Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

﴿قُلْ﴾ بَيانًا لِبُطْلانِ ما بَنَوْا عَلَيْهِ مَسَرَّتَهم مِنَ الِاعْتِقادِ ﴿لَنْ يُصِيبَنا﴾ أبَدًا، وقُرِئَ (هَلْ يُصِيبُنا)؟ و(هَلْ يُصَيِّبُنا)؟ مِن فَيْعَلَ لا مِن فَعَلَ؛ لِأنَّهُ واوِيٌّ، يُقالُ: صابَ السَّهْمُ يَصُوبُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الصَّوابِ ﴿إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ: أثْبَتَهُ لِمَصْلَحَتِنا الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ مِنَ النُّصْرَةِ عَلَيْكُمْ، أوِ الشَّهادَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى النَّعِيمِ الدّائِمِ ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا ﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ التَّوَكُّلُ تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ، والرِّضا بِما فَعَلَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ تَرْتِيبِ المَبادِئِ العادِيَّةِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، والأصْلُ: لِيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ عَلى اللَّهِ، قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصِرِ، ثُمَّ أدْخَلَ الفاءَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيجابِهِ تَعالى لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ والجُمْلَةُ إنْ كانَتْ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ فَإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ التَّبَرُّكِ والتَّلَذُّذِ بِهِ، وإنْ كانَتْ مَسُوقَةً مِن قِبَلِهِ تَعالى أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ إثْرَ أمْرِهِ ﷺ بِما ذُكِرَ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وكَذا إعادَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ لِانْقِطاعِ حُكْمِ الأمْرِ الأوَّلِ بِالثّانِي وإنْ كانَ أمْرَ الغائِبِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَهي لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والإشْعارِ بِما بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أُمِرَ بِهِ أوَّلًا مِنَ الفَرْقِ في السِّياقِ، والتَّرَبُّصُ التَّمَكُّثُ مَعَ انْتِظارِ مَجِيءِ شَيْءٍ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وإحْدى التّاءَيْنِ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: ما تَنْتَظِرُونَ بِنا ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ أيِ: العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما هي حُسْنى العَواقِبِ، وهُما النَّصْرُ والشَّهادَةُ، وهَذا نَوْعُ بَيانٍ لِما أُبْهِمَ في الجَوابِ الأوَّلِ، وكَشْفٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ بِإعْلامِ أنَّ ما يَزْعُمُونَهُ مَضَرَّةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّهادَةِ أنْفَعُ مِمّا يَعُدُّونَهُ مَنفَعَةً مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ.

﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحْدى السَّوْأيَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ كَما أصابَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، والظَّرْفُ صِفَةُ (عَذابٍ) ولِذَلِكَ حُذِفَ عامِلُهُ وُجُوبًا أوْ بِعَذابٍ ﴿بِأيْدِينا﴾ وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَرَبَّصُوا بِنا ما هو عاقِبَتُنا ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقِبَتُكُمْ، فَإذا لَقِيَ كُلٌّ مِنّا ومِنكم ما يَتَرَبَّصُهُ لا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا ولا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوؤُكم.

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ أمْوالَكم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الفاعِلِ، أيْ: طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ، وهو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ" والمَعْنى: أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كُرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ونَظْمُ الكَلامِ في سِلْكِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ تَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ، كَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَمْتَحِنُوا الحالَ، فَيُنْفِقُوا عَلى الحالَيْنِ، فَيَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهُمْ، فَيُشاهِدُوا عَدَمَ القَبُولِ، وهو جَوابُ قَوْلِ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي، ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الأخْذِ مِنهُمْ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الإثابَةِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: عاتِينَ مُتَمَرِّدِينَ، تَعْلِيلٌ لِرَدِّ إنْفاقِهِمْ.

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهُمْ﴾ وقُرِئَ بِالتَّحْتانِيَّةِ ﴿نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما مَنَعَهم قَبُولَ نَفَقاتِهِمْ مِنهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا كُفْرُهُمْ، وقُرِئَ (يَقْبَلَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ أيْ: لا يَأْتُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا، ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "طَوْعًا" أيْ: مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن جِهَتِهِ ﷺ لا رَغْبَةً، أوْ هو فَرْضِيٌّ لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ.

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، ووَبالٌ عَلَيْهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ، وما يُقاسُونَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ فَيَمُوتُوا كافِرِينَ مُشْتَغِلِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهم نِقْمَةً لا نِعْمَةً، وأصْلُ الزَّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ.

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ في الدِّينِ والإسْلامِ ﴿وَما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ ﴿وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يَخافُونَ أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً، ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ.

