Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

No commentary on this ayah in this edition.

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

No commentary on this ayah in this edition.

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

[تَفْضِيلُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ]

وَمِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في " السُّنَنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ».

وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ أفْضَلُ مِنهُ، وهَذا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، وصِيامُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وما مِن يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقابَ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْنُو فِيهِ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ بِأهْلِ المَوْقِفِ. والصَّوابُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شَيْءٌ يُقاوِمُهُ، والصَّوابُ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ هو يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾

وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ أبا بكر وعليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ.

وَفِي " سُنَنِ أبي داود " بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»

وَكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقالَةُ، ثُمَّ يَوْمُ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ طَهُرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أذِنَ لَهم رَبُّهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّءُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ. وكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَإنَّ أيّامَهُ أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيّامِ العَشْرِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ»

وَهِيَ الأيّامُ العَشْرُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ - ولَيالٍ عَشْرٍ﴾

وَلِهَذا يُسْتَحَبُّ فِيها الإكْثارُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ»، ونِسْبَتُها إلى الأيّامِ كَنِسْبَةِ مَواضِعِ المَناسِكِ في سائِرِ البِقاعِ.

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

Explained together with ayah 3

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

Explained together with ayah 3

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

(فائدة)

قول النبي ﷺ لما أنشدته قتيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر

"لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله"

ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن كان رحيما يقبل الشفاعة ويمنّ على الجاني، فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن أقتله لقبلت شفاعتها وتركته.

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.