Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

صفحة ١٧٢

(سُورَةُ التَّوْبَةِ)

مَدَنِيَّةٌ، إلّا الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ فَمَكِّيَّتانِ

وآياتُها ”١٢٩“ نَزَلَتْ بَعْدَ المائِدَةِ

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَها عِدَّةُ أسْماءٍ: بَراءَةُ، والتَّوْبَةُ، والمُقَشْقِشَةُ، والمُبَعْثِرَةُ، والمُشَرِّدَةُ، والمُخْزِيَةُ، والفاضِحَةُ، والمُثِيرَةُ، والحافِرَةُ، والمُنَكِّلَةُ، والمُدَمْدِمَةُ، وسُورَةُ العَذابِ، قالَ: لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، وتُبَعْثِرُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتَبْحَثُ عَنْها، وتُثِيرُها، وتَحْفِرُ عَنْها، وتَفْضَحُهم، وتُنَكِّلُ بِهِمْ، وتُشَرِّدُهم وتُخْزِيهِمْ، وتُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ، وعَنْ حُذَيْفَةَ: إنَّكم تُسَمُّونَها سُورَةَ التَّوْبَةِ، واللَّهِ ما تَرَكَتْ أحَدًا إلّا نالَتْ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: إنَّها الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ فِيهِمْ وتَنالُ مِنهم حَتّى خَشِينا أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وسُورَةُ الأنْفالِ نَزَلَتْ في بَدْرٍ، وسُورَةُ الحَشْرِ نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في إسْقاطِ التَّسْمِيَةِ مِن أوَّلِها ؟

قُلْنا: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الوَجْهُ الأوَّلُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى سُورَةِ بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ، وإلى سُورَةِ الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما وما فَصَلْتُمْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ فَقالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ يَقُولُ: ”ضَعُوها في مَوْضِعِ كَذا» “ وكانَتْ بَراءَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، فَتُوُفِّيَ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَقُرِنَ بَيْنَهُما، قالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ تالِيَةً لِسُورَةِ الأنْفالِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُرَتَّبٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى ومِن قِبَلِ رَسُولِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ، ولَوْ جَوَّزْنا في بَعْضِ السُّوَرِ أنْ لا يَكُونَ تَرْتِيبُها مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، لَجَوَّزْنا مِثْلَهُ في سائِرِ السُّوَرِ وفي آياتِ السُّورَةِ الواحِدَةِ، وتَجْوِيزُهُ يُطَرِّفُ ما يَقُولُهُ الإمامِيَّةُ مِن تَجْوِيزِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في القُرْآنِ. وذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِن كَوْنِهِ حُجَّةً، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِوَضْعِ هَذِهِ السُّورَةِ، بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ وحْيًا، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَفَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وحْيًا.

الوَجْهُ الثّانِي: في هَذا البابِ ما يُرْوى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما تَوَهَّمُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ، وفي بَراءَةَ نَبْذَ العُهُودِ، فَوُضِعَتْ إحْداهُما بِجَنْبِ الأُخْرى، والسُّؤالُ المَذْكُورُ عائِدٌ هَهُنا؛ لِأنَّ هَذا الوَجْهَ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا: إنَّهم إنَّما وضَعُوا هَذِهِ السُّورَةَ بَعْدَ الأنْفالِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لِهَذِهِ العِلَّةِ.

صفحة ١٧٣

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في أنَّ سُورَةَ الأنْفالِ وسُورَةَ التَّوْبَةِ سُورَةٌ واحِدَةٌ أمْ سُورَتانِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما نَزَلَتْ في القِتالِ ومَجْمُوعُهُما هَذِهِ السُّورَةُ السّابِعَةُ مِنَ الطِّوالِ وهي سَبْعٌ، وما بَعْدَها المِئُونَ. وهَذا قَوْلٌ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مَعًا مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ، فَهُما بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ واحِدَةٍ. ومِنهم …

