Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن كَيْدِ المُنافِقِينَ ومِن خُبْثِ بَواطِنِهِمْ، والمَعْنى: إنْ تُصِبْكَ في بَعْضِ الغَزَواتِ حَسَنَةٌ؛ سَواءً كانَ ظَفَرًا، أوْ كانَ غَنِيمَةً، أوْ كانَ انْقِيادًا لِبَعْضِ مُلُوكِ الأطْرافِ، يَسُؤْهم ذَلِكَ، وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ؛ مِن نَكْبَةٍ وشِدَّةٍ ومُصِيبَةٍ ومَكْرُوهٍ يَفْرَحُوا بِهِ، ويَقُولُوا: قَدْ أخَذْنا أمْرَنا الَّذِي نَحْنُ مَشْهُورُونَ بِهِ، وهو الحَذَرُ والتَّيَقُّظُ والعَمَلُ بِالحَزْمِ،﴿مِن قَبْلُ﴾ . أيْ: قَبْلَ ما وقَعَ، وتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحَدُّثِ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهالِيهِمْ، وهم فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَةَ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةَ في يَوْمِ أُحُدٍ. فَإنْ ثَبَتَ بِخَبَرٍ أنَّ هَذا هو المُرادُ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإلّا فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ حَسَنَةٍ، وعَلى كُلِّ مُصِيبَةٍ؛ إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنَّهم في كُلِّ حَسَنَةٍ وعِنْدَ كُلِّ مُصِيبَةٍ بِالوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المَعْنى أنَّهُ لَنْ يُصِيبَنا خَيْرٌ ولا شَرٌّ، ولا خَوْفٌ ولا رَجاءٌ، ولا شِدَّةٌ ولا رَخاءٌ، إلّا وهو

صفحة ٦٩

مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، وكَوْنُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ مَقْضِيًّا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ لا يَتَرَجَّحُ إلّا بِتَرْجِيحِ الواجِبِ، والمُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ قَضاءَ اللَّهِ شامِلٌ لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، وأنَّ تَغَيُّرَ الشَّيْءِ عَمّا قَضى اللَّهُ بِهِ مُحالٌ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ يَمْتَنِعُ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ لِنَفْسِهِ؛ فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ إلى تَرْجِيحِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وما سِواهُ فَواجِبٌ بِإيجادِهِ وتَأْثِيرِهِ وتَكْوِينِهِ. ولِهَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَتَبَ جَمِيعَ الأحْوالِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَقَدْ عَلِمَها وحَكَمَ بِها، فَلَوْ وقَعَ الأمْرُ بِخِلافِها لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا والحُكْمِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وقَدْ أطْنَبْنا في شَرْحِ هَذِهِ المُناظَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ في فَرَحِهِمْ بِحُزْنِهِ ومَكارِهِهِ، فَأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا المَذْهَبِ بِذَلِكَ ؟

قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن عَلِمَ سِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ فَإنَّهُ إذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ الَّذِي وقَعَ امْتَنَعَ أنْ لا يَقَعَ، زالَتِ المُنازَعَةُ عَنِ النَّفْسِ، وحَصَلَ الرِّضا بِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لَنْ …

