Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ والنَّصارى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأحْبارُ: الفُقَهاءُ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: حَبْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: حِبْرٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهُوَ الحَبْرُ أوِ الحِبْرُ ؟ وكانَ أبُو الهَيْثَمِ يَقُولُ: واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُنْكِرُ الكَسْرَ، وكانَ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ يَقُولانِ: حَبْرٌ وحِبْرٌ لِلْعالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا، بَعْدَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحَبْرُ العالِمُ الَّذِي بِصِناعَتِهِ يُحَبِّرُ المَعانِيَ، ويُحْسِنُ البَيانَ عَنْها، والرّاهِبُ الَّذِي تَمَكَّنَتِ الرَّهْبَةُ والخَشْيَةُ في قَلْبِهِ وظَهَرَتْ آثارُ الرَّهْبَةِ عَلى وجْهِهِ ولِباسِهِ، وفي عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ، صارَ الأحْبارُ مُخْتَصًّا بِعُلَماءِ اليَهُودِ مِن ولَدِ هارُونَ، والرُّهْبانُ بِعُلَماءِ النَّصارى أصْحابِ الصَّوامِعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأرْبابِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ أنَّهم آلِهَةُ العالَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أطاعُوهم في أوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، «نُقِلَ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ كانَ نَصْرانِيًّا فانْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ، فَوَصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: فَقُلْتُ: لَسْنا نَعْبُدُهم فَقالَ: ”ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ ؟“ فَقُلْتُ: بَلى قالَ: ”فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ“» وقالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِأبِي العالِيَةِ: كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةُ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ فَقالَ: إنَّهم رُبَّما وجَدُوا في كِتابِ اللَّهِ ما يُخالِفُ أقْوالَ الأحْبارِ

صفحة ٣١

والرُّهْبانِ، فَكانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِهِمْ وما كانُوا يَقْبَلُونَ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ شَيْخُنا ومَوْلانا، خاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ والمُجْتَهِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ شاهَدْتُ جَماعَةً مِن مُقَلِّدَةِ الفُقَهاءِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ آياتٍ كَثِيرَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في بَعْضِ المَسائِلِ، وكانَتْ مَذاهِبُهم بِخِلافِ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآياتِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وبَقُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ كالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي: كَيْفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ عَنْ سَلَفِنا ورَدَتْ عَلى خِلافِها، ولَوْ تَأمَّلْتَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ هَذا الدّاءَ سارِيًا في عُرُوقِ الأكْثَرِينَ مِن أهْلِ الدُّنْيا.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا كَفَّرَهم بِسَبَبِ أنَّهم أطاعُوا الأحْبارَ والرُّهْبانَ، فالفاسِقُ يُطِيعُ الشَّيْطانَ فَوَجَبَ الحُكْمُ بِكُفْرِهِ، كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ.

والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ، وإنْ كانَ يَقْبَلُ دَعْوَةَ الشَّيْطانِ إلّا أنَّهُ لا يُعَظِّمُهُ لَكِنْ يَلْعَنُهُ، ويَسْتَخِفُّ بِهِ، أمّا أُولَئِكَ الأتْباعُ كانُوا يَقْبَلُونَ قَوْلَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ويُعَظِّمُونَهم، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ أنَّ الجُهّالَ والحَشْوِيَّةَ إذا بالَغُوا في …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ نَوْعٍ ثالِثٍ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ عَنْ رُؤَساءِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهو سَعْيُهم في إبْطالِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَدُّهم في إخْفاءِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ شَرْعِهِ وقُوَّةِ دِينِهِ، والمُرادُ مِنَ النُّورِ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا:

أحَدُها: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى

صفحة ٣٢

يَدِهِ، فَإنَّ المُعْجِزَ إمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، فَحَيْثُ ظَهَرَ المُعْجِزُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الصِّدْقِ، فَوَجَبَ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الصِّدْقِ قَدَحَ ذَلِكَ في نُبُوَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

وثانِيها: القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي ظَهَرَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ ما تَعَلَّمَ، وما طالَعَ، وما اسْتَفادَ، وما نَظَرَ في كِتابٍ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.

