Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

الجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لِيُبْنى عَلى التَّقْرِيرِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ إلَخْ، فَوِزانُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وِزانُ جُمْلَةِ ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى.

صفحة ١٧٠

والأحْبارُ جَمَعُ حَبْرٍ - بِفَتْحِ الحاءِ - وهو العالِمُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ.

الرُّهْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِراهِبٍ وهو التَّقِيُّ المُنْقَطِعُ لِعِبادَةِ اللَّهِ مِن أهْلِ دِينِ النَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما خُصَّ الحَبْرُ بِعالِمِ اليَهُودِ لِأنَّ عُظَماءَ دِينِ اليَهُودِيَّةِ يَشْتَغِلُونَ بِتَحْرِيرِ عُلُومِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَهم عُلَماءُ في الدِّينِ، وخُصَّ الرّاهِبُ بِعَظِيمِ دِينِ النَّصْرانِيَّةِ لِأنَّ دِينَ النَّصارى قائِمٌ عَلى أصْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ هَؤُلاءِ أرْبابًا أنَّ اليَهُودَ ادَّعَوْا لِبَعْضِهِمْ بُنُوَّةَ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ تَأْلِيهٌ، وأنَّ النَّصارى أشَدُّ مِنهم في ذَلِكَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِصُوَرِ عُظَماءِ مِلَّتِهِمْ مِثْلَ صُورَةِ مَرْيَمَ، وصُوَرِ الحَوارِيِّينَ، وصُورَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ، والسُّجُودُ مِن شِعارِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ في حُرُوبِهِمْ ولا يَسْتَنْصِرُونَ بِاللَّهِ.

وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن طَوائِفِهِمْ وفِرَقِهِمْ، ولِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِ أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ المُخالِفَةِ لِما هو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِنَ الدِّينِ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ أحْبارَهم ورُهْبانَهم يُحَلِّلُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ، وهَذا مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ أهْلِ الدِّينَيْنِ، ولِذَلِكَ أفْحَمَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ لَمّا وفَدَ عَلَيْهِ قُبَيْلَ إسْلامِهِ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقالَ عَدِيُّ: لَسْنا نَعْبُدُهم فَقالَ: («ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ فَقُلْتُ: بَلى قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم» ) فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم جَعَلُوا لِبَعْضِ أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمْ مَرْتَبَةَ الرُّبُوبِيَّةِ في اعْتِقادِهِمْ فَكانَتِ الشَّناعَةُ لازِمَةً لِلْأُمَّتَيْنِ ولَوْ كانَ مِن بَيْنِهِمْ مَن لَمْ يَقُلْ بِمَقالِهِمْ كَما زَعَمَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ فَإنَّ الأُمَّةَ تُؤاخَذُ بِما يَصْدُرُ مِن أفْرادِها إذا أقَرَّتْهُ ولَمْ تُنْكِرْهُ، ومَعْنى اتِّخاذُهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا دُونَ أنْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ، وتَخْصِيصُ المَسِيحِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ تَأْلِيهَ النَّصارى إيّاهُ أشْنَعُ وأشْهَرُ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾، وهي مَحَطُّ زِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ وإنْكارِ صَنِيعِهِمْ بِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم فِيما زَعَمُوا؛ لِأنَّ وصايا كُتُبِ المِلَّتَيْنِ طافِحَةٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِزِيادَةِ إثارَةِ غَيْظِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِكَشْفِ ما يُضْمِرُونَهُ لِلْإسْلامِ مِنَ المُمالاةِ، والتَّألُّبِ عَلى مُناواةِ الدِّينِ، حِينَ تَحَقَّقُوا أنَّهُ في انْتِشارٍ وظُهُورٍ فَثارَ حَسَدُهم وخَشَوْا ظُهُورَ فَضْلِهِ عَلى دِينِهِمْ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [التوبة: ٢٩] والإطْفاءُ إبْطالُ الإسْراجِ وإزالَةُ النُّورِ بِنَفْخٍ عَلَيْهِ، أوْ هُبُوبِ رِياحٍ، أوْ إراقَةِ مِياهٍ عَلى الشَّيْءِ المُسْتَنِيرِ مِن سِراجٍ أوْ جَمْرٍ.

والنُّورُ الضَّوْءُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] في سُورَةِ الأنْعامِ. والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ، وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، وإعانَةِ المُناوِئِينَ لِلْإسْلامِ بِالقَوْلِ والإرْجافِ، والتَّحْرِيضِ عَلى المُقاوَمَةِ. والِانْضِمامِ إلى صُفُوفِ الأعْداءِ في الحُرُوبِ، ومُحاوَلَةِ نَصارى الشّامِ الهُجُومَ عَلى المَدِينَةِ بِحالِ مَن يُحاوِلُ إطْفاءَ نُورٍ بِنَفْخِ فَمِهِ عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ، ومِن كَمالِ بَلاغَتِهِ أنَّهُ صالِحٌ لِتَفْكِيكِ التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبَّهَ الإسْلامُ وحْدَهُ بِالنُّورِ، ويُشَبَّهَ مُحاوِلُو إبْطالِهِ بِمُرِيدِي إطْفاءِ النُّورِ ويُشَبَّهَ الإرْجافُ والتَّكْذِيبُ بِالنَّفْخِ، ومِنَ الرَّشاقَةِ أنَّ آلَةَ النَّفْخِ وآلَةَ التَّكْذِيبِ واحِدَةٌ وهي الأفْواهُ. والمِثالُ المَشْهُورُ لِلتَّمْثِيلِ الصّالِحِ لِاعْتِبارَيِ التَّرْكِيبِ والتَّفْرِيقِ قَوْلُ بَشّارٍ:

كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهُ

ولَكِنَّ التَّفْرِيقَ في تَمْثِيلِيَّةِ الآيَةِ أشَدُّ اسْتِقْلالًا، بِخِلافِ بَيْتِ بَشّارٍ، كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

صفحة ١٧٢

وإضافَةُ النُّورِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُحاوَلَةَ إطْفائِهِ عَبَثٌ وأنَّ أصْحابَ تِلْكَ المُحاوَلَةِ لا يَبْلُغُونَ مُرادَهم.

والإباءُ والإبايَةُ: الِامْتِناعُ مِنَ الفِعْلِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِإرادَةِ اللَّهِ - تَعالى - إتْمامَ ظُهُورِ الإسْلامِ بِحالِ مَن يُحاوِلُهُ مُحاوِلٌ عَلى فِعْلٍ وهو يَمْتَنِعُ مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمّا حاوَلُوا طَمْسَ الإسْلامِ كانُوا في نَفْسِ الأمْرِ مُحاوِلِينَ إبْطالَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ حالُهم، في نَفْسِ الأمْرِ، كَحالِ مَن يُحاوِلُ مِن غَيْرِهِ فِعْلًا وهو يَأْبى أنْ يَفْعَلَهُ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ وإنْ لَمْ يَسْبِقْهُ نَفْيٌ لِأنَّهُ أُجْرِيَ فِعْلُ يَأْبى مَجْرى نَفْيِ الإرادَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُرِيدُ اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ أبى ونَحْوَهُ فِيهِ جانِبُ نَفْيٍ لِأنَّ إبايَةَ شَيْءٍ جَحْدٌ لَهُ، فَقَوِيَ جانِبُ النَّفْيِ هُنا لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ . فَكانَ إباءُ ما يُرِيدُونَهُ في مَعْنى نَفْيِ إرادَةِ اللَّهِ ما أرادُوهُ. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ أنْ يَقُولَ قائِلٌ ”كَرِهْتُ إلّا أخاكَ“ .

وجِيءَ بِهَذا التَّرْكِيبِ هُنا لِشِدَّةِ مُماحَكَةِ أهْلِ الكِتابِ وتَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ، ولَمْ يُجَأْ بِهِ في سُورَةِ الصَّفِّ إذْ قالَ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] لِأنَّ …

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

صفحة ١٧٣

﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] بِأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذا الدِّينِ، فَلا يُرِيدُ إزالَتَهُ، ولا يَجْعَلُ تَقْدِيرَهُ باطِلًا وعَبَثًا. وفي هَذا البَيانِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الرَّسُولِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الدِّينِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ، أيْ هو لا غَيْرُهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذا النُّورِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مُعانِدِيهِ يُطْفِئُونَهُ.

واجْتِلابُ اسْمُ المَوْصُولِ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ عِلَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ وهي جُمْلَةٌ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]

وعَبَّرَ عَنِ الإسْلامِ ﴿بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ تَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى ولا حَقٍّ.

وفِعْلُ الإظْهارِ إذا عُدِّيَ بِـ عَلى كانَ مُضَمَّنًا مَعْنى النَّصْرِ، أوِ التَّفْضِيلِ، أيْ لِيَنْصُرَهُ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أيْ لِيَكُونَ أشْرَفَ الأدْيانِ وأغْلَبَها، ومِنهُ المُظاهَرَةُ أيِ المُناصَرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤]

فالإسْلامُ كانَ أشْرَفَ الأدْيانِ: لِأنَّ مُعْجِزَةَ صِدْقِهِ القُرْآنُ، وهو مُعْجِزَةٌ تُدْرَكُ بِالعَقْلِ، ويَسْتَوِي في إدْراكِ إعْجازِها جَمِيعُ العُصُورِ، ولِخُلُوِّ هَذا الدِّينِ عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ في الِاعْتِقادِ والفِعْلِ، فَهو خَلِيٌّ عَنْ إثْباتِ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، وخَلِيٌّ عَنْ وضْعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وخَلِيٌّ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإعْراضِ عَنِ اسْتِقامَةِ نِظامِ العالَمِ، وقَدْ فَصَّلْتُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ أُصُولَ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.

