Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Siraj fi Bayan Gharib al-Qur'an by Muhammad al-Khudayri

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

{50} يقول تعالى مبيناً أن المنافقين هم الأعداء حقًّا المبغضون للدين صرفاً: {إن تُصِبۡكَ حسنةٌ}: كنصر وإدالة على العدو {تَسُؤۡهم}؛ أي: تحزنهم وتغمهم، {وإن تُصِبۡكَ مصيبةٌ}: كإدالة العدو عليك {يقولوا}: متبجِّحين بسلامتهم من الحضور معك: {قد أخَذۡنا أمرنا من قبلُ}؛ أي: قد حذرنا وعملنا بما يُنجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة، {ويتولَّوۡا وهم فرحون}: بمصيبتك وبعدم مشاركتهم إياك فيها.

{51} قال تعالى رادًّا عليهم في ذلك: {قل لن يُصيَبنا إلَّا ما كَتَبَ الله لنا}؛ أي: قدَّره وأجراه في اللوح المحفوظ. {هو مولانا}؛ أي: متولي أمورنا الدينيَّة والدنيويَّة؛ فعلينا الرِّضا بأقداره، وليس في أيدينا من الأمر شيء. {وعلى الله}: وحده {فليتوكَّل المؤمنون}؛ أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم ودفع المضارِّ عنهم ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم؛ فلا خاب من توكَّل عليه، وأما من توكَّل على غيره؛ فإنه مخذول غير مدرك لما أمل.

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

{52} أي: قل للمنافقين الذين يتربَّصون بكم الدوائر: أيَّ شيء تربَّصون بنا؟ فإنكم لا تربَّصون بنا إلا أمراً فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين: إما الظَّفَر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي، وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخَلْق وأرفع المنازل عند الله. وأما تربُّصنا بكم يا معشر المنافقين؛ فنحن {نتربَّص بكم أن يصيبَكم الله بعذابٍ من عنده} لا سبب لنا فيه {أو بأيدينا}؛ بأن يسلِّطنا عليكم فنقتلكم، {فتربَّصوا}: بنا الخير، {إنا معكم متربِّصون}: بكم الشرَّ.

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

{53} يقول تعالى مبيِّناً بطلان نفقات المنافقين وذاكراً السبب في ذلك، {قل} لهم: {أنفقوا طوعاً}: من أنفسكم، {أو كرهاً}: على ذلك بغير اختياركم. {لن يُتَقَبَّل منكم}: شيء من أعمالكم، لأنّكم {كنتم قوماً فاسقين}: خارجين عن طاعة الله.

{54} ثم بيَّن صفة فسقهم وأعمالهم [فقال]: {وما مَنَعَهم أن تُقۡبَلَ منهم نفقاتُهم إلَّا أنَّهم كفروا بالله وبرسوله}: والأعمال كلُّها شرطُ قبولها الإيمان؛ فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إنَّ الصلاة التي هي أفضل أعمال البدن إذا قاموا إليها قاموا كسالى؛ قال:{ولا يأتون الصلاة إلَّا وهم كُسالى}؛ أي: متثاقلون لا يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم. {ولا يُنفقون إلا وهم كارهونَ}: من غير انشراح صدر وثبات نفس؛ ففي هذا غاية الذمِّ لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيطُ البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب يرجو ذُخرها وثوابها من الله وحده، ولا يتشبَّه بالمنافقين.

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

{53} يقول تعالى مبيِّناً بطلان نفقات المنافقين وذاكراً السبب في ذلك، {قل} لهم: {أنفقوا طوعاً}: من أنفسكم، {أو كرهاً}: على ذلك بغير اختياركم. {لن يُتَقَبَّل منكم}: شيء من أعمالكم، لأنّكم {كنتم قوماً فاسقين}: خارجين عن طاعة الله.

{54} ثم بيَّن صفة فسقهم وأعمالهم [فقال]: {وما مَنَعَهم أن تُقۡبَلَ منهم نفقاتُهم إلَّا أنَّهم كفروا بالله وبرسوله}: والأعمال كلُّها شرطُ قبولها الإيمان؛ فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إنَّ الصلاة التي هي أفضل أعمال البدن إذا قاموا إليها قاموا كسالى؛ قال:{ولا يأتون الصلاة إلَّا وهم كُسالى}؛ أي: متثاقلون لا يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم. {ولا يُنفقون إلا وهم كارهونَ}: من غير انشراح صدر وثبات نفس؛ ففي هذا غاية الذمِّ لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيطُ البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب يرجو ذُخرها وثوابها من الله وحده، ولا يتشبَّه بالمنافقين.