وثالِثُها: أنَّ حاصِلَ شَرِيعَتِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ، والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، وصَرْفُ النَّفْسِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، والتَّرْغِيبُ في سَعاداتِ الآخِرَةِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى اللَّهِ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.

ورابِعُها: أنَّ شَرْعَهُ كانَ خالِيًا عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ، فَلَيْسَ فِيهِ إثْباتُ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ دَعْوَةٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَلَكَ البِلادَ العَظِيمَةَ، وما غَيَّرَ طَرِيقَتَهُ في اسْتِحْقارِ الدُّنْيا، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها، ولَوْ كانَ مَقْصُودُهُ طَلَبَ الدُّنْيا لَما بَقِيَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ دَلائِلُ نَيِّرَةٌ، وبَراهِينُ قاهِرَةٌ في صِحَّةِ قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّهم بِكَلِماتِهِمُ الرَّكِيكَةِ وشُبُهاتِهِمُ السَّخِيفَةِ، وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، أرادُوا إبْطالَ هَذِهِ الدَّلائِلِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى مَن يُرِيدُ إبْطالَ نُورِ الشَّمْسِ بِسَبَبِ أنْ يَنْفُخَ فِيها، وكَما أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ وعَمَلٌ ضائِعٌ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ مُحَمَّدًا ﷺ مَزِيدَ النُّصْرَةِ والقُوَّةِ، وإعْلاءَ الدَّرَجَةِ، وكَمالَ الرُّتْبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أبى اللَّهُ إلّا كَذا، ولا يُقالُ كَرِهْتُ أوْ أبْغَضْتُ إلّا زَيْدًا ؟

قُلْنا: أجْرى(أبى) مَجْرى لَمْ يُرِدْ، والتَّقْدِيرُ: ما أرادَ اللَّهُ إلّا ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإباءَ يُفِيدُ زِيادَةَ عَدَمِ الإرادَةِ وهي المَنعُ والِامْتِناعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«وإنْ أرادُوا ظُلْمَنا أبَيْنا» “ فامْتُدِحَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْتَدَحَ بِأنَّهُ يَكْرَهُ الظُّلْمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، ويُقالُ: فُلانٌ أبى الضَّيْمَ، والمَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما سَمّى الدَّلائِلَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّ النُّورَ يَهْدِي إلى الصَّوابِ، فَكَذَلِكَ الدَّلائِلُ تَهْدِي إلى الصَّوابِ في الأدْيانِ.

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأعْداءِ أنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ الإبْطالَ وأنَّهُ يُتِمُّ أمْرَهُ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الإتْمامِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ: أوَّلُها: كَثْرَةُ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ .

وثانِيها: كَوْنُ دِينِهِ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالصَّوابِ والصَّلاحِ، ومُطابَقَةِ الحِكْمَةِ، ومُوافَقَةِ المَنفَعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ .

وثالِثُها: صَيْرُورَةُ دِينِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى سائِرِ الأدْيانِ غالِبًا عَلَيْها، غالِبًا لِأضْدادِها قاهِرًا

صفحة ٣٣

لِمُنْكِرِيها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ ظُهُورَ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالكَثْرَةِ والوُفُورِ، وقَدْ يَكُونُ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنَّ يُبَشِّرَ إلّا بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ حاصِلٍ، وظُهُورُ هَذا الدِّينِ بِالحُجَّةِ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى الظُّهُورِ بِالغَلَبَةِ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غالِبًا لِكُلِّ الأدْيانِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَصِرْ غالِبًا لِسائِرِ الأدْيانِ في أرْضِ الهِنْدِ والصِّينِ والرُّومِ، وسائِرِ أراضِي الكَفَرَةِ.

