Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَوَعَّدَ مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ، وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما وصَفْنا، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ والمُرادُ انْفِرُوا سَواءٌ كُنْتُمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَخِفُّ عَلَيْكُمُ الجِهادُ، أوْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَثْقُلُ، وهَذا الوَصْفُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوها:

فالأوَّلُ: ﴿خِفافًا﴾ في النُّفُورِ لِنَشاطِكم لَهُ﴿وثِقالًا﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم.

الثّانِي: ﴿خِفافًا﴾ لِقِلَّةِ عِيالِكُمْ﴿وثِقالًا﴾ لِكَثْرَتِها.

الثّالِثُ: ﴿خِفافًا﴾ مِنَ السِّلاحِ﴿وثِقالًا﴾ مِنهُ.

الرّابِعُ: رُكْبانًا ومُشاةً.

الخامِسُ: شُبّانًا وشُيُوخًا.

السّادِسُ: مَهازِيلَ وسِمانًا.

السّابِعُ: صِحاحًا ومِراضًا والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا إذِ الكُلُّ داخِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ وصْفٌ كُلِّيٌّ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ.

فَإنْ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ هَذا الأمْرَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ النّاسِ حَتّى المَرْضى والعاجِزِينَ ؟

صفحة ٥٧

قُلْنا: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، «عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: ”ما أنْتَ إلّا خَفِيفٌ أوْ ثَقِيلٌ“ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ، ولَبِسَ سِلاحَهُ، ووَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ»﴾ ) [النُّورِ: ٦١] وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ أبا أيُّوبَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلا أجِدُنِي إلّا خَفِيفًا أوْ ثَقِيلًا.

وعَنْ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو قالَ: كُنْتُ والِيًا عَلى حِمْصَ، فَلَقِيتُ شَيْخًا قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ، مِن أهْلِ دِمَشْقَ عَلى راحِلَتِهِ يُرِيدُ الغَزْوَ، قُلْتُ: يا عَمِّ أنْتَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ حاجِبَيْهِ وقالَ: يا ابْنَ أخِي اسْتَنْفَرَنا اللَّهُ خِفافًا وثِقالًا، ألا إنَّ مَن أحَبَّهُ ابْتَلاهُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ إلى الغَزْوِ، وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ عَلِيلٌ صاحِبُ ضَرَرٍ، فَقالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الخَفِيفَ والثَّقِيلَ، فَإنْ عَجَزْتُ عَنِ الجِهادِ كَثَّرْتُ السَّوادَ، وحَفِظْتُ المَتاعَ.

وقِيلَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ وهو يُرِيدُ الغَزْوَ: أنْتَ مَعْذُورٌ، فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا في سُورَةِ بَراءَةَ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلَّفَ النِّساءَ، وخَلَّفَ مِنَ الرِّجالِ أقْوامًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ لَيْسَ عَلى الأعْيانِ، لَكِنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَمَن أمَرَهُ الرَّسُولُ بِأنْ يَخْرُجَ، لَزِمَهُ ذَلِكَ خِفافًا وثِقالًا، ومَن أمَرَهُ بِأنْ يَبْقى هُناكَ، لَزِمَهُ أنْ يَبْقى ويَتْرُكَ النَّفْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ النَّسْخِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في …

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٨] عادَ إلى تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ، وبَيَّنَ أنَّ أقْوامًا، مَعَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ والحَثِّ عَلى الجِهادِ، تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وبَيَّنَ أنَّهُ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العَرَضُ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، يُقالُ: الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ، قالالزَّجّاجُ: فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ سَفَرًا قاصِدًا، فَحُذِفَ اسْمُ﴿كانَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ سَهْلًا قَرِيبًا، وإنَّما قِيلَ لِمِثْلِ هَذا قاصِدًا؛ لِأنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، يُقالُ لَهُ: مُقْتَصِدٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَسُمِّيَ قاصِدًا، وتَفْسِيرُ القاصِدِ: ذُو قَصْدٍ، كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ ورابِحٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الشُّقَّةُ بُعْدُ مَسِيرِهِ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، والمَعْنى: بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّاقَّةُ البَعِيدَةُ، والسَّبَبُ في هَذا الِاسْمِ أنَّهُ شَقَّ عَلى الإنْسانِ سُلُوكُها، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّهُ لَوْ كانَتِ المَنافِعُ قَرِيبَةً والسَّفَرُ قَرِيبًا لاتَّبَعُوكَ طَمَعًا مِنهم في الفَوْزِ بِتِلْكَ المَنافِعِ، ولَكِنْ طالَ السَّفَرُ فَكانُوا كالآيِسِينَ مِنَ الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ غَزْوَ الرُّومِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَخَلَّفُوا، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إذا رَجَعَ مِنَ الجِهادِ يَجِدُهُمْ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ إمّا عِنْدَما يُعاتِبُهم بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ، وإمّا ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ إقامَةِ العُذْرِ في التَّخَلُّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الكَذِبِ والنِّفاقِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ تُوجِبُ الهَلاكَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اليَمِينُ الغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» “ .