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

{55} يقول تعالى: فلا تعجبْك أموالُ هؤلاء المنافقين ولا أولادُهم؛ فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدَّموها على مراضي ربِّهم وعصوا الله لأجلها. {إنَّما يريد الله ليعذِّبَهم بها في الحياة الدُّنيا}: والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم من المشقَّة في تحصيلها والسعي الشديد في ذلك وهمِّ القلب فيها وتعب البدن؛ فلو قابلت لَذَّاتهم فيها بمشقَّاتهم؛ لم يكن لها نسبة إليها؛ فهي لَمَّا ألهتهم عن الله وذكره؛ صارت وبالاً عليهم حتى في الدنيا، ومن وبالها العظيم الخطر أنَّ قلوبهم تتعلَّق بها وإراداتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبِهم وغاية مرغوبِهم، ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيبٌ، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا، {وَتَزۡهَقَ أنفسُهُم وهم كافرون}؛ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشَّقاء الدائم والحسرة الملازمة؟!

{56}{ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم}: قصدهم في حلفهم هذا أنهم {قومٌ يَفۡرَقون}؛ أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبيِّنوا أحوالهم، فيخافون إن أظهروا حالهم منكم ويخافون أن تتبرَّؤوا منهم فيتخطَّفهم الأعداء من كل جانب، وأما حال قويِّ القلب ثابت الجنان؛ فإنه يحمله ذلك على بيان حاله حسنةً كانت أو سيئةً، ولكن المنافقين خُلِعَ عليهم خِلْعةُ الجبن، وحُلُّوا بحِلْيَةِ الكذب.

{57} ثم ذكر شدَّة جبنهم، فقال:{لو يجدون ملجأ}: يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، {أو مغاراتٍ}: يدخلونها فيستقرُّون فيها، {أو مدخلاً}؛ أي: محلاًّ يدخلونه فيتحصَّنون فيه، {لَوَلَّوا إليه وهم يَجۡمحون}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ فليس لهم مَلَكة يقتدرون بها على الثبات.

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

{55} يقول تعالى: فلا تعجبْك أموالُ هؤلاء المنافقين ولا أولادُهم؛ فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدَّموها على مراضي ربِّهم وعصوا الله لأجلها. {إنَّما يريد الله ليعذِّبَهم بها في الحياة الدُّنيا}: والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم من المشقَّة في تحصيلها والسعي الشديد في ذلك وهمِّ القلب فيها وتعب البدن؛ فلو قابلت لَذَّاتهم فيها بمشقَّاتهم؛ لم يكن لها نسبة إليها؛ فهي لَمَّا ألهتهم عن الله وذكره؛ صارت وبالاً عليهم حتى في الدنيا، ومن وبالها العظيم الخطر أنَّ قلوبهم تتعلَّق بها وإراداتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبِهم وغاية مرغوبِهم، ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيبٌ، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا، {وَتَزۡهَقَ أنفسُهُم وهم كافرون}؛ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشَّقاء الدائم والحسرة الملازمة؟!

{56}{ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم}: قصدهم في حلفهم هذا أنهم {قومٌ يَفۡرَقون}؛ أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبيِّنوا أحوالهم، فيخافون إن أظهروا حالهم منكم ويخافون أن تتبرَّؤوا منهم فيتخطَّفهم الأعداء من كل جانب، وأما حال قويِّ القلب ثابت الجنان؛ فإنه يحمله ذلك على بيان حاله حسنةً كانت أو سيئةً، ولكن المنافقين خُلِعَ عليهم خِلْعةُ الجبن، وحُلُّوا بحِلْيَةِ الكذب.

{57} ثم ذكر شدَّة جبنهم، فقال:{لو يجدون ملجأ}: يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، {أو مغاراتٍ}: يدخلونها فيستقرُّون فيها، {أو مدخلاً}؛ أي: محلاًّ يدخلونه فيتحصَّنون فيه، {لَوَلَّوا إليه وهم يَجۡمحون}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ فليس لهم مَلَكة يقتدرون بها على الثبات.