قُلْنا: أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا دِينَ بِخِلافِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ في بَعْضِ المَواضِعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في جَمِيعِ مَواضِعِهِمْ، فَقَهَرُوا اليَهُودَ، وأخْرَجُوهم مِن بِلادِ العَرَبِ، وغَلَبُوا النَّصارى عَلى بِلادِ الشّامِ وما والاها إلى ناحِيَةِ الرُّومِ والغَرْبِ، وغَلَبُوا المَجُوسَ عَلى مُلْكِهِمْ، وغَلَبُوا عُبّادَ الأصْنامِ عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ مِمّا يَلِي التُّرْكَ والهِنْدَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأدْيانِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ، وكانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا.

الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الإسْلامَ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، وتَمامُ هَذا إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ خُرُوجِ عِيسى، وقالَ السُّدِّيُّ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ، لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخَلَ في الإسْلامِ أوْ أدّى الخَراجَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: المُرادُ: لِيُظْهِرَ الإسْلامَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى ما أبْقى فِيها أحَدًا مِنَ الكُفّارِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أنْ يُوقِفَهُ عَلى جَمِيعِ شَرائِعِ الدِّينِ، ويُطْلِعَهُ عَلَيْها بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بِالحُجَّةِ والبَيانِ إلّا …

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

صفحة ٣٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى بِالتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّرَفُّعِ عَلى الخَلْقِ، وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالطَّمَعِ والحِرْصِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إظْهارِ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّجَبُّرِ والفَخْرِ أخْذُ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ولَعَمْرِي مَن تَأمَّلَ أحْوالَ أهْلِ النّامُوسِ والتَّزْوِيرِ في زَمانِنا، وجَدَ هَذِهِ الآياتِ كَأنَّها ما أُنْزِلَتْ إلّا في شَأْنِهِمْ، وفي شَرْحِ أحْوالِهِمْ، فَتَرى الواحِدَ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلى الدُّنْيا، ولا يَتَعَلَّقُ خاطِرُهُ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُ في الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ مِثْلُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ حَتّى إذا آلَ الأمْرُ إلى الرَّغِيفِ الواحِدِ تَراهُ يَتَهالَكُ عَلَيْهِ، ويَتَحَمَّلُ نِهايَةَ الذُّلِّ والدَّناءَةِ في تَحْصِيلِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأحْبارَ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانَ مِنَ النَّصارى بِحَسَبِ العُرْفِ، فاللَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كَثِيرٍ مِنهم أنَّهم لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ طَرِيقَةُ بَعْضِهِمْ لا طَرِيقَةُ الكُلِّ، فَإنَّ العالَمَ لا يَخْلُو عَنِ الحَقِّ، وإطْباقُ الكُلِّ عَلى الباطِلِ كالمُمْتَنِعِ هَذا يُوهِمُ أنَّهُ كَما أنَّ إجْماعَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الباطِلِ لا يَحْصُلُ، فَكَذَلِكَ سائِرُ الأُمَمِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ أخْذِ الأمْوالِ بِالأكْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن جَمْعِ الأمْوالِ هو الأكْلُ، فَسُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمِ ما هو أعْظَمُ مَقاصِدِهِ، أوْ يُقالُ: مَن أكَلَ شَيْئًا فَقَدْ ضَمِنَهُ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، ومَن جَمَعَ المالَ فَقَدْ ضَمَّ تِلْكَ الأمْوالَ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَها مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، فَلَمّا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الأكْلِ وبَيْنَ الأخْذِ مِن هَذا الوَجْهِ، سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن أخَذَ أمْوالَ النّاسِ، فَإذا طُولِبَ بِرَدِّها، قالَ: أكَلْتُها وما بَقِيَتْ، فَلا أقْدِرُ عَلى رَدِّها، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الباطِلِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرُّشا في تَخْفِيفِ الأحْكامِ والمُسامَحَةِ في الشَّرائِعِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ عِنْدَ الحَشَراتِ والعَوامِّ مِنهم، أنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى الفَوْزِ بِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِخِدْمَتِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وبَذْلِ الأمْوالِ في طَلَبِ مَرْضاتِهِمْ، والعَوامُّ كانُوا يَغْتَرُّونَ بِتِلْكَ الأكاذِيبِ.