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وأنَّ التِجاءَهم إلى الِانْتِماءِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِلتَّقِيَّةِ اضْطِرارًا، حَتّى إنَّهم لَوْ وجَدُوا غَيْرَ ذَلِكَ مَلْجَأً، أيْ: مَكانًا حَصِينًا يَلْجَؤُونَ إلَيْهِ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، أوْ قَلْعَةٍ، أوْ جَزِيرَةٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ الوِجْدانِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ نَصًّا في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ كَما هو الظّاهِرُ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: (لَوْ تُحْسِنُ إلَيَّ لَشَكَرْتُكَ) أنَّ انْتِفاءَ الشُّكْرِ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ الإحْسانِ، لا أنَّهُ بِسَبَبِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الإحْسانِ، فَإنَّ الشُّكْرَ يَتَوَقَّفُ عَلى وُجُودِ الإحْسانِ لا عَلى اسْتِمْرارِهِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ أيْ: غِيرانًا وكُهُوفًا يُخْفُونَ فِيها أنْفُسَهُمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، مِن أغارَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الغَوْرَ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ مِن غارَ إذا دَخَلَ الغَوْرَ، أيْ: أمْكِنَةً يُغِيرُونَ فِيها أشْخاصَهم وأهْلِيهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ بِمَعْنى مَهارِبَ ومَفارَّ.

﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ أيْ: نَفَقًا يَنْدَسُّونَ فِيهِ ويَنْجَحِرُونَ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، وقُرِئَ (مَدْخَلًا) مِنَ الدُّخُولِ و(مُدْخَلًا) مِنَ الإدْخالِ، أيْ: مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهُمْ، وقُرِئَ (مُتَدَخَّلًا) و(مُنْدَخَلًا) مِنَ التَّدَخُّلِ والِانْدِخالِ.

﴿لَوَلَّوْا﴾ أيْ: لَصَرَفُوا وُجُوهَهم وأقْبَلُوا، وقُرِئَ (لَوالَوْا) أيْ: لالتَجَأُوا ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى أحَدِ ما ذُكِرَ ﴿وَهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، بِحَيْثُ لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، مِنَ الفَرَسِ الجَمُوحِ: وهو الَّذِي لا يَثْنِيهِ اللِّجامُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَمالِ عُتُوِّهِمْ وطُغْيانِهِمْ، وقُرِئَ (يَجْمِزُونَ) بِمَعْنى: يَجْمَحُونَ ويَشْتَدُّونَ، ومِنهُ الجَمّازَةُ.

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ، وقُرِئَ بِضَمِّها، أيْ: يَعِيبُكَ سِرًّا، وقُرِئَ (يُلَمِّزُكَ) و(يُلامِزُكَ) مُبالَغَةً ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: في شَأْنِها وقِسْمَتِها ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ بَيانٌ لِفَسادِ لَمْزِهِمْ، وأنَّهُ لا مَنشَأ لَهُ سِوى حِرْصِهِمْ عَلى حُطامِ الدُّنْيا، أيْ: إنْ أُعْطُوا مِنها قَدْرَ ما يُرِيدُونَ ﴿رَضُوا﴾ بِما وقَعَ مِنَ القِسْمَةِ واسْتَحْسَنُوها ﴿وَإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها﴾ ذَلِكَ المِقْدارَ ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ أيْ: يُفاجِئُونَ السُّخْطَ، وإذا نائِبٌ مَنابَ فاءِ الجَزاءِ.

قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي الجَواحِظِ المُنافِقِ، حَيْثُ قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى صاحِبِكم يَقْسِمُ صَدَقاتِكم في رُعاةِ الغَنَمِ، ويَزْعُمُ أنَّهُ يَعْدِلُ، وقِيلَ: في ابْنِ ذِي الخُوَيْصِرَةِ، واسْمُهُ: حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ التَّمِيمِيُّ رَأْسُ الخَوارِجِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ غَنائِمَ حُنَيْنٍ، فاسْتَعْطَفَ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ بِتَوْفِيرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ ﷺ: "وَيْلَكَ! إنْ لَمْ أعْدِلْ فَمَن يَعْدِلُ"،» وقِيلَ هُمُ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ.

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ما أعْطاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الصَّدَقاتِ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِهِ وإنْ قَلَّ، وذِكْرُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلتَّعْظِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ كانَ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ.

﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كَفانا فَضْلُهُ وصُنْعُهُ بِنا وما قَسَمَهُ لَنا ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ بَعْدَ هَذا حَسْبَما نَرْجُو ونُؤَمِّلُ ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في أنْ يُخَوِّلَنا فَضْلَهُ، والآيَةُ بِأسْرِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ بِناءً عَلى ظُهُورِهِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم.