وظُهُورُ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ حَصَلَ في العالَمِ بِاتِّباعِ أهْلِ المِلَلِ إيّاهُ في سائِرِ الأقْطارِ، بِالرَّغْمِ عَلى كَراهِيَةِ أقْوامِهِمْ وعُظَماءِ مِلَلِهِمْ ذَلِكَ، ومُقاوَمَتِهِمْ إيّاهُ بِكُلِّ حِيلَةٍ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ وعَلا وبانَ فَضْلُهُ عَلى الأدْيانِ الَّتِي جاوَرَها وسَلامَتُهُ مِنَ الخُرافاتِ

صفحة ١٧٤

والأوْهامِ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِها، وما صَلُحَتْ بَعْضُ أُمُورِهِمْ إلّا فِيما حاكَوْهُ مِن أحْوالِ المُسْلِمِينَ وأسْبابِ نُهُوضِهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن إظْهارِهِ عَلى الأدْيانِ أنْ تَنْقَرِضَ تِلْكَ الأدْيانُ.

ولَوْ في ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ وصَلْيَةٌ مِثْلَ الَّتِي في نَظِيرَتِها. وذُكِرَ المُشْرِكُونَ هُنا لِأنَّ ظُهُورَ دِينِ الإسْلامِ أشَدُّ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِمُعارَضَتِهِ وعَداوَتِهِ ودَعَوُا الأُمَمَ لِلتَّألُّبِ عَلَيْهِ واسْتَنْصَرُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهم شَيْئًا، ولِأنَّ أتَمَّ مَظاهِرِ انْتِصارِ الإسْلامِ كانَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ وهي دِيارُ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الإسْلامَ غَلَبَ عَلَيْها، وزالَتْ مِنها جَمِيعُ الأدْيانِ الأُخْرى، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَبْقى دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» فَلِذَلِكَ كانَتْ كَراهِيَةُ المُشْرِكِينَ ظُهُورَهُ مَحِلَّ المُبالِغَةِ في أحْوالِ إظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَنْبِيهِ المُسْلِمِينَ عَلى نَقائِصِ أهْلِ الكِتابِ، تَحْقِيرًا لَهم في نُفُوسِهِمْ، لِيَكُونُوا أشِدّاءَ عَلَيْهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَأْلِيهَ عامَّتِهِمْ لِأفاضِلَ مِن أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ المُتَقَدِّمِينَ: مِثْلَ عُزَيْرَ، بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَأخِّرِينَ لَيْسُوا عَلى حالِ كَمالٍ، ولا يَسْتَحِقُّونَ المَقامَ الدِّينِيَّ الَّذِي يَنْتَحِلُونَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ أنْ يَعْلَمَ المُسْلِمُونَ تَمالُؤَ الخاصَّةِ والعامَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، عَلى الضَّلالِ وعَلى مُناواةِ الإسْلامِ، وأنَّ غَرَضَهم مِن ذَلِكَ حُبُّ الخاصَّةِ الِاسْتِيثارُ بِالسِّيادَةِ، وحُبُّ العامَّةِ الِاسْتِيثارُ بِالمَزِيَّةِ بَيْنَ العَرَبِ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالنِّداءِ واقْتِرانُها بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها ورَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ فِيهِ لِغَرابَتِهِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأحْبارِ والرُّهْبانِ آنِفًا.

صفحة ١٧٥

وأُسْنِدَ الحُكْمُ إلى كَثِيرٍ مِنهم دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَخْلُوا مِن وُجُودِ الصّالِحِينَ فِيهِمْ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ.

والباطِلُ ضِدُّ الحَقِّ، أيْ يَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ أكْلًا مُلابِسًا لِلْباطِلِ، أيْ أكْلًا لا مُبَرِّرَ لَهُ، وإطْلاقُ الأكْلِ عَلى أخْذِ مالِ الغَيْرِ إطْلاقٌ شائِعٌ قالَ تَعالى، ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وقالَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ الباطِلُ تَقَدَّمَ هُنالِكَ.

والباطِلُ يَشْمَلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً، مِنها تَغْيِيرُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ لِمُوافَقَةِ أهْواءِ النّاسِ، ومِنها القَضاءُ بَيْنَ النّاسِ بِغَيْرِ إعْطاءِ صاحِبِ الحَقِّ حَقَّهُ المُعَيَّنَ لَهُ في الشَّرِيعَةِ، ومِنها جَحْدُ الأماناتِ عَنْ أرْبابِها أوْ عَنْ ورَثَتِهِمْ، ومِنها أكْلُ أمْوالِ اليَتامى، وأمْوالِ الأوْقافِ والصَّدَقاتِ.

وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ اسْتُعِيرَ لِدِينِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، أيْ إلى رِضاهُ. والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الإعْراضُ عَنْ مُتابَعَةِ الدِّينِ الحَقِّ في خاصَّةِ النَّفْسِ، وإغْراءِ النّاسِ بِالإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ. فَيَكُونُ هَذا بِالنِّسْبَةِ لِأحْكامِ دِينِهِمْ إذْ يُغَيِّرُونَ العَمَلَ بِها، ويُضَلِّلُونَ العامَّةَ في حَقِيقَتِها حَتّى يَعْلَمُوا بِخِلافِها، وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُتَّبِعُونَ لِدِينِهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى دِينِ الإسْلامِ إذْ يُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُعْلِمُونَ أتْباعَ مِلَّتِهِمْ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِدِينِ الحَقِّ.

ولِأجَلِ ما في الصَّدِّ مِن مَعْنى صَدِّ الفاعِلِ نَفْسَهُ أتَتْ صِيغَةُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ العَيْنِ: اعْتِبارًا بِأنَّهُ مُضاعَفٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ إلّا مَضْمُومَ الصّادِ ولَوْ في المَواضِعِ الَّتِي لا يُرادُ فِيها أنَّهُ يَصُدُّ غَيْرَهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

* * *

صفحة ١٧٦

﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجَنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

انْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ عَذابٍ، لِما في لَفْظِ ”عَذابٍ“ مِن مَعْنى يُعَذَّبُونَ. وضَمِيرُ عَلَيْها عائِدٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِتَأْوِيلِهِما بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، أوْ عائِدٌ إلى ”أمْوالِ النّاسِ“ و﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ [التوبة: ٣٤] عائِدًا إلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ.

والحَمْيُ شِدَّةُ الحَرارَةِ. يُقالُ: حَمِيَ الشَّيْءُ إذا اشْتَدَّ حَرُّهُ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِعَلى عائِدٌ إلى ﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] بِاعْتِبارِ أنَّها دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ، وهي مُتَعَدِّدَةٌ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالفاعِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَحْمِي الحامُونَ عَلَيْها، وأُسْنِدَ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ إلى المَجْرُورِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ المَحْمِيِّ لِظُهُورِهِ: إذْ هو النّارُ الَّتِي تُحْمى، ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ، عُدِّيَ بِعَلى الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِإفادَةِ أنَّ الحَمْيَ تَمَكَّنَ مِنَ الأمْوالِ بِحَيْثُ تَكْتَسِبُ حَرارَةَ المَحْمِيِّ كُلَّها، ثُمَّ أُكِدَّ مَعْنى التَّمَكُّنِ بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَصارَتِ الأمْوالُ مَحْمِيَّةً عَلَيْها النّارُ ومَوْضُوعَةً في النّارِ.

صفحة ١٧٩

وبِإضافَةِ النّارِ إلى جَهَنَّمَ عُلِمَ أنَّ المَحْمِيَّ هو نارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ نارٍ في الحَرارَةِ فَجاءَ تَرْكِيبًا بَدِيعًا مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ في إيجازٍ.

والكَيُّ أنْ يُوضَعَ عَلى الجِلْدِ جَمْرٌ أوْ شَيْءٌ مُشْتَعِلٌ.

والجِباهُ جَمْعُ جَبْهَةٍ وهي أعْلى الوَجْهِ مِمّا يَلِي الرَّأْسَ.

والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ وهو جانِبُ الجَسَدِ مِنَ اليَمِينِ واليَسارِ.

والظُّهُورُ جَمْعُ ظَهَرٍ وهو ما بَيْنَ العَنْفَقَةِ إلى مُنْتَهى فَقارِ العَظْمِ.

والمَعْنى: تَعْمِيمُ جِهاتِ الأجْسادِ بِالكَيِّ فَإنَّ تِلْكَ الجِهاتِ مُتَفاوِتَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ في الإحْساسِ بِألَمِ الكَيِّ، فَيَحْصُلُ مَعَ تَعْمِيمِ الكَيِّ إذاقَةٌ لِأصْنافٍ مِنَ الآلامِ.

وسُلِكَ في التَّعْبِيرِ عَنِ التَّعْمِيمِ مَسْلَكُ الإطْنابِ بِالتَّعْدادِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ ذَلِكَ العِقابِ الألِيمِ، تَهْوِيلًا لِشَأْنِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: فَتُكْوى بِها أجْسادُهم.