الثّالِثُ: التَّوْراةُ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، …

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ (وبُطُونُهم) وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لا يُقالُ أحْمَيْتُ عَلى الحَدِيدِ، بَلْ يُقالُ: أحْمَيْتُ الحَدِيدَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ .

والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ تُحْمى عَلى النّارِ، بَلِ المُرادُ أنَّ النّارَ تُحْمى عَلى تِلْكَ الأمْوالِ الَّتِي هي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، أيْ يُوقَدُ عَلَيْها نارٌ ذاتُ حُمّى وحَرٍّ شَدِيدٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ ولَوْ قِيلَ: يَوْمَ تُحْمى لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفائِدَةَ.

فَإنْ قالُوا: لَمّا كانَ المُرادُ يَوْمَ تُحْمى النّارُ عَلَيْها، فَلِمَ ذُكِرَ الفِعْلُ ؟

قُلْنا: لِأنَّ النّارَ تَأْنِيثُها لَفْظِيٌّ، والفِعْلُ غَيْرُ مُسْنَدٍ في الظّاهِرِ إلَيْهِ، بَلْ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ فَلا جَرَمَ حَسُنَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ(تُحْمى) بِالتّاءِ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما النّاصِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ﴾ ؟

الجَوابُ: التَّقْدِيرُ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ ؟

والجَوابُ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن كَسْبِ الأمْوالِ حُصُولُ فَرَحٍ في القَلْبِ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الوُجُوهِ، وحُصُولُ شِبَعٍ يَنْتَفِخُ بِسَبَبِهِ الجَنْبانِ، ولَبْسُ ثِيابٍ فاخِرَةٍ يَطْرَحُونَها عَلى ظُهُورِهِمْ، فَلَمّا طَلَبُوا تَزَيُّنَ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، لا جَرَمَ حَصَلَ الكَيُّ عَلى الجِباهِ والجُنُوبِ والظُّهُورِ.

وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ الثَّلاثَةَ مُجَوَّفَةٌ، قَدْ حَصَلَ في داخِلِها آلاتٌ ضَعِيفَةٌ يَعْظُمُ تَألُّمُها بِسَبَبِ وُصُولِ أدْنى أثَرٍ إلَيْها بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ.

وثالِثُها: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ صاحِبَ المالِ إذا رَأى الفَقِيرَ بِجَنْبِهِ تَباعَدَ

صفحة ٤٠

عَنْهُ ووَلّى ظَهْرَهُ.

ورابِعُها: أنَّ المَعْنى أنَّهم يُكْوَوْنَ عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ، إمّا مِن مُقَدَّمِهِ فَعَلى الجَبْهَةِ، وإمّا مِن خَلْفِهِ فَعَلى الظُّهُورِ، وإمّا مِن يَمِينِهِ ويَسارِهِ فَعَلى الجَنْبَيْنِ.

وخامِسُها: أنَّ ألْطَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ جَبِينُهُ والعُضْوُ المُتَوَسِّطُ في اللَّطافَةِ والصَّلابَةِ جَنْبُهُ، والعُضْوُ الَّذِي هو أصْلَبُ أعْضاءِ الإنْسانِ ظَهْرُهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مِن أعْضائِهِ تَصِيرُ مَغْمُورَةً في الكَيِّ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَيَّ يَحْصُلُ في تِلْكَ الأعْضاءِ.

