قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم قَدِيمًا سَعَوْا عَلى الإسْلامِ فَأبْطَلَ اللهُ سَعْيَهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: "مِن قَبْلُ" ما كانَ مِن حالِهِمْ مِن وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورُجُوعِهِمْ عنهُ في أُحُدٍ وغَيْرِها، ومَعْنى ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ دَبَّرُوها ظَهْرًا لِبَطْنٍ. ونَظَرُوا في نَواحِيها وأقْسامِها، وسَعَوْا بِكُلِّ حِيلَةٍ، وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "وَقَلَبُوا لَكَ" بِالتَخْفِيفِ في اللامِ، و"أمْرُ اللهِ": الإسْلامُ ودَعَوْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وذُكِرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أمَرَ بِالغَزْوِ إلى بِلادِ الرُومِ حَرَّضَ الناسَ فَقالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: (هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟)، وقالَ لَهُ ولِلنّاسِ: (اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ)، فَقالَ لَهُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: ائْذَنْ لِي في التَخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي بِذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، فَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أنِّي لا أتَمالَكُ عَنِ النِساءِ إذا رَأيْتُهُنَّ،» وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي فِيهِ فُتُورٌ كَثِيرٌ وتَخَلُّفٌ في الِاعْتِذارِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "اغْزُوا تَبُوكَ تَغْنَمُوا بَناتِ الأصْفَرِ"، فَقالَ الجَدُّ: ائْذَنْ ولا تَفْتِنّا بِالنِساءِ،» وهَذا مَنزَعٌ غَيْرُ الأوَّلِ إذا نُظِرَ، وهو أشْبَهُ بِالنِفاقِ والمُحادَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الجَدَّ قالَ: "وَلَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالِي" وتَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ قَوْلَهُ: "وَلا تَفْتِنِّي" أيْ: لا تُصَعِّبُ عَلَيَّ حَتّى أحْتاجَ إلى مُواقَعَةِ مَعْصِيَتِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَهِّلْ أنْتَ عَلَيَّ ودَعْنِي غَيْرَ مُجَلَّحٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ واقِفٌ مَعَ اللَفْظِ، لَكِنَّ تَظاهُرَ ما رُوِيَ مِن ذِكْرِ بَناتِ الأصْفَرِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ في هَذا التَأْوِيلِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَلا تُفْتِنِّي" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، والأصْفَرُ هو الرُومُ بْنُ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَ أصْفَرَ اللَوْنِ فَيُقالُ لِلرُّومِ: بَنُو الأصْفَرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وبَنُو الأصْفَرِ الكِرامُ مُلُوكُ الرُو ∗∗∗ مِ لَمْ يَبْقَ مِنهم مَذْكُورُ
وذَكَرَ النَقّاشُ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الأصْفَرَ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَةِ وقَعَ بِبِلادِ الرُومِ، فَتَزَوَّجَ وأنْسَلَ بَناتٍ لَهُنَّ جَمالٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ في الَّذِي أظْهَرُوا الفِرارَ مِنهُ بِما تَبَيَّنَ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِفاقِهِمْ، وصَحَّ عِنْدَكم مِن كُفْرِهِمْ، وفَسَدَ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم.
و﴿سَقَطُوا﴾ عِبارَةٌ مُنْبِئَةٌ عن تَمَكُّنِ وُقُوعِهِمْ، ومِنهُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ …