Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ كَما تُفْتَتَحُ العُهُودُ وصُكُوكُ العُقُودِ بِأدَلِّ كَلِمَةٍ عَلى الغَرَضِ الَّذِي يُرادُ مِنها كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا ما عَهِدَ بِهِ فُلانٌ، وهَذا ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فُلانٌ وفُلانٌ، وقَوْلِ المُوَثِّقِينَ: باعَ أوْ وكَّلَ أوْ تَزَوَّجَ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى الحالِ في إنْشاءِ الرَّسائِلِ والمَواثِيقِ ونَحْوِها.

صفحة ١٠٣

وتَنْكِيرُ بَراءَةٌ تَنْكِيرُ التَّنْوِيعِ، ومَوْقِعُ بَراءَةٌ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّنْوِيعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا النَّوْعَ كافٍ في فَهْمِ المَقْصُودِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢]

والمَجْرُورانِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الفائِدَةِ. أيْ: البَراءَةُ صَدَرَتْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ، و”إلى“ لِلِانْتِهاءِ لِما أفادَهُ حَرْفُ ”مِن“ مِن مَعْنى الِابْتِداءِ. والمَعْنى أنَّ هَذِهِ بَراءَةٌ أصْدَرَها اللَّهُ بِواسِطَةِ رَسُولِهِ إبْلاغًا إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.

والبَراءَةُ الخُرُوجُ والتَّفَصِّي مِمّا يُتْعِبُ ورَفْعُ التَّبِعَةِ. ولَمّا كانَ العَهْدُ يُوجِبُ عَلى المُتَعاهِدِينَ العَمَلَ بِما تَعاهَدُوا عَلَيْهِ ويُعَدُّ الإخْلافُ بِشَيْءٍ مِنهُ غَدْرًا عَلى المُخْلِفِ، كانَ الإعْلانُ بِفَسْخِ العَهْدِ بَراءَةً مِنَ التَّبِعاتِ الَّتِي كانَتْ بِحَيْثُ تَنْشَأُ عَنْ إخْلافِ العَهْدِ، فَلِذَلِكَ كانَ لَفْظُ ”بَراءَةٌ“ هُنا مُفِيدًا مَعْنى فَسْخِ العَهْدِ ونَبْذِهِ لِيَأْخُذَ المُعاهِدُونَ حِذْرَهم. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَنْبِذُونَ العَهْدَ ويَرُدُّونَ الجِوارَ إذا شاءُوا تَنْهِيَةَ الِالتِزامِ بِهِما، كَما فَعَلَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ في رَدِّ جِوارِ أبِي بَكْرٍ عَنْ قُرَيْشٍ، وما فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ في رَدِّ جِوارِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ إيّاهُ قائِلًا رَضِيتُ بِجِوارِ رَبِّي ولا أُرِيدُ أنْ أسْتَجِيرَ غَيْرَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ: ولا تَخُنْهم لِظَنِّكَ أنَّهم يَخُونُونَكَ فَإذا ظَنَنْتَهُ فافْسَخْ عَهْدَكَ مَعَهم.

ولَمّا كانَ الجانِبُ الَّذِي ابْتَدَأ بِإبْطالِ العَهْدِ وتَنْهِيَتِهِ، هو جانِبُ النَّبِيءِ ﷺ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، جُعِلَتْ هَذِهِ البَراءَةُ صادِرَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ الآذِنُ بِها، ومِن رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لَها. وجُعِلَ ذَلِكَ مُنَهًّى إلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّ المَقْصُودَ إبْلاغُ ذَلِكَ الفَسْخِ إلَيْهِمْ وإيصالُهُ لِيَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ فَلا يَكُونَ ذَلِكَ الفَسْخُ غَدْرًا.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: عاهَدْتُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَهَذِهِ البَراءَةُ مَأْمُورُونَ بِإنْفاذِها.

واعْلَمْ أنَّ العَهْدَ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ كانَ قَدِ انْعَقَدَ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ ومَن ظاهَرَهم عَهْدُ الحُدَيْبِيَةِ:

صفحة ١٠٤

أنْ لا يُصَدَّ أحَدٌ عَنِ البَيْتِ إذا جاءَ، وأنْ لا يُخافَ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقَدْ كانَ مُعْظَمُ قَبائِلِ العَرَبِ داخِلًا في عَقْدِ قُرَيْشٍ الواقِعِ في الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَوْمَئِذٍ زُعَماءَ جَمِيعِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن شُرُوطِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ: أنَّ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَهْدِ مُحَمَّدٍ …

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْنى البَراءَةِ؛ لِأنَّها لَمّا أمَرَ اللَّهُ بِالأذانِ بِها كانَتْ إعْلامًا لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن نَقْضِ العَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَضَمِيرُ الخِطابِ في فِعْلِ الأمْرِ مَعْلُومٌ مِنهُ أنَّهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمُ الكَلامُ، وذَلِكَ التِفاتٌ. فالتَّقْدِيرُ: فَلْيَسِيحُوا في الأرْضِ. ونُكْتَةُ هَذا الِالتِفاتِ إبْلاغُ الإنْذارِ إلَيْهِمْ مُباشَرَةً.

ويَجُوزُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مُفَرَّعٍ عَلى البَراءَةِ مِن عُهُودِهِمْ، أيْ فَقُلْ لَهم: سِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ.

صفحة ١٠٦

والسِّياحَةُ حَقِيقَتُها السَّيْرُ في الأرْضِ. ولَمّا كانَ الأمْرُ بِهَذا السَّيْرِ مُفَرَّعًا عَلى البَراءَةِ مِنَ العَهْدِ، ومُقَرِّرًا لِحُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ السَّيْرُ بِأمْنٍ دُونَ خَوْفٍ في أيِّ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ، فَكانَ المَعْنى: فَسِيحُوا آمِنِينَ حَيْثُما شِئْتُمْ مِنَ الأرْضِ.

وهَذا تَأْجِيلٌ خاصٌّ بَعْدَ البَراءَةِ كانَ ابْتِداؤُهُ مِن شَوّالٍ وقْتَ نُزُولِ ”بَراءَةٌ“ ونِهايَتُهُ نِهايَةُ مُحَرَّمٍ في آخِرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ المُتَوالِيَةِ، وهي: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وأُجِّلَ النّاسُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ أُذِّنَ فِيهِمْ لِيَرْجِعَ كُلُّ قَوْمٍ إلى مَأْمَنِهِمْ. وقالَ بَعْضُهم: هي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ تَبْتَدِئُ مِن عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ وتَنْتَهِي في عاشِرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] أيْ مِن ذَلِكَ العامِ تَنْهِيَةً لِذَلِكَ الأجَلِ رُوعِيَ فِيها المُدَّةُ الكافِيَةُ لِرُجُوعِ النّاسِ إلى بِلادِهِمْ، وذَلِكَ نِهايَةُ المُحَرَّمِ.

وقِيلَ: الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم في جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، أيْ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُشْرِكِينَ أمْنٌ إلّا في الأشْهُرِ الحُرُمِ وعَلى هَذا فَلَيْسَ في الآيَةِ تَأْجِيلٌ خاصٌّ لِتَأْمِينِهِمْ ولَكِنَّهُ التَّأْمِينُ المُقَرِّرُ لِلْأشْهُرِ الحُرُمِ فَيَكُونُ المَعْنى: البَراءَةُ مِنَ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَهم فِيما زادَ عَلى الأمْنِ المُقَرِّرِ لِلْأشْهُرِ الحُرُمِ. وحَكى السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الآنِفِ أنَّهُ قِيلَ أنَّهُ أرادَ بِانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ العامِ وأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أجَلًا لِمَن لا عَهْدَ لَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ومَن كانَ لَهُ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ عَهْدٌ جُعِلَ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ أوَّلُها يَوْمُ النَّحْرِ مِن ذَلِكَ العامِ.

وفِي هَذا الأمْرِ إيذانٌ بِفَرْضِ القِتالِ في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وبِأنَّ ما دُونَ تِلْكَ الأشْهُرِ حَرْبٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وسَيَقَعُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.

* * *

﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَسِيحُوا داخِلٌ في حُكْمِ التَّفْرِيعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْبَأهم بِالأمانِ في أرْبَعَةِ الأشْهُرِ عَقَّبَهُ بِالتَّخْوِيفِ مِن بَأْسِ اللَّهِ احْتِراسًا مِن تَطَرُّقِ الغُرُورِ، وتَهْدِيدًا بِأنْ لا

صفحة ١٠٧

يَطْمَئِنُّوا مِن أنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وإنْ قَبَعُوا في دِيارِهِمْ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِـ واعْلَمُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ وعْيُهُ، والتَّدَبُّرُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ …

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] ومَوْقِعُ لَفْظِ ”أذانٌ“ كَمَوْقِعِ لَفْظِ ”بَراءَةٌ“ في التَّقْدِيرِ، وهَذا إعْلامٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَهم عَهْدٌ بِأنَّ عَهْدَهُمُ انْتُقِضَ.

والأذانُ اسْمُ مَصْدَرِ آذَنَهُ: إذا أعْلَمَهُ بِإعْلانٍ، مِثْلَ العَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ، والأمانِ بِمَعْنى الإيمانِ، فَهو بِمَعْنى الإيذانِ.