وسادِسُها: أنَّ كَمالَ حالِ بَدَنِ الإنْسانِ في جَمالِهِ وقُوَّتِهِ، أمّا الجَمالُ فَمَحَلُّهُ الوَجْهُ، وأعَزُّ الأعْضاءِ في الوَجْهِ الجَبْهَةُ، فَإذا وقَعَ الكَيُّ في الجَبْهَةِ، فَقَدْ زالَ الجَمالُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا القُوَّةُ فَمَحَلُّها الظَّهْرُ والجَنْبانِ، فَإذا حَصَلَ الكَيُّ عَلَيْها فَقَدْ زالَتِ القُوَّةُ عَنِ البَدَنِ، فالحاصِلُ: أنَّ حُصُولَ الكَيِّ في هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ زَوالَ الجَمالِ وزَوالَ القُوَّةِ، والإنْسانُ إنَّما طَلَبَ المالَ لِحُصُولِ الجَمالِ، ولِحُصُولِ القُوَّةِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: الَّذِي يُجْعَلُ كَيًّا عَلى بَدَنِ الإنْسانِ هو كُلُّ ذَلِكَ المالِ أوِ القَدْرُ الواجِبُ مِنَ الزَّكاةِ.

والجَوابُ: مُقْتَضى الآيَةِ: الكُلُّ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ لَمْ يَكُنِ الحَقُّ مِنهُ جُزْءًا مُعَيَّنًا، بَلْ لا جُزْءَ …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا شَرْحُ النَّوْعِ الثّالِثِ مِن قَبائِحِ أعْمالِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، وهو إقْدامُهم عَلى السَّعْيِ في تَغْيِيرِهِمْ أحْكامَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا تِلْكَ الأحْكامَ بِسَبَبِ النَّسِيءِ، فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا مِنهم في تَغْيِيرِ حُكْمِ السُّنَّةِ بِحَسَبَ أهْوائِهِمْ وآرائِهِمْ فَكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في كُفْرِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ السَّنَةَ عِنْدَ العَرَبِ عِبارَةٌ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] فَجَعَلَ تَقْدِيرَ القَمَرِ بِالمَنازِلِ عِلَّةً لِلسِّنِينَ والحِسابِ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَتِ السَّنَةُ

صفحة ٤١

مُعَلَّقَةً بِسَيْرِ القَمَرِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وعِنْدَ سائِرِ الطَّوائِفِ: عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ الَّتِي تَدُورُ الشَّمْسُ فِيها دَوْرَةً تامَّةً، والسَّنَةُ القَمَرِيَّةُ أقَلُّ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ النُّقْصانِ تَنْتَقِلُ الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ مِن فَصْلٍ إلى فَصْلٍ، فَيَكُونُ الحَجُّ واقِعًا في الشِّتاءِ مَرَّةً، وفي الصَّيْفِ أُخْرى، وكانَ يَشُقُّ الأمْرُ عَلَيْهِمْ بِهَذا السَّبَبِ، وأيْضًا إذا حَضَرُوا الحَجَّ حَضَرُوا لِلتِّجارَةِ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ غَيْرَ مُوافِقٍ لِحُضُورِ التِّجاراتِ مِنَ الأطْرافِ، وكانَ يُخِلُّ أسْبابَ تِجاراتِهِمْ بِهَذا السَّبَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أقْدَمُوا عَلى عَمَلِ الكَبِيسَةِ عَلى ما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ الزِّيجاتِ، واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، وعِنْدَ ذَلِكَ بَقِيَ زَمانُ الحَجِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مُوافِقٍ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وانْتَفَعُوا بِتِجاراتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا النَّسِيءُ وإنْ كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِنهُ تَغَيُّرُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّ الحَجَّ بِأشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وكانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّسِيءِ يَقَعُ في سائِرِ الشُّهُورِ تَغَيُّرُ حُكْمِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ.