وكَيْفِيَّةُ إحْضارِ تِلْكَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ لِتُحْمى مِن شُئُونِ الآخِرَةِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ المَأْلُوفَةِ فَبِقُدْرَةِ اللَّهِ تُحْضَرُ تِلْكَ الدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ أوْ أمْثالُها كَما ورَدَ في حَدِيثِ مانِعِ الزَّكاةَ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ «يُمَثَّلُ لَهُ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَقُولُ: ”أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ“» وبِقُدْرَةِ اللَّهِ يُكْوى المُمْتَنِعُونَ مِن إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانَتْ قَدْ تَداوَلَ أعْيانَها خَلْقٌ كَثِيرٌ في الدُّنْيا بِانْتِقالِها مِن يَدٍ إلى يَدٍ، ومِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومِن عَصْرٍ إلى عَصْرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، والإشارَةُ إلى المَحْمِيِّ، وزِيادَةُ قَوْلِهِ: ﴿لِأنْفُسِكُمْ﴾ لِلتَّنْدِيمِ والتَّغْلِيظِ. ولامُ التَّعْلِيلِ مُؤْذِنَةٌ بِقَصْدِ الِانْتِفاعِ لِأنَّ الفِعْلَ الَّذِي …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإقامَةِ نِظامِ التَّوْقِيتِ لِلْأُمَّةِ عَلى الوَجْهِ الحَقِّ الصّالِحِ لِجَمِيعِ البَشَرِ، والمُناسِبِ لِما وضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِظامَ العالَمِ الأرْضِيِّ، وما يَتَّصِلُ بِهِ مِن نِظامِ العَوالِمِ السَّماوِيَّةِ، بِوَجْهٍ مُحْكَمٍ لا مَدْخَلَ لِتَحَكُّماتِ النّاسِ فِيهِ، ولِيُوَضِّحَ تَعْيِينَ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] بَعْدَ ما عَقِبَ ذَلِكَ مِنَ التَّفاصِيلِ في أحْكامِ الأمْنِ والحَرْبِ مَعَ فِرَقِ الكُفّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ.

والمَقْصُودُ: ضَبْطُ الأشْهُرِ الحُرُمِ وإبْطالُ ما أدْخَلَهُ المُشْرِكُونَ فِيها مِنَ النَّسِيءِ الَّذِي أفْسَدَ أوْقاتَها، وأفْضى إلى اخْتِلاطِها، وأزالَ حُرْمَةَ ما لَهُ حُرْمَةٌ مِنها، وأكْسَبَ حُرْمَةً لِما لا حُرْمَةَ لَهُ مِنها.

وإنَّ ضَبْطَ التَّوْقِيتِ مِن أُصُولِ إقامَةِ نِظامِ الأُمَّةِ ودَفْعِ الفَوْضى عَنْ أحْوالِها.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِتَتَوَجَّهَ أسْماعُ النّاسِ وألْبابُهم إلى وعْيِهِ.

والمُرادُ بِالشُّهُورِ: الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّها المَعْرُوفَةَ عِنْدَ العَرَبِ وعِنْدَ أغْلَبِ الأُمَمِ، وهي أقْدَمُ أشْهُرِ التَّوْقِيتِ في البَشَرِ وأضْبَطُها لِأنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ

صفحة ١٨١

مُساعِدٌ عَلى اتِّخاذِ تِلْكَ الأحْوالِ مَواقِيتَ لِلْمَواعِيدِ والآجالِ، وتارِيخِ الحَوادِثِ الماضِيَةِ، بِمُجَرَّدِ المُشاهَدَةِ، فَإنَّ القَمَرَ كُرَةٌ تابِعَةٌ لِنِظامِ الأرْضِ. قالَ - تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] ولِأنَّ الِاسْتِنادَ إلى الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ أضْبَطُ وأبْعَدُ عَنِ الخَطَأِ؛ لِأنَّها لا تَتَناوَلُها أيْدِي النّاسِ بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وما حَدَثَتِ الأشْهُرُ الشَّمْسِيَّةُ وسَنَتُها إلّا بَعْدَ ظُهُورِ عِلْمِ الفَلَكِ والمِيقاتِ، فانْتَفَعَ النّاسُ بِنِظامِ سَيْرِ الشَّمْسِ في ضَبْطِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وجَعَلُوها حِسابًا لِتَوْقِيتِ الأعْمالِ الَّتِي لا يَصْلُحُ لَها إلّا بَعْضُ الفُصُولِ، مِثْلَ الحَرْثِ والحَصادِ وأحْوالِ الماشِيَةِ، وقَدْ كانَ الحِسابُ الشَّمْسِيُّ مَعْرُوفًا عِنْدَ القِبْطِ والكَلْدانِيِّينَ، وجاءَتِ التَّوْراةُ بِتَعْيِينِ الأوْقاتِ القَمَرِيَّةِ لِلْأشْهُرِ، وتَعْيِينِ الشَّمْسِيَّةِ لِلْأعْيادِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأعْيادَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِن أحْوالِ البَشَرِ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى التَّحْسِينِ، فَأمّا ضَبْطُ الأشْهُرِ فَيَرْجِعُ إلى الحاجِيِّ. فَألْهَمَ اللَّهُ البَشَرَ، فِيما ألْهَمَهم مِن تَأْسِيسِ أُصُولِ حَضارَتِهِمْ، أنِ اتَّخَذُوا نِظامًا لِتَوْقِيتِ أعْمالِهِمُ المُحْتاجَةِ لِلتَّوْقِيتِ، وأنْ جَعَلُوهُ مُسْتَنِدًا إلى مُشاهَداتٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ لِسائِرِ النّاسِ، لا تَنْحَجِبُ عَنْهم إلّا قَلِيلًا في قَلِيلٍ، ثُمَّ لا تَلْبَثُ أنْ تَلُوحَ لَهم واضِحَةٌ باهِرَةٌ، وألْهَمَهم أنِ اهْتَدَوْا إلى ظَواهِرَ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَهُ نِظامًا مُطَّرِدًا. وذَلِكَ كَواكِبُ السَّماءِ ومَنازِلُها، كَما قالَ في بَيانِ حِكْمَةِ ذَلِكَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وأنْ جَعَلُوا تَوْقِيتَهُمُ اليَوْمِيَّ مُسْتَنِدًا إلى ظُهُورِ نُورِ الشَّمْسِ ومَغِيبِهِ عَنْهم؛ لِأنَّهم …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّما النَّسِيُّ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] الآيَةَ لِأنَّ ذَلِكَ كالمُقَدِّمَةِ إلى المَقْصُودِ وهو إبْطالُ النَّسِيءِ وتَشْنِيعُهُ.