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ فَرَحِ المُنافِقِينَ بِمَصائِبِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا ذَهَبَ إلى الغَزْوِ، فَإنْ صارَ مَغْلُوبًا مَقْتُولًا فازَ بِالِاسْمِ الحَسَنِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلشُّهَداءِ في الآخِرَةِ، وإنْ صارَ غالِبًا فازَ في الدُّنْيا بِالمالِ الحَلالِ والِاسْمِ الجَمِيلِ، وهي الرُّجُولِيَّةُ والشَّوْكَةُ والقُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ العَظِيمِ. وأمّا المُنافِقُ إذا قَعَدَ في بَيْتِهِ فَهو في الحالِ قَعَدَ في بَيْتِهِ مَذْمُومًا، مَنسُوبًا إلى الجُبْنِ والفَشَلِ وضَعْفِ القَلْبِ والقَناعَةِ بِالأُمُورِ الخَسِيسَةِ مِنَ الدُّنْيا، عَلى وجْهٍ يُشارِكُهُ فِيها النِّسْوانُ والصِّبْيانُ والعاجِزُونَ مِنَ النِّساءِ، ثُمَّ يَكُونُونَ أبَدًا خائِفِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ إنْ ماتُوا فَقَدِ انْتَقَلُوا إلى العَذابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وإنْ أذِنَ اللَّهُ في قَتْلِهِمْ وقَعُوا في القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وانْتَقَلُوا مِنَ الدُّنْيا إلى عَذابِ النّارِ، فالمُنافِقُ لا يَتَرَبَّصُ بِالمُؤْمِنِ إلّا إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والشَّرَفِ، والمُسْلِمُ يَتَرَبَّصُ بِالمُنافِقِ إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أعْنِي البَقاءَ في الدُّنْيا مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ والهَوانِ، ثُمَّ الِانْتِقالَ إلى عَذابِ القِيامَةِ، والوُقُوعُ في القَتْلِ والنَّهْبِ مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ في غايَةِ الخَساسَةِ والدَّناءَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بِنا إحْدى الحالَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ وُقُوعَكم في إحْدى الحالَتَيْنِ الخَسِيسَتَيْنِ النّازِلَتَيْنِ.

قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِفُلانٍ الدَّوائِرَ، إذا كانَ يَنْتَظِرُ وُقُوعَ مَكْرُوهٍ بِهِ، وهَذا قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: التَّرَبُّصُ: التَّمَسُّكُ بِما يُنْتَظَرُ بِهِ مَجِيءُ حِينِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِالطَّعامِ إذا تَمَسَّكَ بِهِ إلى حِينِ زِيادَةِ سِعْرِهِ. والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ قِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ: بِعَذابٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ بِأيْدِينا بِأنْ يَأْذَنَ لَنا في قَتْلِكم. وقِيلَ: بِعَذابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَناوَلُ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ بِأيْدِينا القَتْلُ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَحِلُّ قَتْلُهم مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ، فَكَيْفَ يَقُولُ تَعالى ذَلِكَ ؟

قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِأيْدِينا إنْ ظَهَرَ نِفاقُكم؛ لِأنَّ نِفاقَهم إذا ظَهَرَ كانُوا كَسائِرِ المُشْرِكِينَ في كَوْنِهِمْ حَرْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وإنْ كانَ بِصِيغَةِ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . واللَّهُ أعْلَمُ.

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .

صفحة ٧١

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي العَذابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم وإنْ أتَوْا بِشَيْءٍ مِن أعْمالِ البِرِّ فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أسْبابَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُجْتَمِعَةٌ في حَقِّهِمْ، وأنَّ أسْبابَ الرّاحَةِ والخَيْرِ زائِلَةٌ عَنْهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ هَهُنا، وفي النِّساءِ والأحْقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ مِنَ المَشَقَّةِ، وفي النِّساءِ والتَّوْبَةِ بِالفَتْحِ مِنَ الإكْراهِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الكافِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ ما أُكْرِهْتَ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، وهَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا إلّا أنَّ الحُكَمَ عامٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ أمْرٍ، إلّا أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ. والمَعْنى: سَواءٌ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنكم.

واعْلَمْ أنَّ الخَبَرَ والأمْرَ يَتَقارَبانِ، فَيَحْسُنُ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ. أمّا إقامَةُ الأمْرِ مَقامَ الخَبَرِ فَكَما هَهُنا، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] . وأمّا إقامَةُ الخَبَرِ مَقامَ الأمْرِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٨٨] . وقالَ كُثَيِّرٌ:

أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ

وقَوْلُهُ: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يُرِيدُ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ. وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مُكْرَهِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وسَمّى الإلْزامَ إكْراهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَكانَ إلْزامُ اللَّهِ إيّاهُمُ الإنْفاقَ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم؛ لِأنَّ رُؤَساءَ أهْلِ النِّفاقِ كانُوا يَحْمِلُونَ الِاتِّباعَ عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ أوْ مُكْرَهِينَ مِن جِهَتِهِمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَتَقَبَّلُ تِلْكَ الأمْوالَ مِنهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ نَفَقَتَهم لا تُقْبَلُ البَتَّةَ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، ومَعْنى التَّقَبُّلِ هو الثَّوابُ والمَدْحُ، وإذا لَمْ يُتَقَبَّلْ ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثَوابَ ولا مَدْحَ، فَلَمّا عَلَّلَ ذَلِكَ بِالفِسْقِ دَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ …

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْفِسْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِسْقٌ في هَذا المَنعِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ عَلى ما لَخَّصْناهُ وبَيَّنّاهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنعَ القَبُولِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَدَمُ الإتْيانِ بِالصَّلاةِ إلّا عَلى وجْهِ الكَسَلِ، والإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ الكَراهِيَةِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكُفْرُ بِاللَّهِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في المَنعِ مِنَ القَبُولِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إسْنادُ هَذا الحُكَمِ إلى السَّبَبَيْنِ الباقِيَيْنِ ؟

وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، أمّا عِنْدَنا فَإنَّ شَيْئًا مِنَ الأفْعالِ لا يُوجِبُ ثَوابًا ولا عِقابًا البَتَّةَ، وإنَّما هي مُعَرِّفاتٌ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مُحالٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ في هَذِهِ الأحْكامِ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في حَقِّهِمْ، فَلَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُوجِبًا تامًّا لِهَذا الحُكْمِ، لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ أسْبابٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ المَعْلُولَ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَيَلْزَمُ افْتِقارُهُ إلَيْها بِأسْرِها حالَ اسْتِغْنائِهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ هَذِهِ الأفْعالِ مُؤَثِّرَةً في هَذِهِ الأحْكامِ يُفْضِي إلى هَذا المُحالِ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .

قُلْنا: وجَبَ أنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ إلى تَأْثِيرِهِ في تَخْفِيفِ العِقابِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لازِمَةٌ لِلْكافِرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِعْلِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ.

صفحة ٧٣

فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُوجِبُ لِلذَّمِّ لَيْسَ هو تَرْكَ الصَّلاةِ ؟ بَلِ المُوجِبُ لِلذَّمِّ هو الإتْيانُ بِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ جارِيًا مَجْرى سائِرِ تَصَرُّفاتِها مِن قِيامٍ وقُعُودٍ، وكَما لا يَكُونُ قُعُودُهم عَلى وجْهِ الكَسَلِ مانِعًا مِن تَقَبُّلِ طاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ كانَ يَجِبُ في صَلاتِهِمْ لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَضى تَفْسِيرُ الكُسالى في سُورَةِ النِّساءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”كُسالى“ بِالضَّمِّ والفَتْحِ جَمْعُ الكَسْلانِ؛ نَحْوُ سُكارى وحَيارى في سَكْرانَ وحَيْرانَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الكَسَلُ مَعْناهُ أنَّهُ إنْ كانَ في جَماعَةٍ صَلّى، وإنْ كانَ وحْدَهُ لَمْ يُصَلِّ. قالَ المُصَنِّفُ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما أثَّرَ في مَنعِ قَبُولِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى …

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَطَعَ في الآيَةِ الأُولى رَجاءَ المُنافِقِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَظُنُّونَها مِن بابِ المَنافِعِ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَها أسْبابَ تَعْظِيمِهِمْ في الدُّنْيا، وأسْبابَ اجْتِماعِ المِحَنِ والآفاتِ عَلَيْهِمْ، ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَرَفَ أنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ وفَضائِحَ أعْمالِهِمْ، بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ وما لَهم في الدُّنْيا مِن وُجُوهِ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ البَتَّةَ. ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ما يَظُنُّونَ أنَّهُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا فَهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ وبَلائِهِمْ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ

صفحة ٧٤

أنَّ النِّفاقَ جالِبٌ لِجَمِيعِ الآفاتِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومُبْطِلٌ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا وقَفَ الإنْسانُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ عَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ أحْسَنَ مِن هَذا. ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الخِطابُ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَعْجَبُوا بِأمْوالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، ولا بِأوْلادِهِمْ ولا بِسائِرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإعْجابُ: السُّرُورُ بِالشَّيْءِ مَعَ نَوْعِ الِافْتِخارِ بِهِ، ومَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، وهَذِهِ الحالَةُ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْسِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ وانْقِطاعِها عَنِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ في حُكْمِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ ويَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ، والإنْسانُ مَتى كانَ مُتَذَكِّرًا لِهَذا المَعْنى زالَ إعْجابُهُ بِالشَّيْءِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ؛ شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ“» وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «”هَلَكَ المُكْثِرُونَ“»، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”ما لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ“» . وذَكَرَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورَفَعَهُ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”مَن كَثُرَ مالُهُ اشْتَدَّ حِسابُهُ، ومَن كَثُرَ بَيْعُهُ كَثُرَتْ شَياطِينُهُ، ومَنِ ازْدادَ مِنَ السُّلْطانِ قُرْبًا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا“» . والأخْبارُ المُناسِبَةُ لِهَذا البابِ كَثِيرَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها الزَّجْرُ عَنِ الِارْتِكانِ إلى الدُّنْيا، والمَنعُ مِنَ التَّهالُكِ في حُبِّها والِافْتِخارِ بِها.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المَوْجُوداتُ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: الَّذِي يَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، وهو اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، والثّانِي: الَّذِي لا يَكُونُ أزَلِيًّا ولا أبَدِيًّا وهو الدُّنْيا. والثّالِثُ: الَّذِي يَكُونُ أزَلِيًّا ولا يَكُونُ أبَدِيًّا، وهَذا مُحالُ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ …

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ

صفحة ٧٨

المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ

صفحة ٧٨

المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ

صفحة ٧٨

المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وهو طَعْنُهم في الرَّسُولِ بِسَبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ مِنَ الأغْنِياءِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ يُؤْثِرُ بِها مَن يَشاءُ مِن أقارِبِهِ وأهْلِ مَوَدَّتِهِ، ويَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لا يُراعِي العَدْلَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ مالًا إذْ جاءَهُ المِقْدادُ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وهو حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، أصْلُ الخَوارِجِ، فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”ويْلَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟!“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ الكَلْبِيُّ: «قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: أبُو الجَوّاظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَضَعَ الصَّدَقاتِ في الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولَمْ تَضَعْها في رِعاءِ الشّاءِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا أبا لَكَ، أما كانَ مُوسى راعِيًا، أما كانَ داوُدُ راعِيًا“ . فَلَمّا ذَهَبَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”احْذَرُوا هَذا وأصْحابَهُ؛ فَإنَّهم مُنافِقُونَ“» ورَوى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في تَفْسِيرِهِ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِهِ: ”ما عِلْمُكَ بِفُلانٍ ؟“ فَقالَ: ما لِي بِهِ عِلْمٌ إلّا أنَّكَ تُدْنِيهِ في المَجْلِسِ، وتُجْزِلُ لَهُ العَطاءَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهُ مُنافِقٌ أُدارِي عَنْ نِفاقِهِ، وأخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلى غَيْرِهِ“ فَقالَ: لَوْ أعْطَيْتَ فُلانًا بَعْضَ ما تُعْطِيهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهُ مُؤْمِنٌ أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، وأمّا هَذا فَمُنافِقٌ أُدارِيهِ خَوْفَ إفْسادِهِ“» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَلْمِزُكَ﴾ . قالَ اللَّيْثُ: اللَّمْزُ كالهَمْزِ في الوَجْهِ. يُقالُ: رَجُلٌ لُمَزَةٌ يَعِيبُكَ في وجْهِكَ، ورَجُلٌ هُمَزَةٌ يَعِيبُكَ بِالغَيْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ بِالكَسْرِ، وألْمُزُهُ بِضَمِّ المِيمِ إذا عَيَّبْتَهُ، وكَذَلِكَ هَمَزْتُهُ أهْمِزُهُ هَمْزًا إذا عَيَّبْتَهُ، والهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَعِيبُهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّجّاجَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الهَمْزِ واللَّمْزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ الدَّفْعُ. يُقالُ: هَمَزْتُهُ ولَمَزْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ. وفَرَّقَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ بَيْنَهُما، فَقالَ: اللَّمْزُ أنْ يُشِيرَ إلى صاحِبِهِ بِعَيْبِ جَلِيسِهِ، والهَمْزُ: أنْ يَكْسِرَ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ إلى صاحِبِهِ.