فالحاصِلُ: أنَّهم لِرِعايَةِ مَصالِحِهِمْ في الدُّنْيا سَعَوْا في تَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ وإبْطالِ تَكْلِيفِهِ، فَلِهَذا المَعْنى اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ العَظِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ لَمّا كانَتْ زائِدَةً عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ جَمَعُوا تِلْكَ الزِّيادَةَ، فَإذا بَلَغَ مِقْدارُها إلى شَهْرٍ جَعَلُوا تِلْكَ السَّنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ: إنَّ حُكْمَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ السَّنَةُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لا أقَلَّ ولا أزْيَدَ، وتَحَكُّمُهم عَلى بَعْضِ السِّنِينَ، أنَّهُ صارَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا حُكْمٌ واقِعٌ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ويُوجِبُ …

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ”النَّسِيءِ“ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ التَّأْخِيرُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنْسَؤُها نَسْأً إذا أخَّرْتَها، وأنْسَأْتُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتَهُ عَنْهُ، والِاسْمُ النَّسِيئَةُ والنَّسْءُ، ومِنهُ: أنْسَأ اللَّهُ فُلانًا أجَلَهَ، ونَسَأ في أجَلِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النَّسِيُّ مَصْدَرٌ كالنَّذِيرِ والنَّكِيرِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ نَسِيءٌ بِمَعْنى مَنسُوءٍ كَقَتِيلٍ: بِمَعْنى مَقْتُولٍ، إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا المَفْعُولَ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، والمُؤَخَّرُ الشَّهْرُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الشَّهْرِ كُفْرًا، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ النَّسِيءِ هَهُنا المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْساءِ، وهو التَّأْخِيرُ، وكانَ النَّسِيءُ في الشُّهُورِ عِبارَةً عَنْ تَأْخِيرِ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ، لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الحُرْمَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ شِبْلٍ: النَّسْءُ بِوَزْنِ النَّفْعِ وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ، أيْ: أخَّرْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: النَّسِي مُخَفَّفَةَ الياءِ، ولَعَلَّهُ لُغَةٌ في النَّسِيءِ بِالهَمْزَةِ مِثْلَ: أرْجَيْتُ وأرْجَأْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ: النَّسِيُّ مُشَدَّدَ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وهَذا عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ قُطْرُبٌ: النَّسِيءُ أصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ يُقالُ: نَسَأ في الأجَلِ وأنْسَأ إذا زادَ فِيهِ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلَّبَنِ النَّسْءُ لِزِيادَةِ الماءِ فِيهِ، ونَسَأتِ المَرْأةُ حَبِلَتْ، جَعَلَ زِيادَةَ الوَلَدِ فِيها كَزِيادَةِ الماءِ في اللَّبَنِ، وقِيلَ لِلنّاقَةِ: نَسَأْتُها، أيْ: زَجَرْتُها لِيَزْدادَ سَيْرُها، وكُلُّ زِيادَةٍ حَدَثَتْ في شَيْءٍ فَهو نَسِيءٌ قالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّ أصْلَ النَّسِيءِ التَّأْخِيرُ، ونَسَأتِ المَرْأةُ إذا حَبِلَتْ لِتَأخُّرِ حَيْضِها، ونَسَأْتُ النّاقَةَ أيْ: أخَّرْتُها عَنْ غَيْرِها؛ لِئَلّا يَصِيرَ اخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مانِعًا مِن حُسْنِ المَسِيرِ، ونَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا أخَّرْتَهُ حَتّى كَثُرَ الماءُ فِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ رَتَّبُوا حِسابَهم عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، فَإنَّهُ يَقَعُ حَجُّهم تارَةً في الصَّيْفِ وتارَةً في الشِّتاءِ، وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الأسْفارُ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في المُرابَحاتِ والتِّجاراتِ؛ لِأنَّ سائِرَ النّاسِ مِن سائِرِ البِلادِ ما كانُوا يَحْضُرُونَ إلّا في الأوْقاتِ اللّائِقَةِ المُوافِقَةِ، فَعَلِمُوا أنَّ

