسْرانُهم مَفْهُومَيْنِ ضِمْنًا لا صَرِيحًا، ويُؤَدِّي إلى خُلُوِّ تَلْوِينِ الخِطابِ عَنِ الفائِدَةِ، إذِ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أُولَئِكُمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ بِها أعْمالَهُمُ المَعْدُودَةَ - كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ، فَإنَّ غائِلَتَها غَنِيَّةٌ عَنِ البَيانِ - بَلْ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا يَسْتَحِقُّونَ بِها أُجُورًا حَسَنَةً لَوْ قارَنَتِ الإيمانَ، أيْ ضاعَتْ وبَطَلَتْ بِالكُلِّيَّةِ، ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْها أثَرٌ.

﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ بِطَرِيقِ المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى أعْمالِهِمْ فِيها مِنَ الصِّحَّةِ والسَّعَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ - حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ) لَيْسَ تَرَتُّبُهُ عَلَيْها عَلى طَرِيقَةِ المَثُوبَةِ والكَرامَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ.

﴿وَأُولَئِكَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِحُبُوطِ الأعْمالِ في الدّارَيْنِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ في الدّارَيْنِ، الجامِعُونَ لِمَبادِئِهِ وأسْبابِهِ طُرًّا، فَإنَّهُ قَدْ ذَهَبَتْ رُءُوسُ أمْوالِهِمُ الَّتِي هي أعْمالُهم فِيما ضَرَّهم ولَمْ يَنْفَعْهم قَطُّ، ولَوْ أنَّها ذَهَبَتْ فِيما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم لَكَفى بِهِمْ خُسْرانًا، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الأوْصافِ المُشارِ إلَيْها لِلْحُبُوطِ والخُسْرانِ.

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ، وهو ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْذِيرِ ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قَرْياتُ قَوْمِ لُوطٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمْ أيِ: انْقَلَبَتْ بِهِمْ، فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، وقِيلَ: قَرْياتُ المُكَذِّبِينَ، وائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ.

﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ: فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْمُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ السُّبْحانِ عَنِ الظُّلْمِ، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهُ أنْ يَظْلِمَهُمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ظُلْمِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَزالُوا يُعَرِّضُونَها لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِ، فَيَكُونُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ قَصْرٍ لِلظُّلْمِ عَلى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وسَيَجِيءُ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.