صفحة ١٠٨

وإضافَةُ الأذانِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ تَشْرِيعٌ وحُكْمٌ في مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَلا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وهَذا أمْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَأْذَنُوا المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ البَراءَةِ، لِئَلّا يَكُونُوا غادِرِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] . والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُشْرِكِينَ لِأنَّ العِلْمَ بِهَذا النِّداءِ يُهِمُّ النّاسَ كُلَّهم.

ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: قِيلَ هو يَوْمُ عَرَفَةَ؛ لِأنَّهُ يَوْمُ مُجْتَمَعِ النّاسِ في صَعِيدٍ واحِدٍ وهَذا يُرْوى عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ وفي الحَدِيثِ «الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وقِيلَ: هو يَوْمُ النَّحْرِ لِأنَّ النّاسَ كانُوا في يَوْمِ مَوْقِفِ عَرَفَةَ مُفْتَرِقِينَ إذْ كانَتِ الحُمْسُ يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، ويَقِفُ بَقِيَّةُ النّاسِ بِعَرَفَةَ، وكانُوا جَمِيعًا يَحْضُرُونَ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ ذَلِكَ الِاجْتِماعَ الأكْبَرَ، ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّعْلِيلَ إلى مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ. وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ أبِي أوْفى، والزُّهْرِيِّ، ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: لا نَشُكُّ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي تُرْمى فِيهِ الجَمْرَةُ، ويُنْحَرُ فِيهِ الهَدْيُ، ويَنْقَضِي فِيهِ الحَجُّ، مَن أدْرَكَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الفَجْرِ أدْرَكَ الحَجَّ. وأقُولُ أنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ شُغْلٍ بِعِبادَةٍ مِن وُقُوفٍ بِالمَوْقِفِ ومِن سَماعِ الخُطْبَةِ. فَأمّا يَوْمُ مِنًى فَيَوْمُ عِيدِهِمْ.

و”الأكْبَرِ“ بِالجَرِّ نَعْتٌ لِلْحَجِّ، بِاعْتِبارِ تَجْزِئَتِهِ إلى أعْمالٍ، فَوَصَفَ الأعْظَمَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ بِالأكْبَرِ ويَظْهَرُ مِنِ اخْتِلافِهِمْ في المُرادِ مِنَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَمِن ثَمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المُرادِ مِنهُ.

وهَذا الكَلامُ إنْشاءٌ لِهَذا الأذانِ، مُوَقَّتًا بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الأمْرِ، إذِ المَعْنى: آذِنُوا النّاسَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِيئانِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

صفحة ١٠٩

والمُرادُ بِـ ”النّاسِ“ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ ضَمَّهُمُ المَوْسِمُ، ومَن يَبْلُغُهُ ذَلِكَ مِنهم: مُؤْمِنُهم ومُشْرِكُهم. لِأنَّ هَذا الأذانَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ المُسْلِمُ والمُشْرِكُ، إذْ كانَ حُكْمُهُ يَلْزَمُ الفَرِيقَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِـ ”أذانٌ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو باءُ التَّعْدِيَةِ أيْ إعْلامُ بِهَذِهِ البَراءَةِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: …

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] ومِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] لِأنَّ شَأْنَ الِاسْتِثْناءِ إذا ورَدَ عَقِبَ جُمَلٍ أنْ

صفحة ١١٢

يَرْجِعَ إلى ما تَحْتَوِيهِ جَمِيعُها مِمّا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ، فَهو اسْتِثْناءٌ لِهَؤُلاءِ مِن حُكْمِ نَقْضِ العَهْدِ، ومِن حُكْمِ الإنْذارِ بِالقِتالِ، المُتَرَتِّبِ عَلى النَّقْضِ، فَهَذا الفَرِيقُ مِنَ المُشْرِكِينَ باقُونَ عَلى حُرْمَةِ عَهْدِهِمْ وعَلى السِّلْمِ مَعَهم.

والمَوْصُولُ هُنا يَعُمُّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ الصِّلَةُ، وقَدْ بَيَّنَ مَدْلُولَ الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾

وحَرْفُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإخْلالِ بِأقَلِّ شَيْءٍ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ أهَمُّ مِنَ الوَفاءِ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ لِأنَّ عَدَمَ الإخْلالِ بِأقَلِّ شَيْءٍ نادِرُ الحُصُولِ.

والنَّقْصُ لِشَيْءٍ إزالَةُ بَعْضِهِ، والمُرادُ: أنَّهم لَمْ يُفَرِّطُوا في شَيْءٍ مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ. وفي هَذا العَطْفِ إيذانٌ بِالتَّنْوِيهِ بِهَذا الِانْتِفاءِ لِأنَّ ”ثُمَّ“ إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أفادَتْ مَعْنى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أيْ بُعْدِ مَرْتَبَةِ المَعْطُوفِ مِن مَرْتَبَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بُعْدَ كَمالٍ وارْتِفاعِ شَأْنٍ. فَإنَّ مِن كَمالِ العَهْدِ الحِفاظَ عَلى الوَفاءِ بِهِ.

وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ احْتَفَظُوا بِعَهْدِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، ووَفَّوْا بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَلَمْ يَكِيدُوا المُسْلِمِينَ بِكَيْدٍ، ولا ظاهَرُوا عَلَيْهِمْ عَدُوًّا سِرًّا، فَهَؤُلاءِ أُمِرَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يَنْقُضُوا عَهْدَهم إلى المُدَّةِ الَّتِي عُوهِدُوا عَلَيْها. ومِن هَؤُلاءِ: بَنُو ضَمْرَةَ، وحَيّانِ مِن بَنِي كِنانَةَ: هم بَنُو جُذَيْمَةَ، وبَنُو الدِّيلِ. ولا شَكَّ أنَّهم مِمَّنْ دَخَلُوا في عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ.

وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا: أنَّ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِالبَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ هم ضِدُّ أُولَئِكَ، وهم قَوْمٌ نَقَصُوا مِمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ، أيْ كادُوا وغَدَرُوا سِرًّا، أوْ ظاهَرُوا العَدُوَّ بِالمَدَدِ والجَوْسَسَةِ.

ومِن هَؤُلاءِ: قُرَيْظَةُ أمَدُّوا المُشْرِكِينَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وبَنُو بَكْرٍ، عَدَوْا عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ. فَعُبِّرَ عَنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ لِأنَّهم لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ عَلَنًا، ولا أبْطَلُوهُ، ولَكِنَّهم أخَلَّوْا بِهِ، مِمّا اسْتَطاعُوا أنْ يَكِيدُوا ويَمْكُرُوا ولِأنَّهم نَقَضُوا بَعْضَ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ.

صفحة ١١٣

وذِكْرُ كَلِمَةِ ”شَيْئًا“ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الِانْتِقاصِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ عامَّةٌ، فَإذا وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ أفادَتِ انْتِفاءَ كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَوْجُودٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُظاهَرَةُ: المُعاوَنَةُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُها مُشْتَقًّا مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الظَّهْرُ، أيْ صُلْبُ الإنْسانِ أوِ البَعِيرِ؛ لِأنَّ الظَّهْرَ بِهِ قُوَّةُ الإنْسانِ في المَشْيِ والتَّغَلُّبِ، وبِهِ قُوَّةُ …

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] فَإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ أرْبَعَةً تَبْتَدِئُ مِن وقْتِ نُزُولِ ”بَراءَةٌ“ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ تَفْرِيعًا مُرادًا مِنهُ زِيادَةُ قَيْدٍ عَلى قَيْدِ الظَّرْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أيْ: فَإذا انْتَهى أجَلُ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وانْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ إلَخْ لِانْتِهاءِ الإذْنِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، وإنْ كانَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ مُرادًا بِها الأشْهُرُ الحُرُمُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ الإذْنِ بِالأمْنِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، المُقْتَضِي أنَّهُ لا أمْنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَيَكُونُ تَأْجِيلًا لَهم إلى انْقِضاءِ شَهْرِ المُحَرَّمِ مِن سَنَةِ عَشْرٍ، ثُمَّ تَحْذِيرًا مِن خَرْقِ حُرْمَةِ شَهْرِ رَجَبٍ، وكَذَلِكَ يَسْتَمِرُّ الحالُ في كُلِّ عامٍ إلى نَسْخِ تَأْمِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]

وانْسِلاخُ الأشْهُرِ انْقِضاؤُها وتَمامُها وهو مُطاوِعُ سَلْخٍ. وهو في الأصْلِ اسْتِعارَةٌ مِن سَلْخِ جِلْدِ الحَيَوانِ، أيْ إزالَتُهُ. ثُمَّ شاعَ هَذا الإطْلاقُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً.

والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ وهو سَماعِيٌّ لِأنَّ ”فُعُلًا“ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ إنَّما يَنْقاسُ في الِاسْمِ الرُّباعِيِّ ذِي مَدٍّ زائِدٍ. وحَرامٌ صِفَةٌ. وقالَ الرَّضِيُّ في بابِ الجَمْعِ مِن شَرْحِ الشّافِيَةِ: إنَّ جُمُوعَ التَّكْسِيرِ أكْثَرُها مُحْتاجٌ إلى السَّماعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] سُورَةُ البَقَرَةِ. وهي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ ورَجَبٌ.

صفحة ١١٥

وانْسِلاخُها انْقِضاءُ المُدَّةِ المُتَتابِعَةِ مِنها، وقَدْ بَقِيَتْ حُرْمَتُها ما بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبِيلَةٌ، لِمَصْلَحَةِ الفَرِيقَيْنِ، فَلَمّا آمَنَ جَمِيعُ العَرَبِ بَطَلَ حُكْمُ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ المَحارِمِ الإسْلامِيَّةِ أغْنَتْ عَنْها.