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

{55} يقول تعالى: فلا تعجبْك أموالُ هؤلاء المنافقين ولا أولادُهم؛ فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدَّموها على مراضي ربِّهم وعصوا الله لأجلها. {إنَّما يريد الله ليعذِّبَهم بها في الحياة الدُّنيا}: والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم من المشقَّة في تحصيلها والسعي الشديد في ذلك وهمِّ القلب فيها وتعب البدن؛ فلو قابلت لَذَّاتهم فيها بمشقَّاتهم؛ لم يكن لها نسبة إليها؛ فهي لَمَّا ألهتهم عن الله وذكره؛ صارت وبالاً عليهم حتى في الدنيا، ومن وبالها العظيم الخطر أنَّ قلوبهم تتعلَّق بها وإراداتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبِهم وغاية مرغوبِهم، ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيبٌ، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا، {وَتَزۡهَقَ أنفسُهُم وهم كافرون}؛ فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشَّقاء الدائم والحسرة الملازمة؟!

{56}{ويحلفون بالله إنَّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم}: قصدهم في حلفهم هذا أنهم {قومٌ يَفۡرَقون}؛ أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبيِّنوا أحوالهم، فيخافون إن أظهروا حالهم منكم ويخافون أن تتبرَّؤوا منهم فيتخطَّفهم الأعداء من كل جانب، وأما حال قويِّ القلب ثابت الجنان؛ فإنه يحمله ذلك على بيان حاله حسنةً كانت أو سيئةً، ولكن المنافقين خُلِعَ عليهم خِلْعةُ الجبن، وحُلُّوا بحِلْيَةِ الكذب.

{57} ثم ذكر شدَّة جبنهم، فقال:{لو يجدون ملجأ}: يلجؤون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، {أو مغاراتٍ}: يدخلونها فيستقرُّون فيها، {أو مدخلاً}؛ أي: محلاًّ يدخلونه فيتحصَّنون فيه، {لَوَلَّوا إليه وهم يَجۡمحون}؛ أي: يسرعون ويُهْرَعون؛ فليس لهم مَلَكة يقتدرون بها على الثبات.

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

{58} أي: ومن هؤلاء المنافقين مَن يَعيبك في قسمة الصَّدقات وينتقد عليك فيها، وليس انتقادُهم فيها وعيبُهم لقصدٍ صحيح ولا لرأي رجيح، وإنَّما مقصودُهم أن يُعْطَوا منها. {فإنۡ أُعۡطوا منها رَضُوا وإن لم يُعۡطَوۡا منها إذا هم يسخطونَ}: وهذه حالةٌ لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه تابعاً لهوى نفسه الدنيويِّ وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون [هواه تبعاً] لمرضاة ربِّه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى يكون هواهُ تَبَعاً لما جئت به».

{59} وقال هنا: {ولو أنَّهم رَضوا ما آتاهم الله ورسولُه}؛ أي: أعطاهم من قليل وكثيرٍ، {وقالوا حسبُنا الله}؛ أي: كافينا الله فنرضى بما قَسَمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا:{سيؤتينا الله من فضلِهِ ورسولُهُ إنَّا إلى الله راغبون}؛ أي: متضرِّعون في جلب منافعنا ودفع مضارِّنا؛ [لسلموا من النفاق، ولهدوا إلى الإيمانِ والأحوالِ العاليةِ].

ثم بيَّن تعالى كيفيَّة قسمة الصدقات الواجبة فقال:

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

{58} أي: ومن هؤلاء المنافقين مَن يَعيبك في قسمة الصَّدقات وينتقد عليك فيها، وليس انتقادُهم فيها وعيبُهم لقصدٍ صحيح ولا لرأي رجيح، وإنَّما مقصودُهم أن يُعْطَوا منها. {فإنۡ أُعۡطوا منها رَضُوا وإن لم يُعۡطَوۡا منها إذا هم يسخطونَ}: وهذه حالةٌ لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه تابعاً لهوى نفسه الدنيويِّ وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون [هواه تبعاً] لمرضاة ربِّه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى يكون هواهُ تَبَعاً لما جئت به».

{59} وقال هنا: {ولو أنَّهم رَضوا ما آتاهم الله ورسولُه}؛ أي: أعطاهم من قليل وكثيرٍ، {وقالوا حسبُنا الله}؛ أي: كافينا الله فنرضى بما قَسَمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا:{سيؤتينا الله من فضلِهِ ورسولُهُ إنَّا إلى الله راغبون}؛ أي: متضرِّعون في جلب منافعنا ودفع مضارِّنا؛ [لسلموا من النفاق، ولهدوا إلى الإيمانِ والأحوالِ العاليةِ].

