Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

﴿انْفِرُوا﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالنُّفُورِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ والإنْكارِ عَلى المُساهَلَةِ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ كانَ مِن يُسْرٍ وعُسْرٍ حاصِلَيْنِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِنَ الصِّحَةِ والمَرَضِ، أوِ الغِنى والفَقْرِ، أوْ قِلَّةِ العِيالِ وكَثْرَتِهِمْ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَظِمُهُ مُساعَدَةُ الأسْبابِ وعَدَمُها بَعْدَ الإمْكانِ والقُدْرَةِ في الجُمْلَةِ.

وَما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِما مِن قَوْلِهِمْ "خِفاقًا" لِقِلَّةِ عِيالِكم و"ثِقالًا" لِكَثْرَتِها، أوْ "خِفاقًا" مِنَ السِّلاحِ و"ثِقالًا" مِنهُ، أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ شَبانًا وشُيُوخًا، أوْ مَهازِيلَ وسِمانًا، أوْ صِحاحًا ومِراضًا - لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الأمْرَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ مُقارَنَةٍ لِلْباقِي.

«وَعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟ قالَ ﷺ: "نَعَمْ"» حَتّى نَزَلَ: ﴿ (لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ)﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ ... الآيَةَ.

﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إيجابٌ لِلْجِهادِ بِهِما إنْ أمْكَنَ، وبِأحَدِهِما عِنْدَ إمْكانِهِ وإعْوازِ الآخَرِ، حَتّى إنَّ مَن ساعَدَهُ النَّفْسُ والمالُ يُجاهِدُ بِهِما، ومَن ساعَدَهُ المالُ دُونَ النَّفْسِ يُغَزّى مَكانَهُ مَن حالُهُ عَلى عَكْسِ حالِهِ، إلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقِيلَ: هو إيجابٌ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ فَقَطْ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النَّفِيرِ والجِهادِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ في نَفْسِهِ، أوْ خَيْرٌ مِمّا يُبْتَغى بِتَرْكِهِ مِنَ الرّاحَةِ، والدَّعَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ - إذْ لا احْتِمالَ لِغَيْرِ الصِّدْقِ في أخْبارِ اللَّهِ تَعالى - فَبادِرُوا إلَيْهِ.

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

﴿لَوْ كانَ﴾ صَرْفٌ لِلْخِطابِ عَنْهُمْ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْدِيدًا لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ قَوْلًا وفِعْلًا عَلى طَرِيقِ المُباثَّةِ، وبَيانًا لِدَناءَةِ هِمَمِهِمْ وسائِرِ رَذائِلِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ العَرَضُ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، أيْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ غَنْمًا سَهْلَ المَأْخَذِ قَرِيبَ المالِ ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ ذا قَصْدٍ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ في النَّفِيرِ طَمَعًا في الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وتَعْلِيقُ الِاتِّباعِ بِكِلا الأمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ السَّفَرِ فَقَطْ ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الشّاطَّةُ الشّاقَّةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ، وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الغَزْوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِاللَّهِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَيَحْلِفُونَ)، أوْ هو مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ، والقَوْلُ مُرادٌ عَلى الوَجْهَيْنِ، أيْ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ اعْتِذارًا عِنْدَ قُفُولِكَ قائِلِينَ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أوْ سَيَحْلِفُونَ قائِلِينَ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا... إلَخْ، أيْ: لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةٌ مِن جِهَةِ العُدَّةِ، أوْ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ، أوْ مِن جِهَتِهِما جَمِيعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم مِنَ الكَذِبِ والتَّعَلُّلِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهم (لَوِ اسْتَطَعْنا) في قُوَّةِ: بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ" وتَصْدِيقٌ لَهُ، والإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِنهم بَعْدَ القُفُولِ - وقَدْ وقَعَ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ - مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. وقُرِئَ (لَوُ اسْتَطَعْنا) بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ .

﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن سَيَحْلِفُونَ؛ لِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إهْلاكٌ لِلنَّفْسِ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ««اليَمِينُ الفاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ»» أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُهْلِكِينَ أنْفُسَهُمْ، أوْ مِن فاعِلِ (خَرَجْنا) جِئْ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنْهُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَهْلَكُ أنْفُسَنا، أيْ: لَخَرَجْنا مَعَكم مُهْلِكِينَ أنْفُسَنا، كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مَكانَ لَأفْعَلَنَّ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وفِيما ادَّعَوْا ضِمْنًا مِنِ انْتِفاءِ تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ، حَيْثُ كانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ ولَمْ يَخْرُجُوا.

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ عَفا عَنْهُ ﷺ ما وقَعَ مِنهُ عِنْدَ اسْتِئْذانِ المُتَخَلِّفِينَ في التَّخَلُّفِ، مُعْتَذِرِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، وإذْنُهُ اعْتِمادًا عَلى أيْمانِهِمْ ومَواثِيقِهِمْ لِخُلُوِّها عَنِ المُزاحِمِ مِن تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ، الَّذِي هو التَّأنِّي والتَّوَقُّفُ إلى انْجِلاءِ الأمْرِ وانْكِشافِ الحالِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأيِّ سَبَبٍ أذِنْتَ لَهم في التَّخَلُّفِ حِينَ اعْتَلُّوا بِعِلَلِهِمْ، بَيانٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالعَفْوِ مِن تَرْكِ الأوْلى، وإشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ أُمُورُهُ ﷺ مَنُوطَةً بِأسْبابٍ قَوِيَّةٍ مُوجِبَةٍ لَها، أوْ مُصَحِّحَةٍ، وأنَّ ما أبْرَزُوهُ في مَعْرِضِ التَّعَلُّلِ والِاعْتِذارِ مَشْفُوعًا بِالأيْمانِ كانَ بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإذْنِ قَبْلَ ظُهُورِ صِدْقِهِ، وكِلْتا اللّامَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإذْنِ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى، فَإنَّ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْلِيغِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِجَمِيعِ المُسْتَأْذِنِينَ، وتَوَجُّهُ الإنْكارِ إلى الإذْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ لا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ بَعْضِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مِن عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ مِن جِهَةِ المالِ، أوْ مِن جِهَةِ البَدَنِ، أوْ مِن جِهَتِهِما مَعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم هُناكَ ﴿وَتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ، فَتُعامِلَ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَحِقُّهُ، وهو بَيانٌ لِذَلِكَ الأوْلى الأفْضَلِ، وتَخْصِيصٌ لَهُ - ﷺ – عَلَيْهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (حَتّى) - سَواءٌ كانَتْ بِمَعْنى اللّامِ أوْ بِمَعْنى إلى - لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ إذْنُهُ ﷺ لَهم مُعَلِّلًا أوْ مُغِيًّا بِالتَّبَيُّنِ والعِلْمِ، ويَكُونُ تَوَجُّهُ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وذَلِكَ بَيِّنُ الفَسادِ بَلْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهُمْ؟ وهَلّا تَأنَّيْتَ حَتّى يَنْجَلِيَ الأمْرُ؟ كَما هو قَضِيَّةُ الحَزْمِ.

قالَ قَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِما بِشَيْءٍ: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأُسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى كَما تَسْمَعُونَ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِأنْ عَبَّرَ عَنِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌ عَلى الحُدُوثِ، وعَنِ الفَرِيقِ الثّانِي بِاسْمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلدَّوامِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الأوَّلِينَ صِدْقٌ حادِثٌ في أمْرٍ خاصٍّ غَيْرُ مُصَحِّحٍ لِنَظْمِهِمْ في سِلْكِ الصّادِقِينَ، وأنَّ ما صَدَرَ مِنَ الآخِرِينَ وَإنْ كانَ كَذِبًا حادِثًا مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ خاصٍّ - لَكِنَّهُ أمْرٌ جارٍ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ، ناشِئٌ عَنْ رُسُوخِهِمْ في الكَذِبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ظُهُورِ الصِّدْقِ بِالتَّبَيُّنِ، وعَمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ بِالعِلْمِ لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ مَدْلُولَ الخَبَرِ هو الصِّدْقُ، والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، فَظُهُورُ صِدْقِهِ إنَّما هو تَبَيُّنُ ذَلِكَ المَدْلُولِ وانْقِطاعُ احْتِمالِ نَقِيضِهِ بَعْدَما كانَ مُحْتَمِلًا لَهُ احْتِمالًا عَقْلِيًّا، وأمّا كَذِبُهُ فَأمْرٌ حادِثٌ لا دِلالَةَ لِلْخَبَرِ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ حَتّى يَكُونَ ظُهُورُهُ …

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِاسْتِئْذانِهِمْ عَلى حالِهِمْ، ولا يُؤْذَنَ لَهُمْ، أيْ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ وأنَّ الخُلَّصَ مِنهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الإذْنِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ، وحَيْثُ اسْتَأْذَنَكَ هَؤُلاءِ في التَّخَلُّفِ كانَ ذَلِكَ مَئِنَّةً لِلتَّأنِّي في أمْرِهِمْ، بَلْ دَلِيلًا عَلى نِفاقِهِمْ، وقِيلَ: المُسْتَأْذَنُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُجاهِدُوا﴾ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، ثُمَّ قِيلَ: المَحْذُوفُ هو التَّخَلُّفُ، والمَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، فَيَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلى القَيْدِ، وبِهِ يَمْتازُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، وهو وإنْ كانَ في نَفْسِهِ أمْرًا خَفِيًّا - لا يُوقَفُ عَلَيْهِ بادِئَ الأمْرِ - لَكِنَّ عامَّةَ أحْوالِهِمْ لَمّا كانَتْ مُنْبِئَةً عَنْ ذَلِكَ جُعِلَ أمْرًا ظاهِرًا مُقَرَّرًا، وقِيلَ: هو الجِهادُ، أيْ: لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، بِناءً عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الجِهادِ رُبَّما يَكُونُ لِكَراهَتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الشَّيْءِ لِكَراهَتِهِ مِمّا لا يَقَعُ، بَلْ لا يُعْقَلُ، ولَوْ سُلِّمَ وُقُوعُهُ فالِاسْتِئْذانُ لِعِلَّةِ الكَراهَةِ مِمّا لا يَمْتازُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِنَ الِاسْتِئْذانِ لِعِلَّةِ الرَّغْبَةِ، ولَوْ سُلِّمَ فالَّذِي نُفِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ يَجِبُ أنْ يُثْبَتَ لِلْمُنافِقِينَ، وظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يَسْتَأْذِنُوا في الجِهادِ لِكَراهَتِهِمْ لَهُ، بَلْ إنَّما اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ المُتَّقِينَ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ عَلِيمٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ، وإشْعارٌ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مُعَلَّلٌ بِالتَّقْوى.

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ مُطْلَقًا عَلى الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَةِ الجِهادِ عَلى الثّانِي ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَخْصِيصُ الإيمانِ بِهِما في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الباعِثَ عَلى الجِهادِ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ إنَّما هو الإيمانُ بِهِما، إذْ بِهِ يَتَسَنّى لِلْمُؤْمِنِينَ اسْتِبْدالُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ الخالِدِ بِالحَياةِ الفانِيَةِ والمَتاعِ الكاسِدِ ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ وتَقَرُّرِهِ ﴿فَهُمْ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿فِي رَيْبِهِمْ﴾ وشَكِّهِمُ المُسْتَقِرِّ في قُلُوبِهِمْ ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ، فَإنَّ التَّرَدُّدَ دَيْدَنُ المُتَحَيَّرِ، كَما أنَّ الثَّباتَ دَيْدَنُ المُسْتَبْصِرِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهِ مِمّا لا يَخْفِي حَسَبَ مَوْقِعِهِ.

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم قالُوا عِنْدَ الِاعْتِذارِ: كُنّا نُرِيدُ الخُرُوجَ، لَكِنْ لَمْ نَتَهَيَّأْ لَهُ، وقَدْ قَرُبَ الرَّحِيلُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُنا الِاسْتِعْدادُ، فَقِيلَ؛ تَكْذِيبًا لَهُمْ: لَوْ أرادَهُ ﴿لأعَدُّوا لَهُ﴾ أيْ: لِلْخُرُوجِ في وقْتِهِ ﴿عُدَّةً﴾ أيْ: أُهْبَةً مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ والسِّلاحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِلسَّفَرِ، وقُرِئَ (عُدَّهُ) بِحَذْفِ التّاءِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الخُرُوجِ، كَما فَعَلَ بِالعُدَّةِ مَن قالَ:

؎ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا

أيْ: عُدَّتَهُ، وقُرِئَ (عِدَّةً) بِكَسْرِ العَيْنِ، و(عِدَّهُ) بِالإضافَةِ.

﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ، قِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ، فَإنَّ انْتِفاءَ إرادَتِهِمْ لِلْخُرُوجِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ خُرُوجِهِمْ، وكَراهَةَ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهم تَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا ولَكِنْ تَثَبَّطُوا، والِاتِّفاقُ في المَعْنى لا يَمْنَعُ الوُقُوعَ بَيْنَ طَرَفِيِ (لَكِنْ) بَعْدَ تَحَقُّقِ الِاخْتِلافِ نَفْيًا وإثْباتًا في اللَّفْظِ، كَقَوْلِكَ: ما أحْسَنَ إلى زَيْدٍ ولَكِنْ أساءَ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا مِن نَفْسِ المُقْدِمِ عَلى نَهْجِ ما في الأقْيِسَةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ، والمَعْنى: لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ ما أرادُوهُ لِما أنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم لِما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ الَّتِي سَتُبَيَّنُ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: حَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ، فَتَثَبَّطُوا عَنْهُ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِإلْقاءِ اللَّهِ تَعالى كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ، أوْ هو حِكايَةُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أوْ هو إذْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهم في القُعُودِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ إمّا المَعْذُورُونَ أوْ غَيْرُهُمْ، وأيّا ما كانَ فَغَيْرُ خالٍ عَنِ الذَّمِّ.

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ بَيانٌ لِسِرِّ كَراهَتِهِ تَعالى لِانْبِعاثِهِمْ، أيْ: لَوْ خَرَجُوا مُخالِطِينَ لَكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ أيْ: ما أوْرَثُوكم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: فَسادًا وشَرًّا، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أيْ: ولَسَعَوْا فِيما بَيْنَكم بِالنَّمائِمِ، والتَّضْرِيبِ، وإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ، مِن وضَعَ البَعِيرُ وضْعًا إذا أسْرَعَ، وأوْضَعْتُهُ أنا، أيْ: حَمْلَتُهُ عَلى الإسْراعِ، والمَعْنى: لَأوْضَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكُمْ، والمُرادُ بِهِ: المُبالَغَةُ في الإسْراعِ بِالنَّمائِمِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي، وقُرِئَ (وَلَأرْقَصُوا) مِن رَقَصَتِ النّاقَةُ: أسْرَعَتْ، وأرْقَصْتُها أنا، وقُرِئَ (وَلَأوْفَضُوا) أيْ: أسْرَعُوا.

﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ يُحاوِلُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكُمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكُمْ، وإفْسادِ نِيّاتِكُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "أوْضَعُوا"، أوِ اسْتِئْنافٌ.

﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِأجْلِ نَقْلِهِ إلَيْهِمْ، أوْ فِيكم قَوْمٌ ضَعَفَةٌ يَسْمَعُونَ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يُطِيعُونَهُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ يَبْغُونَكُمْ، أوْ مِن فاعِلِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَعَلَّهم لَمْ يَكُونُوا في كَمِّيَّةِ العَدَدِ وكَيْفِيَّةِ الفَسادِ - بِحَيْثُ يُخِلُّ مَكانُهم فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ الجِهادِ إخْلالًا عَظِيمًا، ولَمْ يَكُنْ فَسادُ خُرُوجِهِمْ مُعادِلًا لِمَنفَعَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ عَدَمَ خُرُوجِهِمْ فَخَرَجُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ حَيْثُ كانَ انْضِمامُ المُنافِقِينَ القاعِدِينَ إلَيْهِمْ مُسْتَتْبِعًا لِخَلَلٍ كُلِّيٍّ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ، فَلَمْ يَتَسَنَّ اجْتِماعُهُمْ، فانْدَفَعَ فَسادُهم.

وَوَجْهُ العِتابِ عَلى الإذْنِ في قُعُودِهِمْ - مَعَ تَقَرُّرِهِ لا مَحالَةَ، وتَضَمُّنِ خُرُوجِهِمْ لِهَذِهِ المَفاسِدِ - أنَّهم لَوْ قَعَدُوا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهُ ﷺ لَظَهَرَ نِفاقُهم فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُخالَطَتِهِمْ والسَّعْيِ فِيما بَيْنَهم بِالأراجِيفِ، ولَمْ يَتَسَنَّ لَهُمُ التَّمَتُّعُ بِالعَيْشِ إلى أنْ يَظْهَرَ حالُهم بِقَوارِعِ الآياتِ النّازِلَةِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ عِلْمًا مُحِيطًا بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ، وما فَعَلُوا فِيما مَضى وما يَتَأتّى مِنهم فِيما سَيَأْتِي، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ، والإشْعارِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الظُّلْمِ، ولَعَلَّهُ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ السَّمّاعِينَ والقاعِدِينَ.

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ تَشْتِيتَ شَمْلَكَ وتَفْرِيقَ أصْحابِكَ مِنكَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ المُنافِقُ بِمَن مَعَهُ، وقَدْ تَخَلَّفَ بِمَن مَعَهُ عَنْ تَبُوكَ أيْضًا، بَعْدَما خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلى ذِي جُدَّةَ أسْفَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ.

وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الثَّنِيَّةِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ؛ لِيَفْتِكُوا بِهِ ﷺ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى خاسِئِينَ.

﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ مِن وجْهٍ إلى وجْهٍ، وَتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدْبِيرِ والِاجْتِهادِ في المَكْرِ والحِيلَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: حُوَّلٌ وقُلَّبٌ، أيِ: اجْتَهَدُوا ودَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكايِدَ، ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: النَّصْرُ والتَّأْيِيدُ الإلَهِيُّ ﴿وَظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ غَلَبَ دِينَهُ وعَلا عَرْشُهُ ﴿وَهم كارِهُونَ﴾ والحالُ أنَّهم كارِهُونَ لِذَلِكَ، أيْ: عَلى رَغْمٍ مِنهُمْ، والآيَتانِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُتَخَلِّفِينَ، وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِهِ، وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وكَشْفِ أسْرارِهِمْ وإزاحَةِ أعْذارِهِمْ تَدارُكًا لِما عَسى يَفُوتُ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ، وإيذانًا بِأنَّ ما فاتَ بِها لَيْسَ مِمّا لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ.

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والإثْمُ، يُرِيدُ إنِّي مُتَخَلِّفٌ لا مَحالَةَ أذِنْتَ أوْ لَمْ تَأْذَنْ، فَأْذَنْ لِي حَتّى لا أقَعَ في المَعْصِيَةِ بِالمُخالَفَةِ، أوْ لا تُلْقِنِي في الهَلَكَةِ، فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي لِعَدَمِ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ.

وَقِيلَ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُشْتَهِرٌ بِالنِّساءِ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ، يَعْنِي: نِساءَ الرُّومِ، ولَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي فاتْرُكْنِي، وقُرِئَ (وَلا تُفْتِنِّي) مِن أفْتَنَهُ بِمَعْنى فَتَنَهُ.

﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ أيْ: في عَيْنِها ونَفْسِها وأكْمَلِ أفْرادِها الغَنِيِّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ ﴿سَقَطُوا﴾ لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومَخْلَصًا عَنْها، وذَلِكَ بِما فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجَراءَةِ عَلى الِاسْتِئْذانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الشَّنِيعَةِ، ومِنَ القُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ.