والأمْرُ في ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ لِلْإذْنِ والإباحَةِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَأْمُوراتِ عَلى حِدَةٍ، أيْ فَقَدْ أُذِنَ لَكم في قَتْلِهِمْ وفي أخْذِهِمْ، وفي حِصارِهِمْ، وفي مَنعِهِمْ مِنَ المُرُورِ بِالأرْضِ الَّتِي تَحْتَ حُكْمِ الإسْلامِ، وقَدْ يَعْرِضُ الوُجُوبُ إذا ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ، ومِن صُوَرِ الوُجُوبِ ما يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] والمَقْصُودُ هُنا: أنَّ حُرْمَةَ العَهْدِ قَدْ زالَتْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ شُرِعُ الجِهادُ والإذْنُ فِيهِ والإشارَةُ إلى أنَّهم لا يُقْبَلُ مِنهم غَيْرُ الإسْلامِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْ آياتِ المُوادَعَةِ والمُعاهَدَةِ. وقَدْ عَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ وعَمَّتِ البِقاعَ إلّا ما خَصَّصَتْهُ الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

والأخْذُ: الأسْرُ. …

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ فَإنْ تابُوا لِتَفْصِيلِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لِتَخْصِيصِ عُمُومِهِ، أيْ إلّا مُشْرِكًا اسْتَجارَكَ لِمَصْلَحَةٍ: لِلسِّفارَةِ عَنْ قَوْمِهِ أوْ لِمَعْرِفَةِ شَرائِعِ الإسْلامِ. وصِيغَ الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الشَّرْطِ لِتَأْكِيدِ حُكْمِ الجَوابِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنْ تَقَعَ الرَّغْبَةُ في الجِوارِ مِن جانِبِ المُشْرِكِينَ.

وجِيءَ بِحِرَفِ ”إنْ“ الَّتِي شَأْنُها أنْ يَكُونَ شَرْطُها نادِرَ الوُقُوعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا شَرْطٌ فَرْضِيٌّ لِكَيْلا يَزْعُمَ المُشْرِكُونَ أنَّهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن لِقاءِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَتَّخِذُوهُ عُذْرًا لِلِاسْتِمْرارِ عَلى الشِّرْكِ إذا غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ. ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا إنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وهَذا لا يُعارِضُ ما رَأيْناهُ مِن أنَّ الشَّرْطَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ إلَخْ، شَرْطٌ فَرْضِيٌّ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مَقالَةَ هَذا الرَّجُلِ وقَعَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ. عَلى أنَّ هَذا المَرْوِيَّ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ.

وجِيءَ بِلَفْظِ ”أحَدٌ“ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ لَفْظِ مُشْرِكٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلى عُمُومِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ مِثْلُها في سِياقِ النَّفْيِ إذا لَمْ تُبْنَ عَلى الفَتْحِ احْتَمَلَتْ إرادَةَ

صفحة ١١٨

عُمُومِ الجِنْسِ واحْتَمَلَتْ بَعْضَ الأفْرادِ، فَكانَ ذِكْرُ ”أحَدٌ“ في سِياقِ الشَّرْطِ تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ بِمَنزِلَةِ البِناءِ عَلى الفَتْحِ في سِياقِ النَّفْيِ بِـ ”لا“ .

و”أحَدٌ“ أصْلُهُ واحِدٌ لِأنَّ هَمْزَتَهُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الجُزْئِيِّ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُ واحِدٌ، كَما اسْتُعْمِلَ لَهُ ”فَرْدٌ“ في اصْطِلاحِ العُلُومِ، فَمَعْنى ﴿أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مُشْرِكٌ.

وتَقْدِيمُ ”أحَدٌ“ عَلى اسْتَجارَكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ، لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ فَيَقَعُ المُسْنَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ السّامِعِ مَوْقِعَ التَّمَكُّنِ.

وساغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ لِأنَّ المُرادَ النَّوْعُ، أوْ لِأنَّ الشَّرْطَ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ في إفادَةِ العُمُومِ، ولا مانِعَ مِن دُخُولِ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلى المُبْتَدَأِ لِأنَّ وُقُوعَ الخَبَرِ فِعْلًا مُقْنِعٌ لِحَرْفِ الشَّرْطِ في اقْتِضائِهِ الجُمْلَةالفِعْلِيَّةَ، فَيُعْلَمُ أنَّ الفاعِلَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِغَرَضٍ ما. ولِذَلِكَ شاعَ عِنْدَ النُّحاةِ أنَّهُ فاعِلٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنَّما هو تَقْدِيرُ اعْتِبارٍ. ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلى إفادَةِ العُمُومِ ومِن تَقْدِيمِ ﴿أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَلى الفِعْلِ، تَأْكِيدُ بَذْلِ الأمانِ لِمَن يَسْألُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا كانَ لِلِقائِهِ النَّبِيءَ ﷺ ودُخُولِهِ بِلادَ الإسْلامِ مَصْلَحَةٌ، ولَوْ كانَ أحَدٌ مِنَ القَبائِلِ الَّتِي خانَتِ العَهْدَ، لِئَلّا تَحْمِلَ خِيانَتُهُمُ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَخُونُوهم أوْ يَغْدِرُوا بِهِمْ فَذَلِكَ …

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] ثُمَّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] الَّتِي كانَتْ تَدَرُّجًا في إبْطالِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن عُهُودٍ سابِقَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ

صفحة ١٢١

الَّذِينَ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى دَخِيلَةِ الأمْرِ، فَلَعَلَّ بَعْضَ قَبائِلِ العَرَبِ مِنَ المُشْرِكِينَ يَتَعَجَّبُ مِن هَذِهِ البَراءَةِ، ويَسْألُ عَنْ سَبَبِها، وكَيْفَ أُنْهِيَتِ العُهُودُ وأُعْلِنْتِ الحَرْبُ، فَكانَ المَقامُ مَقامَ بَيانِ سَبَبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ أمْرانِ: بُعْدُ ما بَيْنَ العَقائِدِ، وسَبْقُ الغَدْرِ.

والِاسْتِفْهامُ بِـ ”كَيْفَ“ إنْكارِيٌّ؛ إنْكارًا لِحالَةِ كِيانِ العَهْدِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الإسْلامِ، أيْ: دَوامُ العَهْدِ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ الَّذِينَ عاهَدُوهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وما بَعْدَهُ فَفِعْلَ ”يَكُونُ“ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ . ولَيْسَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى وُقُوعِ العَهْدِ، فَإنَّ العَهْدَ قَدِ انْعَقَدَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وسَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وسُمِّيَ رِضا المُؤْمِنِينَ بِهِ يَوْمَئِذٍ سَكِينَةً في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]

والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَكُونَ لَكم عَهْدٌ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ، لِلْبَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ دِينِ التَّوْحِيدِ ودِينِ الشِّرْكِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفاقُ أهْلَيْهِما، أيْ فَما كانَ العَهْدُ المُنْعَقِدُ مَعَهم إلّا أمْرًا مُوَقَّتًا بِمَصْلَحَةٍ. فَفي وصْفِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإنْكارِ عَلى دَوامِ العَهْدِ مَعَهم.

وهَذا يُؤَيِّدُ ما فَسَّرْنا بِهِ وجْهَ إضافَةِ البَراءَةِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإسْنادَ العَهْدِ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ١]

ومَعْنى ”عِنْدَ“ الِاسْتِقْرارُ المَجازِيُّ، بِمَعْنى الدَّوامِ أيْ إنَّما هو عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، وقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ نَكَثُوا عَهْدَهُمُ الَّذِي عاهَدُوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، إذْ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلاحِ والرِّجالِ عَلى خُزاعَةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ داخِلَةً في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ التَّجْهِيزِ لِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ.

واسْتِثْناءُ ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ٤] مِن مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ بِـ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ لا يَكُونُ عَهْدُ المُشْرِكِينَ إلّا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

والَّذِينَ عاهَدُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ: هم بَنُو ضَمْرَةَ، وبَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ الدِّيلِ، مِن كِنانَةَ؛ وبَنُو بَكْرٍ مِن كِنانَةَ.

صفحة ١٢٢

فالمَوْصُولُ هُنا لِلْعَهْدِ، وهم أخَصُّ مِنَ الَّذِينَ مَضى فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] …

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ .

و”كَيْفَ“ هَذِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِـ ”كَيْفَ“ الَّتِي في الآيَةِ قَبْلَها، فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] إخْبارًا عَنْ دَخائِلِهِمْ.