ثم بيَّن تعالى كيفيَّة قسمة الصدقات الواجبة فقال:

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

{60} يقول تعالى: {إنَّما الصدقات}؛ أي: الزكوات الواجبة، بدليل أن الصَّدقة المستحبَّة لكل أحدٍ لا يخصُّ بها أحدٌ دون أحدٍ؛ [أي]: {إنَّما الصَّدقات}: لهؤلاء المذكورين دون مَنْ عداهم؛ لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف:

الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم في هذا الموضع صنفان متفاوتان؛ فالفقير أشدُّ حاجةً من المسكين؛ لأنَّ الله بدأ بهم، ولا يُبدأ إلا بالأهمِّ فالأهمِّ؛ فَفُسِّرَ الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً أو يجد بعض كفايته دون نصفها، والمسكين الذي يجد نصفها فأكثر، ولا يجد تمام كفايته؛ لأنَه لو وجدها؛ لكان غنيًّا، فيعطَون من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم.

والثالث: العاملون على الزكاة، وهم كلُّ من له عملٌ وشغل فيها من حافظٍ لها و جابٍ لها من أهلها أو راعٍ أو حاملٍ لها أو كاتبٍ أو نحو ذلك، فيعطَوْن لأجل عمالتهم، وهي أجرة لأعمالهم فيها.

والرابع: المؤلَّفة قلوبهم، والمؤلَّف قلبُه هو السيد المطاع في قومه ممَّن يُرجَى إسلامه أو يُخشى شرُّه أو يُرجى بعطيَّته قوة إيمانه أو إسلام نظيرِهِ أو جبايتها ممَّن لا يعطيها، فيُعطى ما يحصُلُ به التأليف والمصلحة.

الخامس: الرقاب، وهم المكاتَبون الذين قد اشتروا أنفسَهم من ساداتهم؛ فهم يسعَوْن في تحصيل ما يفكُّ رقابَهم، فيعانون على ذلك من الزكاة. وفكُّ الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخلٌ في هذا، بل أولى. ويدخل في هذا أنَّه يجوز أن يعتق [منها] الرقاب استقلالاً؛ لدخوله في قوله:{وفي الرِّقاب}.

السادس: الغارمون، وهم قسمان: أحدهما: الغارمون لإصلاح ذات البين، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شرٌّ وفتنةٌ، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذُلُه لأحدهم أو لهم كلّهم، فُجِعلَ له نصيبٌ من الزكاة؛ ليكون أنشط له وأقوى لعزمِهِ، فيُعْطى ولو كان غنيًّا. والثاني: من غَرِمَ لنفسه ثم أعسر؛ فإنَّه يُعطى ما يُوفي به دينَه.

والسابع: الغازي في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوِّعة الذين لا ديوان لهم، فيُعْطَوْن من الزكاة ما يُعينهم على غزوهم من ثمن سلاح أو دابَّةٍ أو نفقة له ولعياله؛ ليتوفَّر على الجهاد ويطمئنَّ قلبُه، وقال كثير من الفقهاء: إن تفرَّغ القادر على الكسب لطلب العلم؛ أعطي من الزكاة؛ لأنَّ العلم داخلٌ في الجهاد في سبيل الله. وقالوا أيضاً: يجوز أن يُعطى منها الفقير لحجِّ فرضِهِ. وفيه نظر.

والثامن: ابن السبيل، وهو الغريب المنقطَعُ به في غير بلده، فيُعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده. فهؤلاء الأصناف الثمانية الذين تُدفع إليهم الزكاة وحدهم. {فريضةً من الله}: فرضها وقدَّرها تابعةً لعلمه وحكمه، {والله عليمٌ حكيمٌ}.

واعلم أن هذه الأصناف الثمانية ترجع إلى أمرين: أحدهما: مَنْ يُعطى لحاجته ونفعه؛ كالفقير والمسكين ونحوهما. والثاني: من يعطى للحاجة إليه وانتفاع الإسلام به.

فأوجب الله هذه الحصَّة في أموال الأغنياء لسدِّ الحاجات الخاصَّة والعامَّة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعيِّ؛ لم يبقَ فقيرٌ من المسلمين، ولحصلَ من الأموال ما يسدُّ الثغور، ويجاهَدُ به الكفارُ، وتحصُلُ به جميع المصالح الدينية.

Commentary: Al-Siraj fi Bayan Gharib al-Qur'an by Muhammad al-Khudayri. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.