Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم. ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ. ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ. ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ لِيُطِيعُوا. ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ. ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ يُخْمِدُوا. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿وَيَأْبى اللَّهُ﴾ أيْ لا يَرْضى. ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ. وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ أوْ بِالسُّجُودِ لَهم. ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بِأنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ. ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أيْ وما أُمِرَ المُتَّخِذُونَ أوِ المُتَّخَذُونَ أرْبابًا فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الِاتِّخاذِ. ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ لِيُطِيعُوا. ﴿إلَهًا واحِدًا﴾ وهو اللَّهُ تَعالى وأمّا طاعَةُ الرَّسُولِ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ طاعَةُ اللَّهِ. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ. ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾ يُخْمِدُوا. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيِّتِهِ وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنَ أوْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِشِرْكِهِمْ أوْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿وَيَأْبى اللَّهُ﴾ أيْ لا يَرْضى. ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ وإعْزازِ الإسْلامِ. وقِيلَ إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في طَلَبِهِمْ إبْطالَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ والفِعْلُ مُوجَبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَحْذُوفُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ولِذَلِكَ كَرَّرَ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ غَيْرَ أنَّهُ وُضِعَ المُشْرِكُونَ مَوْضِعَ الكافِرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ضَمُّوا الكُفْرَ بِالرَّسُولِ إلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ لِلدِّينِ الحَقِّ، أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واللّامُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ أيْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ فَيَنْسَخُها، أوْ عَلى أهْلِها فَيَخْذُلُهم.

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَأْخُذُونَها بِالرِّشا في الأحْكامِ سُمِّيَ أخْذُ المالِ أكْلًا لِأنَّهُ الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينِهِ. ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ فَيَكُونُ مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِالحِرْصِ عَلى المالِ والضَّنِّ بِهِ وأنْ يُرادَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ المالَ ويَقْتَنُونَهُ ولا يُؤَدُّونَ حَقَّهُ ويَكُونُ اقْتِرانُهُ بِالمُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِلتَّغْلِيظِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ كَبُرَ عَلى المُسْلِمِينَ فَذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بَكَنْزٍ» أيْ بِكَنْزٍ أُوعِدُ عَلَيْهِ، فَإنَّ الوَعِيدَ عَلى الكَنْزِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» ونَحْوَهُ فالمُرادُ مِنها ما لَمْ يُؤَدَّ حَقُّها لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أوْرَدَهُ الشَّيْخانِ مَرْوِيًّا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحَ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنْبُهُ وظَهْرُهُ» ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هو الكَيُّ بِهِما.

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يَوْمَ تُوقَدُ النّارُ ذاتُ حِمًى شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ فَجُعِلَ الإحْماءُ لِلنّارِ مُبالَغَةً ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وإنَّما قالَ عَلَيْها والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِما دَنانِيرُ ودَراهِمُ كَثِيرَةٌ كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرْبَعَةُ آلافٍ وما دُونِها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ.

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ فِيهِما لِلْكُنُوزِ أوْ لِلْأمْوالِ فَإنَّ الحُكْمَ عامٌّ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما قانُونُ التَّمَوُّلِ، أوْ لِلْفِضَّةِ وتَخْصِيصُها لِقُرْبِها ودَلالَةُ حُكْمِها عَلى أنَّ الذَّهَبَ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ. ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ لِأنَّ جَمْعَهم وإمْساكَهم إيّاهُ كانَ لِطَلَبِ الوَجاهَةِ بِالغِنى والتَّنَعُّمِ بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُمُ ازْوَرُّوا عَنِ السّائِلِ وأعْرَضُوا عَنْهُ ووَلُّوهُ ظُهُورَهم، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، أوْ لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرُهُ وجَنْباهُ. ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ لِمَنفَعَتِها وكانَ عَيْنَ مَضَرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها.

﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ وبالَ كَنْزِكم أوْ ما تَكْنِزُونَهُ وقُرِئَ « تَكْنُزُونَ» بِضَمِّ النُّونِ.

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ مَبْلَغُ عَدَدِها. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مَعْمُولُ عِدَّةَ لِأنَّها مَصْدَرٌ. ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في حُكْمِهِ وهو صِفَةٌ لِاثْنَيْ عَشَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ أوْ بِالكِتابِ إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا والمَعْنى: أنَّ هَذا أمْرٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُذْ خَلَقَ اللَّهُ الأجْرامَ والأزْمِنَةَ. ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحِدٌ فَرْدٌ وهو رَجَبٌ وثَلاثَةٌ سَرْدٌ ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيْ تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ هو الدِّينُ القَوِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ والعَرَبُ ورِثُوهُ مِنهُما. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِها وارْتِكابِ حَرامِها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيها مَنسُوخَةٌ، وأوَّلُوا الظُّلْمَ بِارْتِكابِ المَعاصِي فِيهِنَّ فَإنَّهُ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا ويُؤَيِّدُ الأوَّلُ ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ)» .

﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ جَمِيعًا وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ فَإنَّ الجَمِيعَ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم.