صفحة ١٨٩

والنَّسِيءُ يُطْلَقُ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ الَّذِي أُرْجِئَتْ حُرْمَتُهُ وجُعِلَتْ لِشَهْرٍ آخَرَ فالنَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن نَسَأ المَهْمُوزِ اللّامِ، ويُطْلَقُ مَصْدَرًا بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثْلَ نَذِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، ومِثْلُ النَّكِيرِ والعُذْرِ وفِعْلُهُ نَسَأ المَهْمُوزُ، أيْ أخَّرَ، فالنَّسِيءُ - بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الياءِ - في المَشْهُورِ. وبِذَلِكَ قَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ في آخِرِهِ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في أُخْتِها، والإخْبارُ عَنِ النَّسِيءِ بِأنَّهُ زِيادَةٌ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ كَما أخْبَرَ عَنْ هارُوتَ ومارُوتَ بِالفِتْنَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]

والنَّسِيءُ عِنْدَ العَرَبِ تَأْخِيرٌ يَجْعَلُونَهُ لِشَهْرٍ حَرامٍ فَيُصَيِّرُونَهُ حَلالًا ويُحَرِّمُونَ شَهْرًا آخَرَ مِنَ الأشْهُرِ الحَلالِ عِوَضًا عَنْهُ في عامِهِ.

والدّاعِي الَّذِي دَعا العَرَبَ إلى وضْعِ النَّسِيءِ أنَّ العَرَبَ سَنَتُهم قَمَرِيَّةٌ تَبَعًا لِلْأشْهُرِ، فَكانَتْ سَنَتُهُمِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيَّةً تامَّةً، ودامُوا عَلى ذَلِكَ قُرُونًا طَوِيلَةً ثُمَّ بَدا لَهم فَجَعَلُوا النَّسِيءَ.

وأحْسَنُ ما رُوِيَ في صِفَةِ ذَلِكَ قَوْلُ أبِي وائِلٍ: أنَّ العَرَبَ كانُوا أصْحابَ حُرُوبٍ وغاراتٍ فَكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةٍ لا يُغِيرُونَ فِيها فَقالُوا لَئِنْ تَوالَتْ عَلَيْنا ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لا نُصِيبُ فِيها شَيْئًا لِنَهْلِكَنَّ. وسَكَتَ المُفَسِّرُونَ عَمّا نَشَأ بَعْدَ قَوْلِ العَرَبِ هَذا، ووَقَعَ في بَعْضِ ما رَواهُ الطَّبَرَيُّ والقُرْطُبِيُّ ما يُوهِمُ أنَّ أوَّلَ مَن نَسَأ لَهُمُ النَّسِيءَ هو جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ ولَيْسَ الأمْرُ ذَلِكَ لِأنَّ جُنادَةَ بْنَ عَوْفٍ أدْرَكَ الإسْلامَ وأمْرُ النَّسِيءِ مُتَوَغِّلٌ في القِدَمِ والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ أوَّلَ مَن نَسَأ النَّسِيءَ هو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ نُعَيْمٍ أوْ فُقَيْمٍ - ولَعَلَّ نُعَيْمَ تَحْرِيفُ فُقَيْمٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ اسْمُ نُعَيْمٍ لَمْ يُعْرَفْ في هَذا - . وهو المُلَقَّبُ بِالقَلَمَّسِ ولا يُوجَدُ ذِكْرُ بَنِي فُقَيْمٍ في جَمْهَرَةِ ابْنِ حَزْمٍ وقَدْ ذَكَرَهُ صاحِبُ القامُوسِ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ سَرِيرُ (كَذا ولَعَلَّهُ سَرِيُّ) بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ ثُمَّ ابْنُ أخِيهِ عَدِيُّ بْنُ عامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وفي ابْنِ عَطِيَّةَ خِلافُ ذَلِكَ قالَ: انْتَدَبَ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ

صفحة ١٩٠

لَهُمُ الشُّهُورَ. ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَبّادٌ. ثُمَّ ابْنُهُ قُلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كانَ بَنُو فُقَيْمٍ أهْلَ دِينٍ في العَرَبِ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ فانْتَدَبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾

هَذا ابْتِداءُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِطَرِيقَةِ العِتابِ عَلى التَّباطُئِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ النَّفِيرِ إلى الجِهادِ، والمَقْصُودُ بِذَلِكَ غَزْوَةُ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ

صفحة ١٩٦

عَطِيَّةَ: ”لا اخْتِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، إذْ تَخَلَّفَ عَنْها قَبائِلُ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُنافِقُونَ“ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] كَما أشَرْنا إلَيْهِ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآياتِ. وهو خِطابٌ لِلَّذِينَ حَصَلَ مِنهُمُ التَّثاقُلُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ إلى تِلْكَ الغَزْوَةِ، وكانَ ذَلِكَ في وقْتِ حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفازًا، حِينَ نَضِجَتِ الثِّمارُ، وطابَتِ الظِّلالُ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ في شِدَّةِ حاجَةٍ إلى الظَّهْرِ والعُدَّةِ. فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ غَزْوَةُ العُسْرَةِ كَما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، فَجَلّى رَسُولُ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَهم بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ لا يُرِيدُ غَزْوَةً إلّا ورّى بِما يُوهِمُ مَكانًا غَيْرَ المَكانِ المَقْصُودِ، فَحَصَلَ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ تَثاقُلٌ، ومِن بَعْضِهِمْ تَخْلُفٌ، فَوَجَّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هَذا المَلامَ المُعَقَّبَ بِالوَعِيدِ.

فَإنْ نَحْنُ جَرَيْنا عَلى أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ كانَ دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، كَما هو الأرْجَحُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، كانَ مَحْمَلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها عِتابٌ عَلى ما مَضى وكانَتْ إذا مُسْتَعْمَلَةً ظَرْفًا لِلْماضِي، عَلى خِلافِ غالِبِ اسْتِعْمالِها، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] صالِحٌ لِإفادَةِ ذَلِكَ، وتَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] و﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ [التوبة: ٤٠] و﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التوبة: ٤١] مُرادٌ بِهِ ما يُسْتَقْبَلُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا في مَواضِعِهِ مِنَ الآياتِ.

وإنْ جَرْيَنا عَلى ما عَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى النِّقاشِ: أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن سُورَةِ بَراءَةَ، كانَتِ الآيَةُ عِتابًا عَلى تَكاسُلٍ وتَثاقَلٍ ظَهَرا عَلى بَعْضِ النّاسِ، فَكانَتْ إذا ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، عَلى ما هو الغالِبُ فِيها، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] تَحْذِيرًا مِن تَرْكِ الخُرُوجِ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ مِمّا ثَبَتَ في السِّيرَةِ وما تَرَجَّحَ في نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩٧

و”ما“ في قَوْلِهِ: ”ما …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

صفحة ١٩٩

﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ عُقِّبَ بِهِ المَلامُ السّابِقُ؛ لِأنَّ اللَّوْمَ وقَعَ عَلى تَثاقُلٍ حَصَلَ، ولَمّا كانَ التَّثاقُلُ مُفْضِيًا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ القِتالِ، صَرَّحَ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ إنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ التَّثاقُلِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى أداةِ الشَّرْطِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَرَضِ الإنْكارِ بَعْدَ اللَّوْمِ. فَإنْ كانَ هَذا وعِيدًا فَقَدِ اقْتَضى أنَّ خُرُوجَ المُخاطَبِينَ إلى الجِهادِ الَّذِي اسْتَنْفَرَهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ وجَبَ عَلى أعْيانِهِمْ كُلِّهِمْ بِحَيْثُ لا يُغْنِي بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، أيْ تَعَيَّنَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ بِسَبَبِ تَعْيِينِ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ النَّفِيرِ العامِّ، وأنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ العَدُوِّ الَّذِي اسْتُنْفِرُوا لِقِتالِهِ، بِحَيْثُ وجَبَ خُرُوجُ جَمِيعِ القادِرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ جَيْشَ العَدُوِّ كانُوا مِثْلَيْ عَدَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا الحُكْمَ مَنسُوخٌ نَسَخَهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَيَكُونُ الجِهادُ قَدْ سَبَقَ لَهُ حُكْمُ فَرْضِ العَيْنِ ثُمَّ نُقِلَ إلى فَرْضِ الكِفايَةِ.

وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ كَما هو المُعْتادُ في إطْلاقِ العَذابِ ووَصْفِهِ بِالألِيمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ عَذابُ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ [التوبة: ٥٢] فَلا يَكُونُ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الجِهادِ واجِبًا عَلى الأعْيانِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم، إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ يُصِيبَهم بِعَذابٍ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ الكَلامُ تَهْدِيدًا لا وعِيدًا. وقَدْ يُرَجَّحُ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ قُرِنَ بِعَواقِبَ دُنْيَوِيَّةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ . والعُقُوباتُ الدُّنْيَوِيَّةُ مَصائِبُ تَتَرَتَّبُ عَلى إهْمالِ أسْبابِ النَّجاحِ وبِخاصَّةٍ تَرْكُ الِانْتِصاحِ بِنَصائِحِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، فالمَقْصُودُ تَهْدِيدُهم بِأنَّهم إنْ تَقاعَدُوا عَنِ النَّفِيرِ هاجَمَهُمُ العَدُوُّ في دِيارِهِمْ فاسْتَأْصَلُوهم وأتى اللَّهُ بِقَوْمٍ غَيْرَهم.