وَقُرِئَ بِإفْرادِ الفِعْلِ؛ مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ "مَن" وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ إيذانٌ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها، وهم يَحْسَبُونَ أنَّها مَنجًى مِنَ الفِتْنَةِ زَعْمًا مِنهم أنَّ الفِتْنَةَ إنَّما هي التَّخَلُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الِافْتِتانِ بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المَهْواةِ المُهْلِكَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، داخِلٌ تَحْتَ التَّنْبِيهِ، أيْ: جامِعَةٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، أوْ مُحِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ؛ تَنْزِيلًا لِشَيْءٍ سَيَقَعُ عَنْ قَرِيبِ مَنزِلَةَ الواقِعِ، أوْ وضْعًا لِأسْبابِ الشَّيْءِ مَوْضِعَهُ، فَإنَّ مَبادِئَ إحاطَةِ النّارِ بِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مُحِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ومِن جُمْلَتِها ما فَرُّوا مِنهُ وما سَقَطُوا فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ.

وَقِيلَ: تِلْكَ المَبادِئُ المُتَشَكِّلَةُ بِصُوَرِ الأعْمالِ والأخْلاقِ هي النّارُ بِعَيْنِها، ولَكِنْ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ في هَذِهِ النَّشْأةِ، وإنَّما يَظْهَرُ عِنْدَ تَشَكُّلِها بِصُوَرِها الحَقِيقِيَّةِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ إمّا المُنافِقُونَ - وإيثارُ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مُعْظَمُ أسْبابِ الإحاطَةِ المَذْكُورَةِ - وإمّا جَمِيعُ الكافِرِينَ الشّامِلِينَ لِلْمُنافِقِينَ شُمُولًا أوَّلِيًّا.

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ مَغازِيكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تِلْكَ الحَسَنَةُ، أيْ: تُورِثُهم مَساءَةً لِفَرْطِ حَسَدِهِمْ وعَدَواتِهِمْ لَكَ ﴿وَإنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ مِن نَوْعِ شِدَّةٍ ﴿يَقُولُوا﴾ مُتَبَجِّحِينَ بِما صَنَعُوا حامِدِينَ لِآرائِهِمْ ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ أيْ: تَلافَيْنا ما يُهِمُّنا مِنَ الأمْرِ، يَعْنُونَ بِهِ الِاعْتِزالَ عَنِ المُسْلِمِينَ، والقُعُودَ عَنِ الحَرْبِ، والمُداراةَ مَعَ الكَفَرَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الكُفْرِ والنِّفاقِ قَوْلًا وفِعْلًا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إصابَةِ المُصِيبَةِ في وقْتِ تَدارُكِهِ، يُشِيرُونَ بِذَلِكَ إلى أنَّ المُعامَلَةَ المَذْكُورَةَ إنَّما تُرَوَّجُ عِنْدَ الكَفَرَةِ بِوُقُوعِها حالَ قُوَّةِ الإسْلامِ لا بَعْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ مَجْلِسِ الِاجْتِماعِ والتَّحَدُّثِ إلى أهالِيهِمْ، أوْ يُعْرِضُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَهم فَرِحُونَ﴾ بِما صَنَعُوا مِن أخْذِ الأمْرِ، وبِما أصابَهُ ﷺ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "يَقُولُوا" و"يَتَوَلَّوْا" لا في الأخِيرِ فَقَطْ لِمُقارَنَةِ الفَرَحِ لَهُما مَعًا، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ السُّرُورِ، وإسْنادُ المَساءَةِ إلى الحَسَنَةِ والمَسَرَّةِ إلى أنْفُسِهِمْ دُونَ المُصِيبَةِ - بِأنْ يُقالَ: وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ تَسْرُرْهم - لِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالَيْهِمْ حالَتَيْ عُرُوضِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ، بِأنَّهم في الأُولى مُضْطَرُّونَ وفي الثّانِيَةِ مُخْتارُونَ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.