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ أيْ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ حَتّى رَفَضُوا خُصُوصَ الأشْهُرِ واعْتَبَرُوا مُجَرَّدَ العَدَدِ، وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ ورْشٍ (إنَّما النَّسِيُّ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها. وقُرِئَ « النَّسِي» بِحَذْفِها و « النَّسْءُ» و « النَّساءُ» وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ. ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ وتَحْلِيلُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهو كَفْرٌ آخَرُ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ. ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَلالًا زائِدًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿يُضَلُّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ يَعْقُوبَ (يُضِلُّ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ تَعالى. ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا﴾ يُحِلُّونَ المَنسِيَّ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ سَنَةً ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ. ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ فَيَتْرُكُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ. قِيلَ: أوَّلُ مَن أحْدَثَ ذَلِكَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ كانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحِلُّوهُ ثُمَّ يُنادِي في القَبائِلِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ.

والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ أوْ حالٌ. ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ لِيُوافِقُوا عِدَّةَ الأرْبَعَةِ المُحَرَّمَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحَرِّمُونَهُ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ مُراعاةِ الوَقْتِ.

﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى خَذَلَهم وأضَلَّهم حَتّى حَسِبُوا قَبِيحَ أعْمالِهِمْ حَسَنًا. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى الِاهْتِداءِ.

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَباطَأْتُمْ، وقُرِئَ « تَثاقَلْتُمْ» عَلى الأصْلِ و ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ. ﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإخْلادِ والمَيْلِ فَعُدِّي بِإلى، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أُمِرُوا بِها بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ. ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وغُرُورِها. ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها. ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَما التَّمَتُّعُ بِها. ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ مُسْتَحْقَرٌ.

﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ كَقَحْطٍ وظُهُورِ عَدُوٍّ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ويَسْتَبْدِلْ بِكم آخَرِينَ مُطِيعِينَ كَأهْلِ اليَمَنِ وأبْناءِ فارِسٍ. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ إذْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نَصْرِ دِينِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ ولا تَضُرُّوهُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ لَهُ بِالعِصْمَةِ والنَّصْرِ ووَعْدُهُ حَقٌّ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ كَما قالَ:

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَباطَأْتُمْ، وقُرِئَ « تَثاقَلْتُمْ» عَلى الأصْلِ و ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ. ﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإخْلادِ والمَيْلِ فَعُدِّي بِإلى، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أُمِرُوا بِها بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ. ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وغُرُورِها. ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها. ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَما التَّمَتُّعُ بِها. ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ مُسْتَحْقَرٌ.

﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ كَقَحْطٍ وظُهُورِ عَدُوٍّ. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ويَسْتَبْدِلْ بِكم آخَرِينَ مُطِيعِينَ كَأهْلِ اليَمَنِ وأبْناءِ فارِسٍ. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ إذْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نَصْرِ دِينِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أيْ ولا تَضُرُّوهُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ لَهُ بِالعِصْمَةِ والنَّصْرِ ووَعْدُهُ حَقٌّ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ كَما قالَ:

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَنْصُرْهُ فَسَيَنْصُرُهُ اللَّهُ كَما نَصَرَهُ. ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَحُذِفَ الجَزاءُ وأُقِيمُ ما هو كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ إنْ لَمْ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّصْرَ حَتّى نَصَرَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ فَلَنْ يَخْذُلَهُ في غَيْرِهِ، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى الكَفَرَةِ لِأنَّ هَمَّهم بِإخْراجِهِ أوْ قَتْلِهِ تَسَبَّبَ لِإذْنِ اللَّهِ لَهُ بِالخُرُوجِ. وقُرِئَ « ثانِي اثْنَيْنِ» بِالسُّكُونِ عَلى لُغَةِ مَن يُجْرِي المَنقُوصَ مَجْرى المَقْصُورِ في الإعْرابِ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ بَدَلَ البَعْضِ إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ، والغارُ نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا. ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ أوْ ظَرْفٌ لِثانِي. ﴿لِصاحِبِهِ﴾ وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ بِالعِصْمَةِ والمَعُونَةِ.

رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الغارِ فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»، فَأعْماهُمُ اللَّهُ عَنِ الغارِ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ.»

وَقِيلَ لَمّا دَخَلا الغارَ بَعَثَ اللَّهُ حَمامَتَيْنِ فَباضَتا في أسْفَلِهِ والعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ. ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أمَنَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ. ﴿عَلَيْهِ﴾ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، أوْ عَلى صاحِبِهِ وهو الأظْهَرُ لِأنَّهُ كانَ مُنْزَعِجًا. ﴿وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ أنْزَلَهم لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ أوْ لِيُعِينُوهُ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ والأحْزابِ وحُنَيْنٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ . ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ أوْ دَعْوَةَ الكُفْرِ. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ أوْ دَعْوَةَ الإسْلامِ، والمَعْنى وجَعَلَ ذَلِكَ بِتَخْلِيصِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ أيْدِي الكُفّارِ إلى المَدِينَةِ فَإنَّهُ المَبْدَأُ لَهُ، أوْ بِتَأْيِيدِهِ إيّاهُ بِالمَلائِكَةِ في هَذِهِ المَواطِنِ أوْ بِحِفْظِهِ ونَصْرِهِ لَهُ حَيْثُ حَضَرَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ ﴿الَّذِينَ﴾، والرَّفْعُ أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ (كَلِمَةُ اللَّهِ) عالِيَةٌ في نَفْسِها وإنْ فاقَ غَيْرُها فَلا ثَباتَ لِتَفَوُّقِهِ ولا اعْتِبارَ ولِذَلِكَ وسَّطَ الفَصْلَ. ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.