وفِي إعادَةِ الِاسْتِفْهامِ إشْعارٌ بِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ لَها مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِتَوَجُّهِ الإنْكارِ عَلى دَوامِ العَهْدِ لِلْمُشْرِكِينَ، حَتّى كَأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِالإنْكارِ. لا مُجَرَّدَ قَيْدٍ لِلْأمْرِ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإنْكارُ ابْتِداءً، فَيَؤُولُ المَعْنى الحاصِلُ مِن هَذا النَّظْمِ إلى إنْكارِ دَوامِ العَهْدِ مَعَ المُشْرِكِينَ في ذاتِهِ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ، وإلى إنْكارِ دَوامِهِ بِالخُصُوصِ في هَذِهِ الحالَةِ. وهي حالَةُ ما يُبْطِنُونَهُ مِن نِيَّةِ الغَدْرِ إنْ ظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، مِمّا قامَتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ والأماراتُ، كَما فَعَلَتْ هَوازِنُ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ. فَجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧]

وضَمِيرُ يَظْهَرُوا عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] ومَعْنى ﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ [الكهف: ٢٠] إنْ يَنْتَصِرُوا. وتَقَدَّمَ بَيانُ هَذا الفِعْلِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤] . والمَعْنى: لَوِ انْتَصَرَ المُشْرِكُونَ، بَعْدَ ضَعْفِهِمْ، وبَعْدَ أنْ جَرَّبُوا مِنَ العَهْدِ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في قُوَّتِكم، لَنَقَضُوا العَهْدَ. وضَمِيرُ ”عَلَيْكم“ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

صفحة ١٢٤

ومَعْنى ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ لا يُوَفُّوا ولا يُراعُوا، يُقالُ: رَقَبَ الشَّيْءَ: إذا نَظَرَ إلَيْهِ نَظَرَ تَعَهُّدٍ ومُراعاةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الرَّقِيبُ، وسُمِّيَ المَرْقَبُ، مَكانُ الحِراسَةِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى المُراعاةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ لِأنَّ مَن أبْطَلَ العَمَلَ بِشَيْءٍ فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ وصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ.

والإلُّ: الحِلْفُ والعَهْدُ؛ ويُطْلَقُ الإلُّ عَلى النَّسَبِ والقَرابَةِ. وقَدْ كانَتْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ أنْسابٌ وقَراباتٌ، فَيَصِحُّ أنْ يُرادَ هُنا كِلا مَعْنَيَيْهِ.

والذِّمَّةُ ما يَمُتُّ بِهِ مِنَ الأواصِرِ مِن صُحْبَةٍ وخُلَّةٍ وجِوارٍ مِمّا يَجِبُ في المُرُوءَةِ أنْ يُحْفَظَ ويُحْمى. يُقالُ: في ذِمَّتِي كَذا، أيْ ألْتَزِمُ بِهِ وأحْفَظُهُ.

* * *

﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، أيْ هم يَقُولُونَ لَكم ما يُرْضِيكم، كَيْدًا ولَوْ تَمَكَّنُوا مِنكم لَمْ يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً. مَن يَسْمَعُ كَلامًا فَيَأْباهُ.

والإبايَةُ: الِامْتِناعُ مِن شَيْءٍ مَطْلُوبٍ وإسْنادُ الإبايَةِ إلى القُلُوبِ اسْتِعارَةٌ، فَقُلُوبُهم لَمّا نَوَتِ الغَدْرَ شُبِّهَتْ بِمَن يُطْلَبُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَأْبى.

وجُمْلَةُ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن واوِ الجَماعَةِ في ”يُرْضُونَكم“ مَقْصُودٌ مِنها الذَّمُّ بِأنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفٌ، مَعَ ذَلِكَ، بِالخُرُوجِ عَنْ مَهْيَعِ المُرُوءَةِ والرُّجْلَةِ، إذْ نَجِدُ أكْثَرَهم خالِعِينَ زِمامَ الحَياءِ، فَجَمَعُوا المَذَمَّةَ الدِّينِيَّةَ والمَذَمَّةَ العُرْفِيَّةَ. فالفِسْقُ هُنا الخُرُوجُ عَنِ الكَمالِ العُرْفِيِّ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ …

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

صفحة ١٢٥

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ المُشْعِرِ اسْتِئْنافُهُ بِعَجِيبِ حالِهِمْ، في صَدِّ اسْتِقْلالِهِ بِالأخْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ وصَفَ القُرْآنُ فِيها المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ما وصَفَ بِهِ أهْلَ الكِتابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: مِنَ الِاشْتِراءِ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ لَمْ يُوصَفُوا بِمِثْلِ هَذا في آيَةٍ أُخْرى نَزَلَتْ بَعْدَها لِأنَّ نُزُولَها كانَ في آخِرِ عَهْدِ المُشْرِكِينَ بِالشِّرْكِ إذْ لَمْ تَطُلْ مُدَّةٌ حَتّى دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، سَنَةَ الوُفُودِ وما بَعْدَها، وفِيها دَلالَةٌ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ، بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وظُهُورِ الإسْلامِ عَلى مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ، لَيْسَ لَهُمُ امْتِراءٌ في صِحَّةِ الإسْلامِ ونُهُوضِ حُجَّتِهِ، ولَكِنَّهم بَقُوا عَلى الشِّرْكِ لِمَنافِعَ يَجْتَنُونَها مِن عَوائِدِ قَوْمِهِمْ: مِن غاراتٍ يَشُنُّها بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ومَحَبَّةِ الأحْوالِ الجاهِلِيَّةِ مِن خَمْرٍ ومَيْسِرٍ وزِنًى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَذَمّاتِ واللَّذّاتِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ آثَرُوهُ عَلى الهُدى والنَّجاةِ في الآخِرَةِ. فَلِكَوْنِ آياتِ صِدْقِ القُرْآنِ أصْبَحَتْ ثابِتَةً عِنْدَهم جُعِلَتْ مِثْلَ مالٍ بِأيْدِيهِمْ، وفَرَّطُوا فِيهِ لِأجْلِ اقْتِناءِ مَنافِعَ قَلِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ مُثِّلَ حالُهم بِحالِ مَنِ اشْتَرى شَيْئًا بِشَيْءٍ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ، وهي دَلائِلُ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، وأعْظَمُها القُرْآنُ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ والحِجاجِ والإعْجازِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ باءُ التَّعْوِيضِ. وشَأْنُها أنْ تَدْخُلَ عَلى ما هو عِوَضٌ يَبْذُلُهُ مالِكُهُ لِأخْذِ مُعَوَّضٍ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، فَجُعِلَتْ آياتُ اللَّهِ كالشَّيْءِ المَمْلُوكِ لَهم لِأنَّها تَقَرَّرَتْ دَلالَتُها عِنْدَهم ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْها واسْتَبْدَلُوها بِاتِّباعِ هَواهم.

والتَّعْبِيرُ عَنِ العِوَضِ المُشْتَرى بِاسْمِ ثَمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَبْذُولًا لا مُقْتَنًى جارٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِمَنافِعِ أهْوائِهِمْ بِالثَّمَنِ المَبْذُولِ فَحَصَلَ مِن فِعْلِ ”اشْتَرَوْا“ ومِن لَفْظِ ”ثَمَنًا“ اسْتِعارَتانِ بِاعْتِبارَيْنِ.

صفحة ١٢٦

وجُمْلَةُ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ إيثارَهُمُ البَقاءَ عَلى كُفْرِهِمْ يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ أنْ يَصُدُّوا النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، فَمُثِّلَ حالُهم بِحالِ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقٍ تُبَلِّغُ إلى المَقْصُودِ.

ومَفْعُولُ ”صَدُّوا“ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: صَدُّوا كُلَّ قاصِدٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا، فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِيَظْهَرَ اسْتِقْلالُها بِالأخْبارِ، وأنَّها لا يَنْبَغِي أنْ تُعْطَفَ في الكَلامِ، إذِ العَطْفُ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ بِمَنزِلَةِ التَّكْمِلَةِ لِلْمَعْطُوفَةِ عَلَيْها.

وافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الذَّمِّ لَهم.

و”ساءَ“ مِن أفْعالِ الذَّمِّ، مِن بابِ ”بِئْسَ“، و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ، وعُبِّرَ عَنْ عَمَلِهِمْ بِـ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ دَأْبٌ لَهم ومُتَكَرِّرٌ مِنهم.

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] لِأنَّ انْتِفاءَ مُراعاةِ الإلِّ والذِّمَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ سُوءُ عَمَلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتُدِئَ بِهِ لِلِالتِمامِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وقَدْ أفادَتْ مَعْنًى أعَمَّ وأوْسَعَ مِمّا أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] لِأنَّ إطْلاقَ الحُكْمِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِشَرْطِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] يُفِيدُ أنَّ عَدَمَ مُراعاتِهِمْ حَقَّ الحِلْفِ والعَهْدِ خُلُقٌ مُتَأصِّلٌ، سَواءً كانُوا أقْوِياءَ أمْ مُسْتَضْعَفِينَ، وإنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأجْلِ إيمانِهِمْ. والإلُّ والذِّمَّةُ تَقَدَّما قَرِيبًا.

* * *

صفحة ١٢٧

﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ لِمُناسَبَةِ أنَّ إثْباتَ الِاعْتِداءِ العَظِيمِ لَهم نَشَأ عَنِ الحِقْدِ، الشَّيْءِ الَّذِي أضْمَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِشَيْءٍ إلّا لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]

والقَصْرُ إمّا أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ في اعْتِدائِهِمْ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَظِيمٌ باطِنِيٌّ عَلى قَوْمٍ حالَفُوهم وعاهَدُوهم، ولَمْ يُلْحِقُوا بِهِمْ ضُرًّا مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ: هُمُ المُعْتَدُونَ لا أنْتُمْ لِأنَّهم بَدَءُوكم بِنَقْضِ العَهْدِ في قَضِيَّةِ خُزاعَةَ وبَنِي الدِّيلِ مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ مِمّا كانَ سَبَبًا في غَزْوَةِ الفَتْحِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.