صفحة ٤٦

بِناءَ الأمْرِ عَلى رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ يُخِلُّ بِمَصالِحِ الدُّنْيا، فَتَرَكُوا ذَلِكَ واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، ولَمّا كانَتِ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ زائِدَةً عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، احْتاجُوا إلى الكَبِيسَةِ وحَصَلَ لَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الكَبِيسَةِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ بَعْضَ السِّنِينَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِسَبَبِ اجْتِماعِ تِلْكَ الزِّياداتِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْتَقِلُ الحَجُّ …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

صفحة ٤٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفَضائِحَهم، عادَ إلى التَّرْغِيبِ في مُقاتَلَتِهِمْ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ أسْبابًا كَثِيرَةً مُوجِبَةً لِقِتالِهِمْ، وذَكَرَ مَنافِعَ كَثِيرَةً تَحْصُلُ مِن مُقاتَلَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤] وذَكَرَ أقْوالَهُمُ المُنْكَرَةَ، وأعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وعِنْدَ هَذا لا يَبْقى لِلْإنْسانِ مانِعٌ مِن قِتالِهِمْ إلّا مُجَرَّدُ أنْ يَخافَ القَتْلَ ويُحِبَّ الحَياةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا المانِعَ خَسِيسٌ؛ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ، لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ جَهْلٌ وسَفَهٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ أقامَ بِالمَدِينَةِ وأمَرَ بِجِهادِ الرُّومِ، وكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ زَمانَ شِدَّةِ الحَرِّ، وطابَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وأيْنَعَتْ، واسْتَعْظَمُوا غَزْوَ الرُّومِ وهابُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وإنَّما اسْتَثْقَلَ النّاسُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: شِدَّةُ الزَّمانِ في الصَّيْفِ والقَحْطِ.

وثانِيها: بُعْدُ المَسافَةِ والحاجَةُ إلى الِاسْتِعْدادِ الكَثِيرِ الزّائِدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في سائِرِ الغَزَواتِ.

وثالِثُها: إدْراكُ الثِّمارِ بِالمَدِينَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

ورابِعُها: شِدَّةُ الحَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وخامِسُها: مَهابَةُ عَسْكَرِ الرُّومِ فَهَذِهِ الجِهاتُ الكَثِيرَةُ اجْتَمَعَتْ فاقْتَضَتْ تَثاقُلَ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ الغَزْوِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ: اسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونُفُورًا، إذا حَثَّهم ودَعاهم إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ وأصْلُ النَّفْرِ الخُرُوجُ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ واجِبٍ، واسْمُ ذَلِكَ القَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ النَّفِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ لا في العِيرِ، ولا في النَّفِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ، وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ ومَعْناهُ: تَباطَأْتُمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ فَعُدِّيَ بِإلى، والمَعْنى مِلْتُمْ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ ومَتاعِبَهُ، ونَظِيرُهُ: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٦] وإنْ كانَ في الظّاهِرِ اسْتِفْهامًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ والمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنا المُوجِباتِ الكَثِيرَةَ الدّاعِيَةَ إلى القِتالِ، وقَدْ شَرَحْنا …

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ الأُولى في الجِهادِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في ثَوابِ الآخِرَةِ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في الجِهادِ بِناءً عَلى أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الأُمُورِ المُقَوِّيَةِ لِلدَّواعِي، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القَوْمَ فَتَثاقَلُوا، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ»، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ عَذابُ الآخِرَةِ، إذِ الألِيمُ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَهْدِيدٌ بِكُلِّ الأقْسامِ، وهي عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، وقَطْعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ومَنافِعِ الآخِرَةِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ والمُرادُ تَنْبِيهُهم عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِنَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنْ سارَعُوا مَعَهُ إلى الخُرُوجِ حَصَلَتِ النُّصْرَةُ بِهِمْ، وإنْ تَخَلَّفُوا وقَعَتِ النُّصْرَةُ بِغَيْرِهِمْ، وحَصَلَ العُتْبى لَهم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا أنَّ غَلَبَةَ أعْداءِ الدِّينَ وعِزَّ الإسْلامِ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِمْ، ولَيْسَ في النَّصِّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِنهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ٥٠

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] .