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ ما صَنَعَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ القِسْمَةِ بِبَيانِ المَصارِفِ، ورَدٌّ لِمَقالَةِ القالَةِ في ذَلِكَ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، بِبَيانِ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ: جِنْسُ الصَّدَقاتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ ﴿لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ أيْ: مَخْصُوصَةٌ بِهَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ الآتِيَةِ لا تَتَجاوَزُهم إلى غَيْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ فَما لِلَّذِينَ لا عَلاقَةَ بَيْنَها وبَيْنَهم يَقُولُونَ فِيها ما يَقُولُونَ، وما سَوْغُهم أنْ يَتَكَلَّمُوا فِيها وفي قاسِمِها، والفَقِيرُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ، والمِسْكِينُ مَن لا شَيْءَ لَهُ، هو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ قِيلَ عَلى العَكْسِ، ولِكُلٍّ مِنهُما وجْهٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ السّاعِينَ في جَمْعِها وتَحْصِيلِها.

﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم أصْنافٌ؛ فَمِنهم أشْرافٌ مِنَ العَرَبِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَأْلِفُهم لِيُسْلِمُوا فَيَرْضَخُ لَهُمْ، ومِنهم قَوْمٌ أسْلَمُوا ونِيّاتُهم ضَعِيفَةٌ فَيُؤَلِّفُ قُلُوبَهم بِإجْزالِ العَطاءِ كَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، والأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ، والعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ، ومِنهم مَن يُتَرَقَّبُ بِإعْطائِهِمْ إسْلامُ نُظَرائِهِمْ، ولَعَلَّ الصِّنْفَ الأوَّلَ كانَ يُعْطِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ مِن خُمُسِ الخُمُسِ الَّذِي هو خالِصُ مالِهِ، وقَدْ عُدَّ مِنهم مَن يُؤَلَّفُ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنها عَلى قِتالِ الكُفّارِ ومانِعِي الزَّكاةِ، وقَدْ سَقَطَ سَهْمُ هَؤُلاءِ بِالإجْماعِ لِما أنَّ ذَلِكَ كانَ لِتَكْثِيرِ سَوادِ الإسْلامِ، فَلَمّا أعَزَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - وأعْلى كَلِمَتَهُ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ.

﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أيْ: ولِلصَّرْفِ في فَكِّ الرِّقابِ، بِأنْ يُعانَ المُكاتَبُونَ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أداءِ نُجُومِهِمْ، وقِيلَ: بِأنْ يُفْدى الأُسارى، وقِيلَ: بِأنْ يُبْتاعَ مِنها الرِّقابُ فَتَعْتَقُ، وأيًّا ما كانَ فالعُدُولُ عَنِ اللّامِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانٍ مُصَحَّحٍ لِلْمالِكِيَّةِ والِاخْتِصاصِ، كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ، أوْ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ قَرارِ مِلْكِهِمْ فِيما أعْطَوْا كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، أوْ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ رَأْسًا كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِرُسُوخِهِمْ في اسْتِحْقاقِ الصَّدَقَةِ؛ لِما أنَّ في لِلظَّرْفِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ إحاطَتِهِمْ بِها وكَوْنِهِمْ مَحَلَّها ومَرْكَزَها.

﴿والغارِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَدايَنُوا لِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، إذا لَمْ يَكُنْ لَهم نِصابٌ فاضِلٌ عَنْ دُيُونِهِمْ، وكَذَلِكَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن غَرِمَ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وإطْفاءِ الثّائِرَةِ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ وإنْ كانُوا أغْنِياءَ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: فُقَراءَ الغُزاةِ والحَجِيجِ والمُنْقَطَعِ بِهِمْ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ: المُسافِرِ المُنْقَطِعِ عَنْ مالِهِ، وتَكْرِيرُ الظَّرْفِ في الأخِيرَيْنِ لِلْإيذانِ بِزِيادَةِ فَضْلِهِما في الِاسْتِحْقاقِ، أوْ لِما ذُكِرَ مِن إيرادِهِما بِعُنْوانٍ غَيْرِ مُصَحَّحٍ لِلْمالِكِيَّةِ والِاخْتِصاصِ.

فَهَذِهِ مَصارِفُ الصَّدَقاتِ، فَلِلْمُتَصَدِّقِ أنْ يَدْفَعَ صَدَقَتَهُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى صِنْفٍ مِنهُمْ؛ لِأنَّ اللّامَ لِبَيانِ أنَّهم مَصارِفُ لا تَخْرُجُ عَنْهم لا لِإثْباتِ الِاسْتِحْقاقِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.