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: أصْلُ السِّياحَةِ الضَّرْبُ في الأرْضِ والِاتِّساعُ في السَّيْرِ والبُعْدُ عَنِ المُدُنِ ومَوْضِعِ العِمارَةِ مَعَ الإقْلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، يُقالُ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّهُ يُشْبِهُ السّائِحَ لِتَرْكِهِ المَطْعَمَ والمَشْرَبَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ يَعْنِي اذْهَبُوا فِيها كَيْفَ شِئْتُمْ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الأمْرِ، بَلِ المَقْصُودُ الإباحَةُ والإطْلاقُ والإعْلامُ بِحُصُولِ الأمانِ وإزالَةِ الخَوْفِ، يَعْنِي أنْتُمْ آمِنُونَ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ في هَذِهِ المُدَّةِ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَأْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَمَن كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَطَّهُ إلى الأرْبَعَةِ، ومَن كانَتْ مُدَّتُهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ رَفَعَهُ إلى الأرْبَعَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الإعْلامِ أُمُورٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَتَفَكَّرُوا لِأنْفُسِهِمْ ويَحْتاطُوا في هَذا الأمْرِ، ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ إلّا أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا الإسْلامُ أوْ قَبُولُ الجِزْيَةِ أوِ السَّيْفُ، فَيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى قَبُولِ الإسْلامِ ظاهِرًا.

والثّانِي: لِئَلّا يُنْسَبَ المُسْلِمُونَ إلى نَكْثِ العَهْدِ.

والثّالِثُ: أرادَ اللَّهُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ بِالجِهادِ، فَعَمَّ الكُلَّ بِالبَراءَةِ وأجَّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وذَلِكَ لِقُوَّةِ الإسْلامِ وتَخْوِيفِ الكُفّارِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِنَقْضِ العُهُودِ.

والرّابِعُ: أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ يَحُجَّ في السَّنَةِ الآتِيَةِ، فَأمَرَ بِإظْهارِ هَذِهِ البَراءَةِ لِئَلّا يُشاهِدَ العُراةَ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا﴾ القَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ والتَّقْدِيرُ: فَقُلْ لَهم سِيحُوا أوْ يَكُونُ هَذا رُجُوعًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٢١ - ٢٢] .

البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ بَراءَةَ نَزَلَتْ في شَوّالٍ، وهي أرْبَعَةُ

صفحة ١٧٦

أشْهُرٍ: شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وقِيلَ: هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وصَفَرُ، ورَبِيعٌ الأوَّلُ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، وإنَّما سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَحْرُمُ فِيها القَتْلُ والقِتالُ، فَهَذِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ لَمّا حُرِّمَ القَتْلُ والقِتالُ فِيها كانَتْ حُرُمًا، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أقْسامِ هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّ عِشْرِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ مَعَ المُحَرَّمِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ.

وقِيلَ: ابْتِداءُ تِلْكَ المُدَّةِ كانَ مِن عَشْرِ ذِي القِعْدَةِ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِسَبَبِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ وهي حَجَّةُ الوَداعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» “ .

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ ولُطْفٍ لِيَتُوبَ مَن تابَ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَسِيحُوا عالِمِينَ …

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ، مَخْصُوصَةٌ بِالمُشْرِكِينَ، وقَوْلَهُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى تامَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وهي عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْرِفَهُ المُؤْمِنُ والمُشْرِكُ مِن حَيْثُ كانَ الحُكْمُ المُتَعَلِّقُ بِذَلِكَ يَلْزَمُهُما جَمِيعًا، فَيَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَعْرِفُوا الوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ القِتالُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الإعْلامِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو الجَمْعُ الأعْظَمُ لِيَصِلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى الكُلِّ ويَشْتَهِرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأذانُ الإعْلامُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ آذَنْتُهُ أُوذِنُهُ إيذانًا، فالأذانُ اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الإيذانِ، وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، ومِنهُ أذانُ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ أذانٌ صادِرٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، واصِلٌ إلى النّاسِ، كَقَوْلِكَ: إعْلامٌ صادِرٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وهو قَوْلُ

صفحة ١٧٧

عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ورِوايَةٌ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو أنَّهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في رِوايَةِ عَطاءٍ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ وأحَدُ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، وقَوْلُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والقَوْلُ الثّالِثُ ما رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنى كُلُّها، وهو مَذْهَبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وكانَ يَقُولُ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُهُ كُلُّها، ويَقُولُ: يَوْمُ صِفِّينَ، ويَوْمُ الجَمَلِ يُرادُ بِهِ الحِينُ والزَّمانُ؛ لِأنَّ كُلَّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا كَثِيرَةً.

حُجَّةُ مَن قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ ولِأنَّ أعْظَمَ أعْمالِ الحَجِّ هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ مَن أدْرَكَهُ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في هَذا اليَوْمِ، وحُجَّةُ مَن قالَ إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، هي أنَّ أعْمالَ الحَجِّ إنَّما تَتِمُّ في هَذا اليَوْمِ، وهي الطَّوافُ والنَّحْرُ والحَلْقُ والرَّمْيُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا أخَذَ بِلِجامِ دابَّتِهِ فَقالَ: ما الحَجُّ الأكْبَرُ ؟ قالَ: يَوْمُكَ هَذا، خَلِّ عَنْ دابَّتِي، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَقالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: المُرادُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الأيّامِ …

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

هَذا الِاسْتِثْناءُ إلى أيِّ شَيْءٍ عادَ ؟ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ إلّا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ.

والثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ .

والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى المُحارَبَةِ بِأنْفُسِهِمْ، ومِنَ الثّانِي أنْ يُهَيِّجُوا أقْوامًا آخَرِينَ ويَنْصُرُوهم ويُرَغِّبُوهم في الحَرْبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ ما غَدَرُوا مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، ولا تَجْعَلُوا الوافِينَ كالغادِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوهُ إلَيْهِمْ تامًّا كامِلًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ فَأتَمَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم،﴿إنَّ اللَّهَ﴾

صفحة ١٧٩

﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ لَمّا أنِفُوا النَّكْثَ ونَقْضَ العَهْدِ، اسْتَحَقُّوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُصانَ عَهْدُهم أيْضًا عَنِ النَّقْضِ والنَّكْثِ، رُوِيَ أنَّهُ «عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى بَنِي خُزاعَةَ في حالِ غَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ وظاهَرَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، حَتّى وفَدَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ الخُزاعِيُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأنْشَدَهُ:

اللَّهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا

حِلْفَ أبِينا وأبِيكَ الأتْلَدا

إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا

ونَقَضُوا ذِمامَكَ المُؤَكَّدا

هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ هُجَّدا

وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكُمْ“» وقُرِئَ ”لَمْ يَنْقُضُوكم“ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم.

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلَخْتُ الشَّهْرَ إذا خَرَجْتَ مِنهُ، وكَشَفَ أبُو الهَيْثَمِ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا، أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا، حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا، وأنْشَدَ:

إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهْلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي

وأقُولُ: تَمامُ البَيانِ فِيهِ أنَّ الزَّمانَ مُحِيطٌ بِالشَّيْءِ وظَرْفٌ لَهُ، كَما أنَّ المَكانَ مُحِيطٌ بِهِ وظَرْفٌ لَهُ ومَكانُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ الباطِنِ مِنَ الجِسْمِ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ، ومِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ فَإذا انْسَلَخَ الشَّيْءُ مِن جِلْدِهِ فَقَدِ انْفَصَلَ مِنَ السَّطْحِ الباطِنِ مِن ذَلِكَ الجِلْدِ وذَلِكَ السَّطْحِ، وهو مَكانُهُ في الحَقِيقَةِ فَكَذَلِكَ إذا تَمَّ الشَّهْرُ فَقَدِ انْفَصَلَ عَنْ إحاطَةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ بِهِ، ودَخَلَ في شَهْرٍ آخَرَ، والسَّلْخُ اسْمٌ لِانْفِصالِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ المُعَيَّنِ، فَجُعِلَ أيْضًا اسْمًا لِانْفِصالِهِ عَنْ زَمانِهِ المُعَيَّنِ، لِما بَيْنَ المَكانِ والزَّمانِ مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأمّا الأشْهُرُ الحُرُمُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ وهي يَوْمُ النَّحْرِ إلى العاشِرِ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، والمُرادُ مِن كَوْنِها حُرُمًا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَتْلَ والقِتالَ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أذِنَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٨٩] وذَلِكَ أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، في أيِّ وقْتٍ، وأيِّ مَكانٍ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيْ بِالأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ.

صفحة ١٨٠

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ مَعْنى الحَصْرِ المَنعُ مِنَ الخُرُوجِ مِن مُحِيطٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم، وقالَ الفَرّاءُ: حَصْرُهم أنْ يُمْنَعُوا مِنَ البَيْتِ الحَرامِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ والمَرْصَدُ المَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ العَدُوُّ مِن قَوْلِهِمْ: رَصَدْتُ فُلانًا أرْصُدُهُ إذا تَرَقَّبْتُهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ طَرِيقٍ يَأْخُذُونَ فِيهِ إلى البَيْتِ أوْ إلى الصَّحْراءِ أوْ إلى التِّجارَةِ، قالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يُقْتَلُ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أباحَ دِماءَ الكُفّارِ مُطْلَقًا بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، ثُمَّ حَرَّمَها عِنْدَ مَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وهي التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ، وإقامَةُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، فَعِنْدَما لَمْ يُوجَدُ هَذا المَجْمُوعُ، وجَبَ أنْ يَبْقى إباحَةُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ.

فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ …

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: إنْ أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: ”لا“ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ: أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ قَتْلَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كَفى في إزاحَةِ عُذْرِهِمْ وعِلَّتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَوْ طَلَبَ الدَّلِيلَ والحُجَّةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، بَلْ يُطالَبُ إمّا بِالإسْلامِ وإمّا بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا الكَلامُ واقِعًا في القَلْبِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ الكافِرَ إذا جاءَ طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلِيلِ، أوْ جاءَ طالِبًا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يَجِبُ إمْهالُهُ ويَحْرُمُ قَتْلُهُ ويَجِبُ إيصالُهُ إلى مَأْمَنِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ القَتْلِ قَبُولُ الدِّينِ والإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ في دِينِ اللَّهِ أعْلى المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ، فَإنَّ الكافِرَ الَّذِي صارَ دَمُهُ مُهْدَرًا لَمّا أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ طالِبًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ زالَ ذَلِكَ الإهْدارُ، ووَجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ”إنْ“ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ لا يَدْخُلُ عَلى غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْتُمْ فَما الحِكْمَةُ في تَرْكِ هَذا التَّرْتِيبِ الحَقِيقِيِّ ؟

قُلْنا: الحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وقَدْ بَيَّنّا هَهُنا أنَّ ظاهِرَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي إباحَةَ دَمِ المُشْرِكِينَ، فَقُدِّمَ ذِكْرُهُ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِصَوْنِ دَمِهِ عَنِ الإهْدارِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ طَلَبَ مِنكَ أحَدٌ مِنهم أنْ تُجِيرَهُ مِنَ القَتْلِ إلى أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لا تَكُونُ قَدِيمَةً؛ لِأنَّ تَكَلُّمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعًا أوْ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنْ تَكَلَّمَ بِها مَعًا لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ هَذا الكَلامُ المُنْتَظِمُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يَحْصُلُ مُنْتَظِمًا إلّا عِنْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ في الوُجُودِ …

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: إنْ أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: ”لا“ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ: أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ قَتْلَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كَفى في إزاحَةِ عُذْرِهِمْ وعِلَّتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَوْ طَلَبَ الدَّلِيلَ والحُجَّةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، بَلْ يُطالَبُ إمّا بِالإسْلامِ وإمّا بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا الكَلامُ واقِعًا في القَلْبِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ الكافِرَ إذا جاءَ طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلِيلِ، أوْ جاءَ طالِبًا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يَجِبُ إمْهالُهُ ويَحْرُمُ قَتْلُهُ ويَجِبُ إيصالُهُ إلى مَأْمَنِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ القَتْلِ قَبُولُ الدِّينِ والإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ في دِينِ اللَّهِ أعْلى المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ، فَإنَّ الكافِرَ الَّذِي صارَ دَمُهُ مُهْدَرًا لَمّا أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ طالِبًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ زالَ ذَلِكَ الإهْدارُ، ووَجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ”إنْ“ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ لا يَدْخُلُ عَلى غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْتُمْ فَما الحِكْمَةُ في تَرْكِ هَذا التَّرْتِيبِ الحَقِيقِيِّ ؟

قُلْنا: الحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وقَدْ بَيَّنّا هَهُنا أنَّ ظاهِرَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي إباحَةَ دَمِ المُشْرِكِينَ، فَقُدِّمَ ذِكْرُهُ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِصَوْنِ دَمِهِ عَنِ الإهْدارِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ طَلَبَ مِنكَ أحَدٌ مِنهم أنْ تُجِيرَهُ مِنَ القَتْلِ إلى أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لا تَكُونُ قَدِيمَةً؛ لِأنَّ تَكَلُّمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعًا أوْ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنْ تَكَلَّمَ بِها مَعًا لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ هَذا الكَلامُ المُنْتَظِمُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يَحْصُلُ مُنْتَظِمًا إلّا عِنْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ في الوُجُودِ …

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ:

صفحة ١٨٤

ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ:

وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

يَعْنِي العَهْدَ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ:

لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ

يَعْنِي القَرابَةَ.

والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ:

لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ

يَعْنِي الحِلْفَ.

والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ …

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ:

صفحة ١٨٤

ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ:

وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

يَعْنِي العَهْدَ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ:

لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ

يَعْنِي القَرابَةَ.

والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ:

لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ

يَعْنِي الحِلْفَ.

والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ …

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ:

صفحة ١٨٤

ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ:

وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

يَعْنِي العَهْدَ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ:

لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ

يَعْنِي القَرابَةَ.

والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ:

لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ

يَعْنِي الحِلْفَ.

والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.