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ما كُنّا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَإنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن كانَ قادِرًا مُتَمَكِّنًا، إذْ عَدَمُ الِاسْتِطاعَةِ عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ.

* * *

صفحة ٥٩

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ أنَّ …

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ أنَّهُ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِن ذَلِكَ الغَزْوِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ التَّخَلُّفَ، كانَ بِإذْنِ الرَّسُولِ أمْ لا ؟ فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن تَخَلَّفَ بِإذْنِهِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الرَّسُولِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ والعَفْوُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا.

قالَ قَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما الرَّسُولُ، لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ فِيهِما، إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يُوجِبُ الذَّنْبَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مُبالَغَةِ اللَّهِ في تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ إذا كانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي ؟ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي ؟ وعافاكَ اللَّهُ ما عَرَفْتَ حَقِّي! فَلا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ، إلّا مَزِيدَ التَّبْجِيلِ والتَّعْظِيمِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ فِيما يُخاطِبُ بِهِ المُتَوَكِّلَ، وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:

صفحة ٦٠

عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَعُودُ بِعَفْوِكَ أنْ أُبْعَدا

ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورَشِيدًا هَدى

أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى

والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنْ نَقُولَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنْكارُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، امْتَنَعَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنْكارًا عَلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ، وبَعْدَ حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ مُذْنِبًا، وهَذا جَوابٌ شافٍ قاطِعٌ، وعِنْدَ هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ مِن جِنْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ ومَصالِحِ الدُّنْيا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ في بَعْضِ الوَقائِعِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] أمْرٌ لِأُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ والِاجْتِهادِ، والرَّسُولُ كانَ سَيِّدًا لَهم، فَكانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الأمْرِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الإذْنِ أوْ …

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ

صفحة ٦٢

الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا …

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ

صفحة ٦٢

الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا …

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ

صفحة ٦٢

الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا …

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ مِن خُرُوجِهِمْ، وهي ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الخَبالُ: الشَّرُّ والفَسادُ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُسَمّى العَتَهُ بِالخَبَلِ، والمَعْتُوهُ بِالمَخْبُولِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: إلّا شَرًّا، وقالَ يَمانٌ: إلّا مَكْرًا، وقِيلَ: إلّا غَيًّا، وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا غَدْرًا، وقِيلَ: الخَبالُ: الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، وذَلِكَ بِتَزْيِينِ أمْرٍ لِقَوْمٍ وتَقْبِيحِهِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ لِيَخْتَلِفُوا وتَفْتَرِقَ كَلِمَتُهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا خَبالًا﴾ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو أنْ لا يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، كَقَوْلِكَ: ما زادُوكم خَيْرًا إلّا خَبالًا، وهَهُنا المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الأعَمِّ، والعامُّ هو الشَّيْءُ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والتَّقْدِيرُ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما كَرِهَ ذَلِكَ الِانْبِعاثَ؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى هَذا الخَبالِ والشَّرِّ والفِتْنَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْرَهُ الشَّرَّ والفِتْنَةَ والفَسادَ عَلى الإطْلاقِ، ولا يَرْضى إلّا بِالخَيْرِ، ولا يُرِيدُ إلّا الطّاعَةَ.

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن خُرُوجِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ وفي الإيضاعِ قَوْلانِ نَقَلَهُما الواحِدِيُّ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، أنَّ الإيضاعَ حَمْلُ البَعِيرِ عَلى العَدْوِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا. يُقالُ: وضَعَ البَعِيرُ إذا عَدا، وأوْضَعَهُ الرّاكِبُ إذا حَمَلَهُ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: وضَعَتِ النّاقَةُ، وأوْضَعَ الرّاكِبُ، ورُبَّما قالُوا لِلرّاكِبِ: وضَعَ.

والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، وأبِي عُبَيْدٍ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا مِن غَيْرِ أنْ يُرادَ أنَّهُ وضَعَ ناقَتَهُ، رَوى أبُو عُبَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفاضَ مِن عَرَفَةَ وعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وأوْضَعَ في وادِي مُحَسِّرٍ» . وقالَ لَبِيدٌ:

أُرانا مُوضِعِينَ لِحُكْمِ غَيْبٍ ونَسْخُو بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ

أرادَ مُسْرِعِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيدُ مُوضِعِينَ الإبِلَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ السَّيْرَ في الطَّرِيقِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

تَبالَهْنَ بِالعُدْوانِ لَمّا عَرَفْنَنِي ∗∗∗ وقُلْنَ امْرُؤٌ باغٍ أكَلَّ وأوْضَعا

قالَ الواحِدِيُّ: والآيَةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ.

صفحة ٦٦

واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ السَّعْيُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالتَّضْرِيبِ والنَّمائِمِ، فَإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الأوَّلَ كانَ المَعْنى: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكم، والمُرادُ الإسْراعُ بِالنَّمائِمِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي، وإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الثّانِيَ …

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.

والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.

والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.

والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - …

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.

والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.

والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.

والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - …

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.

والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.

والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.

والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.