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم أبْناءُ فارِسَ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: هم أهْلُ اليَمَنِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِها، بَلْ حُمِلَ ذَلِكَ الكَلامُ المُطْلَقُ عَلى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ شاهَدُوها، قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم، وهي المَدِينَةُ، قالَ القاضِي: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْقَلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ.

والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ والكِنايَةُ في قَوْلِ الحَسَنِ: راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا تَضُرُّوا اللَّهَ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وفي قَوْلِ الباقِينَ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ، أيْ: لا تَضُرُّوا الرَّسُولَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يَخْذُلُهُ إنْ تَثاقَلْتُمْ عَنْهُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ الزَّجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى قادِرٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ العَجْزُ، فَإذا تَوَعَّدَ بِالعِقابِ فَعَلَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ لِمَنِ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفِرُوا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ، قالَ …

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ٥١

﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا ذِكْرُ طَرِيقٍ آخَرَ في تَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم إنْ لَمْ يَنْفِرُوا بِاسْتِنْفارِهِ، ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِنُصْرَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ نَصَرَهُ وقَوّاهُ حالَ ما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَهَهُنا أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟

وجَوابُهُ أنَّ التَّقْدِيرَ إلّا تَنْصُرُوهُ، فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، ولا أقَلَّ مِنَ الواحِدِ، والمَعْنى أنَّهُ يَنْصُرُهُ الآنَ كَما نَصَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَكَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: في الحالِ الَّتِي كانَ فِيها﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائِدَةِ: ٧٣] وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ إذا حَضَرَ اثْنانِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ ثانِيًا في ذَيْنِكَ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: يُقالُ فُلانٌ ثانِي اثْنَيْنِ، أيْ: هو أحَدُهُما، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ثانِي اثْنَيْنِ) بِالسُّكُونِ و﴿إذْ هُما﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ والغارُ ثُقْبٌ عَظِيمٌ في الجَبَلِ، وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ يُقالُ لَهُ ثَوْرٌ، في يَمِينِ مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ ثَلاثًا، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا أنَّ قُرَيْشًا ومَن بِمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ تَعاقَدُوا عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْرُجَ هو وأبُو بَكْرٍ أوَّلَ اللَّيْلِ إلى الغارِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهم جَعَلُوهُ كالمُضْطَرِّ إلى الخُرُوجِ، «وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أوَّلَ اللَّيْلِ إلى الغارِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَضْطَجِعَ عَلى فِراشِهِ، لِيَمْنَعَهُمُ السَّوادُ مِن طَلَبِهِ، حَتّى يَبْلُغَ هو وصاحِبُهُ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَلَمّا وصَلا إلى الغارِ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ الغارَ أوَّلًا، يَلْتَمِسُ ما في الغارِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ما لَكَ ؟ فَقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، الغِيرانُ مَأْوى السِّباعِ والهَوامِّ، فَإنْ كانَ فِيهِ شَيْءٌ كانَ بِي لا بِكَ، وكانَ في الغارِ جُحْرٌ، فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَخْرُجَ ما يُؤْذِي الرَّسُولَ، فَلَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ الأثَرَ وقَرُبُوا، بَكى أبُو بَكْرٍ خَوْفًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا“ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ اللَّهَ لَمَعَنا ؟ فَقالَ الرَّسُولُ: ”نَعَمْ“ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ خَدِّهِ»، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا ذَكَرَ بُكاءَ أبِي بَكْرٍ بَكى، وإذا ذَكَرَ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.