صفحة ٧٩

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْمِزُكَ يَغْتابُكَ. وقالَ قَتادَةُ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعِيبُكَ في أمْرٍ ما، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا في الألْفاظِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَعِيبُكَ في تَفْرِيقِ الصَّدَقاتِ. قالَ مَوْلانا العَلّامَةُ الدّاعِي إلى اللَّهِ: لَفْظُ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اللَّمْزَ كانَ لِهَذا السَّبَبِ، إلّا أنَّ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها دَلَّتْ أنَّ سَبَبَ اللَّمْزِ هو ذَلِكَ، ولَوْلا هَذِهِ …

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ واِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا لَمَزُوا الرَّسُولَ ﷺ في الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ، ولا تَعَلُّقَ لِي بِها، ولا آخُذُ لِنَفْسِي نَصِيبًا مِنها، فَلَمْ يَبْقَ لَهم طَعْنٌ في الرَّسُولِ بِسَبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ. وهَهُنا مَقاماتٌ:

المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ الحِكْمَةِ في أخْذِ القَلِيلِ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ، وصَرْفِها إلى المُحْتاجِينَ مِنَ النّاسِ.

والمَقامُ الثّانِي: بَيانُ حالِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ: الحِكْمَةُ في إيجابِ الزَّكاةِ أُمُورٌ، بَعْضُها مَصالِحُ عائِدَةٌ إلى مُعْطِي الزَّكاةِ، وبَعْضُها عائِدَةٌ إلى آخِذِ الزَّكاةِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَهو أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ المالَ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، ولِعَيْنِها لا لِغَيْرِها؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَحْبُوبٌ لِمَعْنًى آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَوَجَبَ الِانْتِهاءُ في الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ إلى ما يَكُونُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ. والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، والنُّقْصانُ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَتِ القُدْرَةُ صِفَةَ كَمالٍ، وصِفَةُ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، كانَتِ القُدْرَةُ مَحْبُوبَةً لِذاتِها، والمالُ سَبَبٌ لِحُصُولِ تِلْكَ القُدْرَةِ، ولِكَمالِها في حَقِّ البَشَرِ فَكانَ أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ في حَقِّ البَشَرِ هو المالَ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ فَهو مَحْبُوبٌ، فَكانَ المالُ مَحْبُوبًا؛ فَهَذا هو السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، إلّا أنَّ الِاسْتِغْراقَ في حُبِّهِ يُذْهِبُ النَّفْسَ عَنْ حُبِّ اللَّهِ وعَنِ التَّأهُّبِ لِلْآخِرَةِ فاقْتَضَتْ

صفحة ٨١

حِكْمَةُ الشَّرْعِ تَكْلِيفَ مالِكِ المالِ بِإخْراجِ طائِفَةٍ مِنهُ مِن يَدِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ الإخْراجُ كَسْرًا مِن شِدَّةِ المَيْلِ إلى المالِ، ومَنعًا مِنِ انْصِرافِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْها وتَنْبِيهًا لَها عَلى أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ لا تَحْصُلُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المالِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِإنْفاقِ المالِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَإيجابُ الزَّكاةِ عِلاجٌ صالِحٌ مُتَعَيِّنٌ؛ لِإزالَةِ مَرَضِ حُبِّ الدُّنْيا عَنِ القَلْبِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . أيْ: تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ كَثْرَةَ المالِ تُوجِبُ شِدَّةَ القُوَّةِ وكَمالَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ المالِ يُوجِبُ تَزايُدَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ القُدْرَةِ يُوجِبُ تَزايُدَ الِالتِذاذِ بِتِلْكَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ تِلْكَ اللَّذّاتِ يَدْعُو الإنْسانَ إلى أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ المالِ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ اللَّذّاتِ المُتَزايِدَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ المَسْألَةُ مَسْألَةَ الدَّوْرِ؛ لِأنَّهُ إذا بالَغَ في السَّعْيِ ازْدادَ المالُ وذَلِكَ يُوجِبُ ازْدِيادَ القُدْرَةِ، وهو يُوجِبُ ازْدِيادَ اللَّذَّةِ، وهو يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى أنْ يَزِيدَ في طَلَبِ المالِ، ولَمّا صارَتِ المَسْألَةُ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.