صفحة ٢٠٠

والألِيمُ المُؤْلِمُ، فَهو فَعِيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ

أيِ المُسْمَعِ.

وكُتِبَ في المَصاحِفِ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها لامْ ألِفْ عَلى كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها مُدْغَمَةً، والقِياسُ أنْ يُكْتَبَ (إنْ لا) بِنُونٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ ثُمَّ لامْ ألِفْ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”يُعَذِّبْكم“ عائِدٌ إلى اللَّهِ لِتَقَدُّمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٨] . وتَنْكِيرُ ”قَوْمًا“ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا تَعَيُّنَ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ ضَرُورَةَ أنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطِ عَدَمِ النَّفِيرِ وهم قَدْ نَفَرُوا لَمّا اسْتُنْفِرُوا إلّا عَدَدًا غَيْرَ كَثِيرٍ …

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] لِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونَ قُعُودُهم عَنِ النَّفِيرِ مُضِرًّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ

صفحة ٢٠١

حُصُولِ النَّصْرِ بِدُونِ نَصِيرٍ، فَبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ حِينَ كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ لا جَيْشَ مَعَهُ، فالَّذِي نَصَرَهُ حِينَ كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ قَدِيرٌ عَلى نَصْرِهِ وهو في جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّ تَقْدِيرَ قُعُودِهِمْ عَنِ النَّفِيرِ لا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ (تَنْصُرُوهُ) عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ واضِحٌ مِنَ المَقامِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، جُعِلَتْ جَوابًا لَهُ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى مَعْنى الجَوابِ المُقَدَّرِ لِكَوْنِها في مَعْنى العِلَّةِ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ: فَإنَّ مَضْمُونَ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قَدْ حَصَلَ في الماضِي فَلا يَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ المَوْضُوعِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ لا تَنْصُرُوهُ فَهو غَنِيٌّ عَنْ نُصْرَتِكم بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهُ إذْ قَدْ نَصَرَهُ في حِينِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا واحِدٌ لا يَكُونُ بِهِ نَصْرٌ، فَكَما نَصَرَهُ يَوْمَئِذٍ يَنْصُرُهُ حِينَ لا تَنْصُرُونَهُ. وسَيَجِيءُ في الكَلامِ بَيانُ هَذا النَّصْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ.

ويَتَعَلَّقُ ”إذْ أخْرَجَهُ“ بِـ (نَصَرَهُ) أيْ زَمَنَ إخْراجِ الكُفّارِ إيّاهُ، أيْ مِن مَكَّةَ، والمُرادُ خُرُوجُهُ مُهاجِرًا. وأسْنَدَ الإخْراجَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّهم تَسَبَّبُوا فِيهِ بِأنْ دَبَّرُوا لِخُرُوجِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَما قالَ - تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وبِأنْ آذَوْهُ وضايَقُوهُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، وضايَقُوا المُسْلِمِينَ بِالأذى والمُقاطَعَةِ، فَتَوَفَّرَتْ أسْبابُ خُرُوجِهِ ولَكِنَّهم كانُوا مَعَ ذَلِكَ يَتَرَدَّدُونَ في تَمْكِينِهِ مِنَ الخُرُوجِ خَشْيَةَ أنْ يَظْهَرَ أمْرُ الإسْلامِ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانُوا في آخِرِ الأمْرِ مُصَمِّمِينَ عَلى مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ، وأقامُوا عَلَيْهِ مَن يَرْقُبُهُ وحاوَلُوا الإرْسالَ وراءَهُ لِيَرُدُّوهُ إلَيْهِمْ، وجَعَلُوا لِمَن يَظْفَرُ بِهِ جَزاءً جَزِلًا، كَما جاءَ في حَدِيثِ سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ.

كُتِبَ في المَصاحِفِ ”إلّا“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها لامْ ألِفْ، عَلى كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها مُدْغَمَةً، والقِياسُ أنْ تُكْتَبَ (إنْ لا) - بِهَمْزَةٍ فَنُونٍ فَلامْ ألِفْ - لِأنَّهُما حَرْفانِ: (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ و(لا) النّافِيَةُ، ولَكِنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ولَمْ تَكُنْ لِلرَّسْمِ في القَرْنِ الأوَّلِ قَواعِدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْها، ومِثْلُ ذَلِكَ كُتِبَ ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٧٣]

صفحة ٢٠٢

فِي سُورَةِ الأنْفالِ. وهم كَتَبُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ بِلامٍ بَعْدَ الباءِ وراءٍ بَعْدَها، ولَمْ يَكْتُبُوها بِباءٍ وراءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَها.

وقَدْ أثارَ رَسْمُ ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ بِهَذِهِ الصُّورَةِ في المُصْحَفِ خَشْيَةَ تَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.